مجلة الرسالة/العدد 851/المازني في عهدين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 851/المازني في عهدين

مجلة الرسالة - العدد 851
المازني في عهدين
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 10 - 1949


بين إبراهيم الكاتب وإبراهيم الثاني

للأستاذ غائب طعمة فرمان

وصف المازني إبراهيم الكاتب بقوله:

(إن أبرز مزاياه كانت أن أسلوبه صورة لنفسه الحية الحساسة المتوقدة. . . . وكان دأبه أن يدور بعينه في نفسه ليطلع على كل ما فيها، وأن يجيلها فيما هو خارج عنها ليحيط بكل ما وراءها. . . ولكن قلما رأى شيئاً خارجها إلا من خلالها. . .)

. . . ومن خلال هذا الوصف أعطانا المازني صورة واضحة المعالم دقيقة السمات لنفسه. . . تلك التي ترى الأشياء من مرآتها الخاصة وتبث من خلجاتها حياة فيها. . .

والمازني لا يفتأ يتحدث عن نفسه، وينفذ إلى أعمق أعماقها، ويسبر أغور أغوارها، ويطلع على أخفى خفاياها. . . ثم يرى العالم من خلالها ليتعرف على أسرارها!

فإذا بتلك السلسلة المتصلة الحلقات من التجارب الإنسانية تصبح مادة أدبه، وإذا بذلك النهر المتجمع من قطرات أيامه وسنيه يمد المازني بمعين لا ينضب من الأدب الرفيع.

وتحت معاول الهزات النفسية، والجنبة في رحلاته الطويلة في عالم الفكر والشعور تربت نفسه، وتهذبت، وامحي بريقها الكاذب وبدت خالصة من الشوائب، ناصعة الجوهر. . . فإذا هو يعتز بها، ويحيا لها، وفي سبيلها يسعى، وبها وحدها يعنى.

فإذا أسلمنا بهذا حملنا إلى الشك في قول المازني بأنه (ليس إبراهيم الكاتب الذي تصفه الرواية؛ وإن هذا المخلوق ما كان قط، ولا فتح عينيه على الحياة إلا في روايته) فتلك مغالطة أعظم بها من مغالطة، وتنكب عن واقع الحياة، وهروب عن لذعات السنين الماضية، وذكرياتها المريرة التي قد تكون شديدة الوطأ على نفسه، قاسية الواقع على شعوره. . . وما تلك الفروق بين إبراهيم المازني وإبراهيم الكاتب إلا ضرب من المخادعة واللف يلجأ إليه المازني في كثير من الأحايين.

وقد تغير المازني السنون فيبدو لعينيه إبراهيم الكاتب - وهو يمثل طوراً من أطوار حياته - رجلاً غريباً (لا تعجبه سيرته ولا مزاجه ولا التفاتات ذهنه). فينفر منه، ويجفوه لاختلافه في الاحتفال بالحياة والإعراض عن الدنيا، والوعورة في الأخلاق والنفور الناس، والمرارة من الواقع الأليم، والرضى بما هو كائن. . .

فالمازني الشاب بنزوات قلبه، وخفقات روحه، وتسابيح خياله، وانسراح عواطفه قد مضى. . وخلف ذكريات مرة مسجلة على صفحات (إبراهيم الكاتب).

ولست أدري كيف استساغ المازني أن ينفي كونه إبراهيم الكاتب بعد أن قال في الصفحة الأولى من المقدمة:

