مجلة الرسالة/العدد 852/الأدب والفن في أسبوع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 852/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 852
الأدب والفن في أسبوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 10 - 1949


للأستاذ عباس خضر

طه حسين سفير مصر الأدبي في أوربا:

جاء من باريس أن الدكتور طه حسين بك غادرها عائداً إلى مصر، وقد عرف الناس من أنباء رحلته في أوربا هذا الصيف، أنه توجه إلى إنجلترا تلبية لدعوة جامعة لندن إلى إلقاء محاضرات هناك، وقد ألقى هذه المحاضرات التي دارت موضوعاتها على الأدب العربي، وقرأ الناس أيضاً من أنباء هذه الرحلة ما قوبل به في تلك البلاد من الحفاوة والترحيب، لا من المصريين هناك فحسب، بل من الهيئات العالمية أيضاً، كنادي القلم الدولي في لندن. وقد بهر أديبنا العظيم من لقيه هناك واستمع إليه، حتى أطلق عليه بعضهم (برناردو شو الشرق) وما نعد نحن هذا التشبيه زيادة في قدره، وإنما الدلالة الملحوظة أن ينزل هو من تقديرهم مثل منزلة أديبهم الكبير.

وفي العام الماضي دعي طه حسين إلى أسبانيا لإلقاء محاضرات في جامعتها، فلبى الدعوة وقضى هناك أشهراً تحدث فيها إلى الأسبانيين عن الأدب المصري الحديث فيما تحدث. وكان من ثمرات تلك الرحلة فكرة إنشاء معهد مصري في أسبانيا، التي اقترحها على وزارة المعارف، والتي ترمي إلى دراسة الآثار العربية والفنية والفكرية في البلاد التي كانت تسمى بالأندلس في عهدها العربي، دراسة تصلنا مباشرة بتلك الآثار التي لا نعرف عنها إلا ما نلقفه من المستشرقين.

وأعود إلى طه حسين وهو يضطرب في فرنسا متنقلا بين عاصمتها ومصايفها، يخالط الأدباء الكبار ويدارسهم، يستمع إليهم ويستمعون إليه. وأكبر الظن أنه لا بد أن يرد في الحديث ذكر الأدب في مصر وأخواتها العربية، وأقل ما يشعر به أولئك الأعلام العالميون أن بينهم أديباً عربياً يمثل الثقافة العربية الحديثة، فيعلي ذلك من شأن هذه الثقافة في نظرهم. وليس قدر طه حسين بين كبار الأدباء في فرنسا بالذي يحتاج إلى تبيين، وقد رشحه أندريه جيد وماسنيون وأدوار هريو لنيل جائزة نوبل للآداب في هذا العام، كما أشرت إلى ذلك في الأسبوع الماضي.

تلك هي السفارة الأدبية التي يقوم بها لمصر طه حسين، وهي سفارة - كما ترى - ذات شأن وأثر كبيرين، ففيها دعاية لبلادنا وفيها تعريف بأدبنا وثقافتنا، إلى ما يستمده أديبنا الكبير نفسه من ثمرات الأفكار وما يستلهمه من صور الحياة ثم يفيضه علينا في أدبه المصفى.

وذلك هو طه حسين (مالئ الدنيا وشاغل الناس). أنه يعود إلى مصر، فليت شعري، كيف تلقاه مصر؟ هل يتوجه إلى داره ويذهب للتسليم عليه جماعة من الناس، يحمدون الله على سلامته، كأي واحد من آلاف الناس الذين يسافرون ويؤوبون، في تجارة أو لهو؟

قرأت في الصحف أن رجال التعليم الحر سيقيمون له حفلة استقبال، هذا حسن، وهؤلاء قوم يعرفون الواجب. ولكن الأدباء أين هم؟ لا أريد أن أسبق اللوم، فعسى أن يخطر الأمر على بالهم، وليت (عسى) تنفع شيئاً!

ولكن أقول: إن الخطباء والشعراء يسارعون إلى المشاركة في الحفلات التي تقام لرجال السياسة وغيرهم، وأراهم يتقاعس بعضهم عن بعض، لا يكرمون أحداً منهم ولا يحيون ذكر موتاهم، مع أن هذا هو الأكرم لهم والأجدر بهم، ولكن قاتل الله التطلع والأثرة والمنافسة. . .

ولست أدعو إلى تكريم طه حسين لذاته، فالرجل غني بأدبه وصيته عن كل تكريم، وإنما في ذلك معان منها إكرام النفس بعرفان الفضل، وفي ذلك أيضاً مجال للأذهان والقرائح، وتنشيط للحركة الأدبية، وعرس للأدب والفن.

وتحيتي إلى الرجل العظيم الذي يذكر اسمه مجرداً، فيغني عن كل ما تحلى به الأسماء، وهو طه حسين.

