مجلة الرسالة/العدد 852/ركن المعتزلة:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 852/ركن المعتزلة:

مجلة الرسالة - العدد 852
ركن المعتزلة:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 10 - 1949


قدرة الله في مذهب المعتزلة

للدكتور ألبير نصري نادر

ردَّت المعتزلة جميع صفات الله إلى ذاته. فإذا تحدثوا عن قدرته تعالى، فهم ينظرون إليها كأنها وجه آخر من أوجه الذات يبحثونها على زعم أنها اعتبار ذهني ليس إلا وغير موجودة حقيقة في الذات.

ما يقدر الله عليه:

كما أن علم الله يشمل كل شيء، كذلك قدرته تعالى منبسطة على كل شيء - وتميز المعتزلة بين قدرة الله وما يقدر الله عليه؛ ويقول أبو الهذيل في هذا الصدد: إن لِما يقدر الله عليه غاية ونهاية في العلم به والقدرة عليه والإحصاء له، ليس يخفى على الله منه شيء، ولا يعجزه شيء منه. ومن أدلته على ذلك قوله تعالى: (إنَّ اللهَ على كلِّ شيْءٍ قديرٌ). (وبكلِّ شَيْء عليم). (وأَحصَى كلَّ شيء عدَداً).

كما أنه لا شيء يغيب عن علمه تعالى كذلك لا شيء يخرج عن قدرته تعالى؛ ولو لم يكن الأمر كذلك لكانت قدرة الله عاجزة ضعيفة، وعليه تكون ذاته ناقصة؛ وفي هذا تناقضلأن علمه وقدرته تعالى هما ذاته.

وحين يقول أبو الهذيل ومعه المعتزلة أجمع: إن الله على كل شيء قدير، هل يعني هذا القول أن قدرته تعالى لا يُمكنها أن تتعدَّى حدود ما قدر عليه وأنها تحققت كلها فيما قدرت عليه كما أن علمه شمل كل المعلوم ولا يمكنه أن يتعداه؟ وبمعنى آخر هل لقدرة الله حدّ هو هذا العالم المخلوق؟ ولو انبسطت على ما ليس متحققاً أو ممكناً لكانت قدرة بدون مقدور؟

يحكي ابن حزم عن أبي الهذيل بهذا الخصوص قائلاً: وقال أبو الهذيل بن مكحول العلاف إن لما يقدر الله عليه آخِر ولقدرته نهاية لو خرج إلى الفعل لم يقدر الله تعالى بعد ذلك إلى شيء أصلاً ولا على خلق ذرة فما فوقها ولا إحياء بعوضة ميتة ولا على تحريك ورقة فما فوقها ولا على أن يفعل شيئاً أصلاً.

ويقول ابن حزم في مكان آخر: وكان علي الأسواري البصري أحد شيوخ المعتزلة يقو إن الله عز وجل لا يقدر على غير ما فعل

إن هذين القولين اللذين يذكرهما ابن حزم لا يعطيان فكرة صحيحة عن قولأبيالهذيل والأسواري ولا عن قول المعتزلة فيما يختص بقدرة الله. ويكفينا أن نرجع إلى تعريف المتعزلة لقدرة الله لندرك أن في مذهبهم القدرة هي الذات وأنها غير متناهية. وإذا بدت لنا هذه القدرة بواسطة بعض الأشياء المتحققة فالمعتزلة لا يستنتجون من ذلك أَن قدرته تعالى محدودة بهذه الأشياء لأنه زيادة على ما تحقق من الأشياء توجد أشياء ممكنة وغير متناهية في العدد تتحقق في الزمان أو خارجا عنه، ولكنها لا تخرج عن قدرته تعالى لأن هذه القدرة لا متناهية كالذات. فعلى ذلك إذا كان ما تحقق وما يتحقق من الأشياء محدوداً في العدد والكم والإبعاض فإن هذا شيء لا يعني أن قدرة الله تقف وتنتهي عند هذا الحد لأنها غير متناهية.

تجنب المعتزلة للمذهب الحلولي

كما أنه لا يوجد عالِم بدون معلوم ولا قادر بدون مقدور عليه، كذلك توجد موازاة بين الله والعالم. فمن جهة نرى علماً وقدرة غير متناهين ولهما موضوع؛ ومن جهة أخرى نرى موضوعاً لا متناهيا وأزليا نوعاً ما، لأنه يقابل فاعلاً متحلياً بهاتين الصفتين: صفة العلم وصفة القدرة الغير متناهيتين؛ ألا وهو الله الذي هو في مذهب المعتزلة كله علم وقدرة.