بدأت هذه الرواية في سنة 1925 ثم عدلت عن إتمامها، والمضي فيها وبها إلى غايتها ونسيتها إلى شتاء 1926 فاتفق في ذلك الوقت أن عرفت سيدة نمساوية تزاول الصحافة والتعليم في آن معاً، وتوثقت بينا الصداقة على الأيام - فقد طال مقامها هنا - فأطلعتني على صفحة من حياتها حافلة بالكروب والمتاعب، ولما كنت لا أعرف لي، مع الأسف، تاريخاً يستحق الذكر، أو حياة جديرة بأن يصغي إليها، أو يطلع عليها السامع أو القارئ، ولما كنت معها في موقف يتقاضاني أن أجازيها بثاً ببث، وأن أقول لها بشجوي، كما قالت لي بشجوها، فقد ركبني عفريتي الذي استراح إلى كتفي، واطمأن إلى استسلامي لقضاء الله فيَّ معه فقصصت عليها حكاية الرواية - كما كنت أنوي أن أكتبها - وزعمت أن هذه قصة حياتي!!! ولما كانت حياتي مستمرة فقد احتجت وأنا أسرد عليها هذا التاريخ المبتدع أن أجعل الختام باباً مفتوحاً)

. . . ثم وصف المازني لإبراهيم الكاتب وصفاً لا أظن الذين رأوا المازني رأي العين يفوتهم هذا التشابه الجسمي بين إبراهيم الكاتب وإبراهيم المازني. . .

كل هذا يدفعنا إلى أن نقر بأن المازني قد سجل في إبراهيم الكاتب عهداً من عهود حياته، عهداً مليئاً بالهزات النفسية، عهداً بذر بذور التشاؤم في نفسه، وأسلمه إلى شيء يشبه القنوط، عهداً لم يخل من أخطاء ونزوات وزلات وهفوات، حتى اضطره آخر الأمر إلى أن ينكر ذلك الرجل الذي يهرب من العقل، ويغور في كهوف العاطفة، ويهوم في مساربها العميقة. .

و (إبراهيم الكاتب) قصة رحلة، تبدأ بإخفاق، وتنتهي بإخفاق. . ويظل القلب الذي شهد فصولها يتألم من الحاضر، ويتعذب بالماضي الدفين.

وتبدأ هذه الرحلة حين يذهب إبراهيم إلى الريف، بعد موت زوجته، وخروجه من المستشفى وهو مجروح القلب، يعذبه حب ماري. . . يذهب إلى الريف ليسلو، وليقضي وقتاً في أحضان السكون، ومراتع الطبيعة الريفية الهادئة، بعيداً عن ضوضاء المدينة ووساوس الحب وآلامه. . ولكنه لم يدر أن القدر يترصده؛ فيقع في حب ثان أعنف وأشد. . . هو حب شوشو بنت خالته، تلك الفتاة الغريرة بنت السابعة عشرة، وذات العينين العميقتين السوداوين المعبرتين عن طبيعة صاحبتها، والمفصحتين عن حقيقة جمالها، الحلوة النفس، الخفيفة الروح، الظمأى إلى المجهول.

ولكن المرارة دائماً تفعم قلب المازني، واليأس يصحبه، والإخفاق يطارده؛ فالحب الذي اضطرمت ناره في صدر العاشقين، وجريا معه في مجاريه يتحطم على أعتاب تلك القوة الغاشمة. . . قوة التقاليد. . . فيسافر إبراهيم إلى الأقصر ليدفن هواه الجريح، ويواسي قلبه المضطرب، وليتسلى عما أصابه من إخفاق.

وكأن القدر يلذ له أن يحرك الآثار المرهقة من قلب إبراهيم، فهناك يلاقي فتاة مصرية تدعى (ليلى). . وسرعان ما يختلج في فؤاده لهيب العاطفة التي تعذب بها، وصلى نارها، فينجرف في تيارها إلى الشاطئ ذي الأشواك. . شاطئ الحب الصارم، فيوغل في حب ليلى، ويندفع معها إلى جنائن الفاكهة المحرمة!.

ولكن ذلك الشيطان الظالم. . . الإخفاق. . . دائماً يظلله بأجنحته السوداء، فيصاب بالمرض، أغلب الظن أنه أورثه تلف الأعصاب، وخلق منه إبراهيم الكاتب.