من طرف المجالس:

كم في مصر من العبقريات! هذه عبقرية من نوع آخر. . التقينا بصاحبها بفندق الكونتننتال في إحدى أمسيات هذا الأسبوع وعبقريتنا هذا هو الفيلسوف الاقتصادي، أو قل زعيم الفلاسفة والاقتصاديين جميعاً من غير منازع، محمد مختار. . وتجريد اسمه من الألقاب لعظمة الاستحقاق. . . كما أن تجريد اسم (طه حسين) للاستغناء. . وهكذا تتنوع الأسباب والتجريد واحد. .

قدم لنا الدكتور أحمد فؤاد الأهواني ذلك العبقري، وعرفنا به ولم يكن بحاجة إلى تعريف، فقد كانت (عظمته) بادية في سمته، كما هي كامنة في اعتقاده. . وشاء ظرف معالي حلمي عيسى باشا أن يشير إلى ناحية من نواحي هذه العبقرية التي قلما يجود بمثلها الزمان. . تلك الناحية هي تجديد عبقرينا في النحو، بجر الاسم الذي يقع عليه الفعل وهو لا يعترف بالنصب إلا في حالة واحدة، عندما يدخل على الاسم حرف جر، فإنه يقف في وجه هذا الحرف ليمنعه أن يؤثر شيئاً في الاسم، أو يحمله على نصبه حملا! قال معالي حلمي باشا: كيف يقول الدكتور أحمد أمين في خطبته بالمجمع اللغوي: إن النحو ظل جامداً لم يتطور! ولكن له عذره لأنه لم يسمع مختار بك، ولو سمعه يدحض مذاهب النحويين بالقراءة على غير مقتضاها لغير رأيه. .

ولكن الفيلسوف الاقتصادي الكبير لا يلقي بالاً إلى النحو، فهو يتكلم بالسليقة، وهو يوجه همه إلى الفلسفة والاقتصاد. وقد أجمع أهل المجلس على الرغبة في سماع شيء من إنتاج عبقريته، فأخرج من جيبه مقالا عنوانه (فلسفة الحياة) وهو مقال صغير في مبناه كبير في معناه. . . تتجلى روحه الفلسفية في مستهله إذ يقول: (الله سبحانه جلت قدرته خلق الإنسان مكوناً من مادتي الجسد والروح، وتصل الفلسفة إلى قمتها عندما يقول (إذا فقد شخص ما مكانته الاجتماعية إذ كان موظفاً وأحيل على المعاش شعر بنقص كبير في شخصية مكانته الاجتماعية فيسعى لإظهارها بأن يعمل عضواً برلمانيا أو تجاريا أو محامياً) أرأيت مثل هذه الفلسفة في (الحث على العمل)؟

وقد أراد الأستاذ الزيات أن تتحلى الصفحة الأولى من (الأهرام) بذلك المقال. ولكني ضننت به على الأهرام، وأخذته لتحليله وعرض فكرته الهائلة في (الرسالة) ولا يسعني بعد ذلك إلا أن أنبه على وجوب اختيار هذا العبقري الفيلسوف وزيراً لأي وزارة. . تحقيقاً لرغبة أصحابه ومجالسيه في الكونتننتال، وتحقيقاً لرغبته هوأيضاً فالتواضع لا يحسن في كل حال.

عقبال البكاري:

كان مخرجو الأفلام المصرية يعمدون إلى خلق المناسبات وأدنى الملابسات ليظهروا في مناظرها الراقصات والمغنين والمغنيات والمضحكين والمضحكات، ويُعد من الأفلام الجيدة ما تقدم هذه العناصر والمظاهر مع موضوعه الهزيل كي تستر نقصه وتغطي هزاله. . .

ولكن فلم (عقبال البكاري) حدث جديد في هذا الميدان لم يسبق له مثيل. ذلك أنه لا ينتهز الفرص لتقديم الرقص وغيره، وإنما هو يحاول أن ينتهز الفرص في خلال الرقص لعرض قصة. . وللمرة الأولى نرى القصة خرجت عن (السيناريو) وصارت شيئاً آخر إضافياً، وأصبح (التقطيع) ينصبُّ على الرقص وما إليه. . .

ولم لا؟ ألست بطلة الفلم هي تحية كاريوكا؟ وها هي ذي تظهر - واسمها في الفلم تحية أيضاً - في أول منظر أمام الرسام حمدي باعتبارها (مثالاً) للرسم، وبينا هو يعمل في رسمها ويسمع قطعة موسيقية من الحاكي إذا هي تتحرك على الموسيقى وتروح ترقص وترقص. . . ولا بد من ذلك ليبدأ الفلم أو - على الحقيقة - ليرقص. . وتُنتهز فرصة فراغ تحية من الرقص لعرض مناظر يفهم منها أن حمدي الرسام تعلق قلبه بتحية الراقصة، فذهب إليها في (الصالة) التي تعمل بها، وهنا يستأنف الفلم مجراه الطبيعي، فيقدم ما تشتهي الأنظار من ألوان الرقص والغناء وفي حجرة تحية الخاصة نراها تستقبل حمدي ضمن زوار آخرين استقبال مجهول وتسأله عن اسمه. . فهل نسيت أو نسى المخرج أنها كانت عند حمدي في مرسمه، يرسمها وترقص؟ ولندع هذا فما هي إلا برهة وجيزة حتى نرى تحية وحمدي وآخرين معهما يتعشون في (كازينو نجمة الصبح) والحقيقة أن كلمة (العشاء) نسمعها من ألسنتهم فقط، فلم نر عشاء على المائدة التي جلسوا إليها قليلا ثم نهضوا للرقص. .