فيكفينا أن ندمج فكرة الله هذه (وهو الفاعل) في العالم (وهوالموضوع أعني موضوع العلم والقدرة) حتى ننتهي إلى المذهب الحلولي وهو خلط الله وإدماجه في العالم. ولكن المعتزلة تميز دائماً بين ماهية الفاعل وماهية الموضوع، وهذا ما أدَّى بهم إلى التكلم في العدم واعتباره شيئاً متميزاً تماماً عن ماهية الله. والعدم في مذهبهم هو مادة العالم التي ينقصها الوجود والله يمنح هذه المادة الوجود ليكوِّن العالم المخلوق.

العلاقة بين علم الله وقدرته تعالى:

قالت المعتزلة إن علم الله هو هو، وإن قدرته هي هو؛ فعلى ذلك تكون الذات هي العلم والقدرة فإذاً علمه وقدرته تعالى يختلفان تمام الاختلاف عن العلم والقدرة عندنا لأنه كثيراً ما يقوم الخلاف بين العقل وهو عندنا ملكة المعرفة، وبين الإرادة وهي عندنا ملكة التنفيذ والعمل. وكم من الأحيان ندرك الشيء الحسن ونميزه ولكنا بالرغم من ذلك نغفل العمل السيئ - لكن في الله العلم هو القدرة والقدرة هي العلم؛ لذلك نجد عليّاً الأسواري المعتزلي يشدد بحق على العلاقة بين علم الله وقدرته إذ يقول: إن من علم الله أنه سيموت ابن آدم ابن ثمانين سنة، فإن الله لا يقدر على أن يميته قبل ذلك، ولا أن يبقيه طرفة عين بعد ذلك. وإن من علم الله من مرضه يوم الخميس مع الزوال مثلا فإن الله تعالى لا يقدر على أن يبرئه قبل ذلك لا بما قرب ولا بما بعُد، ولا على أن يزيد في مرضه طرفة عين فما فوقها.

يدهش ابن حزم كل الدهشة من هذا القول في حين أن المعتزلة تجده قولاً صحيحاً معقولا منطقيا لأنهم يردون جميع الصفات إلى الذات: فعلم الله هو ذاته كما أن قدرته هي ذاته، فما يعلمه الله فهو قادر عليه ولا يجوز خلاف ذلك، وما يقدر عليه فهو يعلمه، ولا يجوز خلاف ذلك في مذهبهم - فهم لا ينظرون إليه تعالى كما نحن ننظر إلى الإنسان الذي يفكر ويعلم ويقرر ثم لا ينفذ أو ينفذ خلاف ما قرر. لا. لأن علم الله هو قدرته. وليس هناك أي مشابهة بين الله تعالى والإنسان. لذلك نجد أكثر مؤرخي الملل يدهشون لأقوال المعتزلة التي تبدو لهم غريبة؛ ولكن عندما ندرك أصل مذهبهم وهو رد جميع الصفات إلى الذات نفهم بسهولة هذه الأقوال ونجدها نتيجة منطقية للأصل الذي بنوا عليه مذهبهم.

هل الله مكلف بفعل الأصلح؟

تقول المعتزلة: إن الله مكلف بفعل الأصلح. وهذا القول نتيجة منطقية لرأيهم في ماهية الله اللامتناهية والكاملة إذ أنهم يردون إليها العلم والقدرة. ولما كان الله كاملاً فلا يمكنه أن يقف عند ما هو غير كامل وإلا أصبح هو تعالى أيضاً غير كامل. وعلى هذا القول بنت المعتزلة رأيها في التفاؤل. ويقول النظام والجاحظ والأسواري والكعبي إن الله لا يوصف بالقدرة على ترك الأصلح من الأفعال إلى ما ليس بأصلح ونحن لا نعجب من رأي المعتزلة هذالأن الله وهو كل الكمال لا يعزم على خير ثم يميل إلى خير آخر أسمى من الأول كأنه تعالى يتدرج في مراتب الكمال. فإذا كان الأمر كذلك لم يعد الله كلي الكمال؛ إذ أن في هذا الخير الأسمى الذي مال إليه الله تعالى بعد تركه الخير الأول يوجد كمال كان ينقص الأول وهذا الكمال كان سبباً في تحرك الله من درجة في الكمال إلى أخرى أسمى منها. وهذا التحرك دليل على النقص والنقص برهان على عدم الكمال. وبناء على ذلك يمكننا أن ندرك بسهولة لماذا كان أبو القاسم الكعبي المعتزلي يقول بإيجاب الأصلح للعبد وأن الإيجاب على الله تعالى محال لاستحالة موجب فوقه يوجب عليه شيئاً.