وبعد تلك الرحلة الفنية يسلم نفسه إلى كآبة عميقة، ويأس مرير. . . وفي خلال صفحات الكتاب نرى نفسه الحساسة المرهفة كيف تتعذب، وكيف تشقى بإحساسها. . . فالحياة لم تنر لها الطريق، ولم تهدها إلى نعيم الاستقرار، فظلت هائمة لا يثوب إليها الاستقرار، ولا تركن بزورقها الحائر إلى شاطئ الهدوء.

فلا غرابة - إن اتجه إبراهيم الكاتب إلى التشاؤم بعد هول العاصفة، يلوذ بكهوفه، يرضي فيه نفسه الجريحة، ويحاول أن يحسب الألم عنصراً من عناصر الحياة:

(اسمعي يا ثوثو. . . لقد أهاب بنا نتشه أن نحيا حياة خطرة. . . ولكني أقول أنه ينبغي أن نحيا حياة مؤلمة!. إن الألم لا سخيف ولا بشع. . . انظري هذه الشمس التي تنحدر للمغيب. . . إن للشمس بقعها، والشمس على رغم من بقعها هي حياة الأرض. . . هي وحدها الحياة. . . والسعادة أيضاً لها بقعها. . . ولك أن تسمّيها آلاماً. . . ولكن هذه الآلام هي التي تجعلنا نقدر السعادة التي نفوز بها، والحياة بالقلب هي الحياة الثامنة، أما من يبلد قلبه؛ من يخنقه فهذا إنما يحيا حياة هندسية في ناحية واحدة).

هذا الشاب المتوقد كم عذبه إحساسه، وشقي بعاطفته؛ فكان يحس في قرارة نفسه بعد أن أنهى آماله، وتحطمت أحلامه - أنه يحسن به أن يستقر، ويهدأ ويلقي جسمه المنكود المتعب، ونفسه المنهوكة المثقلة بأعباء الحياة في ركن يستكن به. . . في بيت يربطه بالرباط المقدس، وتظلله ظلال وارفة من التآلف والحنان. . ولكن أنى له ذلك؟! ألم يحاول أن يتزوج من ميمي الفتاة التي أحبها، وأحبته واستغرق الاثنان في حبهما، حتى إذا أشرف على الزواج وقف ذلك الجدار المرتفع من التقاليد. حائلاً دونه ودون ما يصبو إليه.

وليلى؟. . الفتاة الظريفة الحركة الحلوة التعبير، الناضجة الجسم، السمراء اللون، الدائمة التفكير. . . لقد هام بها فجاء إليها مرة قائلاً (. . إن هذه اللحظة رهيبة في حياتي فهل توافقين على الزواج مني؟. .) فتجيبه (يا حبيبي المسكين أجننت؟!).

وفي هذه اللحظة الرهيبة تتبين له حقيقة ليلى، وتكشف له سطوراً من صفحات ماضيها القاتم، وتزرع في قلبه المفتون أشواكاً، وتذر في عينيه حفنة من رماد!

ويتحطم كل أمل له في البيت المنشود، ويظل الاستقرار بعيداً عنه، نفوراً منه، ويظل قلبه المرهف يتجرح الصاب في صمت!. وينظر إلى سجل أيامه الماضية من بعيد وهي متوارية خلف آفاق الماضي، والدموع تملأ قلبه، والغصة في حلقه.

وذات مرة تسأله أمه:

- يا بني ألم تفكر في الاستقرار؟

- الاستقرار؟!. . إن البيوت الثابتة إنما اخترعت لأنالإنسان اشتهى السلامة وطلب الأمن، وأراد أن يكون مطمئناً إلى ما يتوقع. . فإن الخيال لعنة. . والحياة تظل تجربة حتى يكون للإنسان بيت ويشعر بأنه له، ويصبح هو ملكاً لهذا البيت، مشدوداً إليه، مقيداً به، والناس في العادة يرتاحون إلى هذا الشعور، ويحبون أن يكونوا على يقين من أن هناك وسادة يضعون عليها رؤوسهم كل ليلة، وأن هناك امرأة يسمونها الزوجة ترقد إلى جانبهم. . نعم فإن الإنسان إنما يطلب البيت لأنه يطلب الزوجة، وهو يطلب الزوجة لأنه يريد أن يريح نفسه من متاعب الإحساس الجنسي!! كأنما هو يريد أن يفرغ من الأمر مرة واحدة وفي لحظة واحدة. . هذا هو الاستقرار. . وليس فيه ما يخدم الآداب والفنون أو يساعد على التقدم.