ونرى بعد ذلك حمدي يصارح تحية بحبه إياها وهي تبادله الحب، ويتفقان على الزواج، بعد أن يقول لها أنه فقير، وتقول له إنها ترضى به، لأنها تحبه وقد كرهت هذا النمط من الحياة الذي تجري عليه. ويبدأ في البحث عن شقة يسكناها، هو وصديقه جميل، ويعني المخرج بإبراز هذا البحث ليشير إلى أزمة المساكن، ولكنه لا يوفق في ذلك إذ أنه جعل من العسير عليهما أن يجدا أي شقة، مع أن الشقق الآن موجودة في كل مكان ولكن الأزمة في ارتفاع أجورها، اللهم إلا أن يكون الفلم أعد منذ سنوات وعرض الآن فقط.

وأخيراً يجد حمدي إعلاناً عن شقة خالية في منزل المعلم عاشور الجزار، ويذهب حمدي وصاحبه جميل إلى هذا المنزل، فيحدث اشتباه مفتعل ظريف، إذ يظن الجزار أن حمدي يخطب أخته العانس فيرحب به، ويجري الحوار بينهما مشبهاً، يفهمه حمدي على الشقة، ويأخذه الجزار على أنه في الرغبة من زواج أخته، ويضرب الموعد لكتابة (العقد). . . وأي عقد؟ أهو عقد الإيجار، أم عقد الزواج؟ كل يفهم ما يريد. . . ويعد الجزار لعرس أخته، ويقبل حمدي ليؤجر الشقة. . . ثم يرغم على الزواج، إذ يهدد بالسكاكين إن لم يقبل، حتى لا تتعرض سمعة العائلة للقيل والقال.

ويجري كل ذلك سريعاً سريعاً، ويدور الرقص في الفرح، وتعلم تحية فتعود إلى (الصالة) بعد أن تركتها وتستأنف الرقص. ثم يهرب حمدي من العروس التي أكره عليها، ويحصل الجزار من (قسم البوليس) على أمر بالقبض على العريس أينما وجد. ولأول مرة - فكل ما في الفلم أول - نرى أمر القبض على زوج هارب من زوجته، والأمر من (عسكري البوليس) لا من وكيل النيابة! ولم هذا الأمر يا ترى؟ ليذهب به الجزار إلى ميدان سباق الخيل بالإسكندرية حيث ذهب إلى هناك حمدي وتحية ومن معهما ليشاهدوا الحصان (سعد السعود) الذي خرجت باسمه ورقة النصيب التي معه، فيطالبه بمؤخر الصداق وهو ألفا جنيه، ويهدده بأمر القبض عليه. . . وبعد أخذ ورد يتفقان على أن يتنازل الجزار عن ألفي الجنيه ويدفع خمسة آلاف أخرى لقاء ورقة النصيب التي أيقن أن حصانها سيسبق ويربح عشرة آلاف جنيه، ثم يخفق الحصان. وينتهي الفلم بمنظر حمدي وتحية مسرورين بخمسة الآلاف

ويلاحظ أن الجزار يطالب بمؤخر صداق أخته، ويساومه زوجها حمدي، وهذا أيضاً تجديد نوجه إليه الأنظار، فالمتبع ألا يطالب بمؤخر الصداق إلا عند الطلاق، ولكن هنا لا يجري للطلاق أي ذكر، ومع ذلك يتساوم الطرفان على مؤخر الصداق، والسؤال الحائر هو: لماذا لم يطلق حمدي أخت الجزار؟ وهل يكفي أن يوقع له أخوها بأنه تسلم مؤخر المهر لتكون هي طالقاً؟

ومن العبث أن يتحدث الناقد في مثل هذا الفلم عن رسم الشخصيات، فليس فيه شخصية مرسومة، حتى الرسام الذي لم نجد في مرسمه شيئاً من روائع فنه!

وقد عرض الفلم - لأول مرة - في هذا الأسبوع بسينما الكورسال بالقاهرة، وهو من تأليف أبو السعود الأبياري وإخراج إبراهيم عمارة. ومثل (حمدي) محمود المليجي، وهو ممثل عرف بالإجادة في أدوار الشر، وكان بهذا الفلم في دور البطل المحبوب، وقد وفق في القيام به، غير أنه لا تزال تلازمه بعض الظلال والخلال التي كان يظهر بها في الأدوار الشريرة. ومثل (جميل) إسماعيل ياسين وهو دور إضافي يمكن الاستغناء عنه، وإنما يقصد به الإضحاك، وكذلك حسن كامل الذي مثل عم تحية، وقد كانا فعلاً ركني الفكاهة في الفلم، على أنه يمكن أن يقال إن كل من في الفلم يمكن الاستغناء عنهم. . . ما عدا تحية. . .

عباس خضر