التفاؤل عند المعتزلة

ينوه ابن حزم بهذا التفاؤل عند المعتزلة حين يقول: وقالت المعتزلة كلها إن الله عز وجل ليس في قوته أحسن مما فعل بنا وأن هذا الذي فعل هو منتهى طاقته وآخر قدرته التي لا يمكنه ولا يقدر على أكثر. ويدافع النظام عن هذه العقيدة الراسخة عند المعتزلة دفاعاً قوياً حيث يقول: إن الله لا يقدر على أن يفعل بعباده خلاف ما فيه صلاحهم، ولا يقدر على أن ينقص من نعيم أهل الجنة ذرة لأن نعيمهم صلاح لهم والنقصان مما فيه صلاح ظلم؛ ولا يقدر أن يزيد في عذاب أهل النار ذرة ولا على أن ينقص من عذابهم شيئاً. ثم زاد على هذا بأن قال إن الله لا يقدر أن يعمي بصيراً أو يزمن صحيحاً أو يفقر غنياً إذا علم أن البصر والصحة والغنى أصلح لهم، ولذلك لا يقدر أن يغني فقيراً أو يصحح زمناً إذا علم أن المرض والزمانة والفقر أصلح لهم.

فإذاً كل ما يحصل في الدنيا وفي الآخرى هو أصح ما يمكن للعباد. وهذه نتيجة منطقية لنفي جميع الصفات عن الله وردها إلى الذات. والذات غاية الكمال لا يعترضها أي عجز أو نقص؛ لذلك يلزم أن يكون ما تعمله كاملا.

لكن الإنسان وهو محدود في عقله يتساءل أحياناً أي خير يوجد في بعض الأمور والحوادث التي لا يرى فيها سوى النقص والعجز والآفات. إن المعتزلة لا تحكم على الأشياء بجزئياتها، وإنما تنظر إلى العالم بأسره وتبدي حكمها عليه بأكمله. ويذهبون إلى القول بأن الصنيعة كاملة لأن الصانع كامل. فما يبدو لنا كأنه عجز أو نقص أو آفة، فكل ذلك يساهم في خير الدنيا العام، ويصبح خيراً وصلاحاً.

هل يعني هذا القول أن المعتزلة كانت تميل إلى صبر رواقي على الآلام والشدائدأمإلى صبر كصبر المسيحيين الذين يرون في الألم طريقاً لكسب خير أعظم؟. لا يمكن الرد على إلى السؤال إلا بعد البحث في مصدر فكرة التفاؤل عند المعتزلة.

مصدر فكرة التفاؤل: بالرغم من أن النظام هو أول معتزلي تكلم بوضوح في التفاؤل يقول الشهرستاني إن النظَّام أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة حيث قضوا بأن الجوَّاد لا يجوز أن يدخر شيئاً لا يفعله فما أبدعه وأوجده هو المقدور، ولو كان في علمه ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاماً وترتيباً وصلاحاً لفعل. ويرى هوروفتز أن النظام قد تأثر بفلسفة الرواقيين القائلين بأن الشرَّ والخير يتبعهما حتماً عقاب أو جزاء، وذلك حسب قوانين ثابتة لا يمكن تغييرها أو تحريفها. فعلى الإنسان يتحمل بصبر وسكوت المصائب والشدائد والآلام إذ لا يمكنه أن يغير مجرى الأمور وسننها. ولكن شتان ما بين رأي الزواقيين ورأي المعتزلة من فرق في التفاؤل. إن هؤلاء يرون فيما ندعيه شراً سبيلا لخير أكبر وأعم. فلا يمكنا أن نشاطر المستشرق هوروفتز رأيه هذا القائل أن المعتزلة قد تأثرت بالرواقيين، لأنالمعتزلة لا تنظر إلى الألم في حد ذاته، بل ترى فيه سبيلا للخير.

ويقول البغدادي من جانبه إن النظام تأثر بالمتانية القائلين إن الله إله الخير لا يمكنه أن يفعل إلا الخير ولا يمكنه أن يفعل الشر، لأن الشرَّ لا يصدر إلا عن إله الشر , ولكن النظام ردَّ على المتانية قولها بالاثنين (إله الخير وإله الشر).

فتكون المعتزلة قد بحثت أقوال قدماء الفلاسفة وأقوال المتانية واستخلصت منها قولا يتفق وكمال الله تعالى. وجاء قولها متفقاً أيضاً وفكرة المسيحيين في الألم كطريق لخير أعظم.

البير نصري نادر

دكتور في الآداب والفلسفة