وهكذا يخلص إبراهيم الكاتب إلى هذه الفلسفة يحاول فيها أن يقنع نفسه ويرضيها بالتعلات، ويسوغ إخفاقه بأشياء لا يرضاها إلا القلب الكسير!

فلا جناح أن يتجه المازني في ذلك الدور المضطرب، إلى الكآبة يغرق في لججها، وإلى التشاؤم يتسلى في قناعته، وإلى الألم يستسيغه، ويستمري مره، وإلى اليأس من كل شيء.

وخيل إليه (أن المرء لا يستطيع أن ينظر إلى الحياة بإخلاص إلا بعين يمتزج بها التشاؤم والتسامح، وأن الدنيا حافلة بالسوء والمقابح، وأن الحياة فنها - أقوى فنونها - التثبيط، وأن الإنسان يعيش سنين وسنين ويتصل بمن لا يحصى عددهم من الناس، ولكن ما أقل الموافق منهم!. . وأن خاتمة كل حياة الأسف والندم. . وهما جيل ينمو معنا طالعاً من أقدامنا، وقلما نعرف اسمه في صباناً، وما أكثر ما نتوهمه جيلاً رائعاً جليلاً. . وإنه لرائع وجليل. . ولكنه مخيب للأمل. . ويعلو الجبل أمامنا ويتضخم ونحن نصعد فرحين بالحياة، مغتبطين بالعيش، ثم لا نلبث على الأيام أن نتمهل وندير عيوننا، ونرجع البصر فيما خلفنا ووراءنا، فتأخذ عيوننا شقوق الفضائح وفدافد اليأس، وأودية السقوط. . ومع ذلك نظل نصعد في جيل الندامة، وماذا عسانا نصنع غير ذلك؟ ويجيء يوم نهرم فيه، وتكل أرجلنا، وتجف أنسجتنا، ونعيا بالأصفاد، فنقعد على قنة مريحة، وننظر إلى جداول الحياة المنحدرة. . الحياة التي تظل تترقرق، ويظل واديها خصيباً، وإن أخفقنا نحن، ونشفنا واحداً بعد واحد فنتعلل بذكرياتنا، وتبدو لنا هذه الذكريات أجمل وأسبى من الحوادث التي ولدتها!).

هذه الصورة الرمزية القاتمة الدقيقة التي رسمها المازني ليمثل فيها أدوار الحياة الإنسانية تمثيلاً يحمل إلى النفس كثيراً من الأسى والحسرة. . هي خلاصة فلسفة إبراهيم الكاتب بعد أن ألقى رحاله في أحضان اليأس، والإخفاق، يحسب أنه معذور إذا بكى إساره، وحاول أن يتلهى بسجنه. . وبدت له الصور القائمة في خميلته، صور الذكريات الحلوة المرة، الباسمة القاتمة (أجمل وأسبى من الحوادث التي ولدتها) في نظر اليائس على الأقل! وإلا فماذا كسب من الذكرى؟

أحب ماري ثم أراد القدر أن يسخر بمنطق الحب، فافترق عنها. . ولكن ذكرياته معها ظلت حية تعمر مخيلته، وصحبته إلى الريف موطن العزاء والسلوان. . حتى إذا أحب ثوثو بقيت ذكرياته تملأ قلبه مرارة. . ثم تحول حبه إلى ثوثو قبضة من إخفاق. . وبعضاً من ذكريات كانت تعذبه وهو غارق إلى أذنيه في حب ليلى!.

ومع ذلك فهو يحسب الذكريات (أجمل وأسبى من الحوادث التي ولدتها).

(البقية في العدد القادم)

غائب طعمة فرمان