مجلة الرسالة/العدد 83/في الأدب المصري

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 83/في الأدب المصري

مجلة الرسالة - العدد 83
في الأدب المصري
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 04 - 02 - 1935


مجالس الأدب في القرن الثامن عشر

بدار رضوان بك

للأستاذ محمد فريد أبو حديد

مما اعتاد الناس سماعه أن يقول قائل: لا حيا الله أيام القرن الثامن عشر في مصر! وقد لا يتورع القائل أن يرمي ذلك العهد بأقبح التهم وأشنع الآراء: فيصفه تارة بالظلم، وتارة بالظلمة؛ وما اكثر ما تسمع الآذان ذكراه مصحوبة بتسمية لاذعة، فلا يقال إلا أنه كان عهد المماليك، أو عهد ظلم العثمانيين. وليس في ذلك عجب، فالناس كانوا قديماُ لا يرون الماضي على حقيقته، فهم إما أن يروه عصراً أعظم من عصرهم لا يستطيع حاضرهم أن يجاريه في شئ، وإما أن يروه عهداً دون عهدهم لا يرضون أن تقاس حال أيامهم به. والأيام كالناس تختلف في الخطوط وتتباين، فكما أن بعض الناس يكتسب من الحمد فوق ما يستحق، وينسب اليه من كريم الخلال ما ليس من طبعه، فذلك الأيام، قد ينعت الناس بعض عصورها بما ليس من طبعه، وينسبون اليه من الفضائل أكثر مما يجدر به، وكما أن بعض الناس قد يسلب جزاه، وتجحد حسنته، وينكر فضله، فكذلك قد يظلم التاريخ عهداً من العهود، فلا يقر له بفضل، ولا يحجم في وصفه عن تهمة، ولا يتعرض له بالأذى: ولقد كان عصر أمراء المصرين من هذه العصور المظلومة التي جحد التاريخ فضلها، وأذاع مثالبها، واخفى مناقبها، وصورها صورة مشوهة بغيضة. ولسنا بسبيل بيان الأسباب التي حملت التاريخ على ذلك الظلم، ولكنا نكتفي بأن نقول إن الأحياء قد يكون لهم نفع من اتهام الاموات، وقد يعود بعض الخير من الافتراء على الجدود. ولا حاجة بنا إلى التطويل في دفع هذا الاتهام ولا في دفع هذا الافتراء، فما في هذه الإطالة تحقيق للقصد. وحسبنا أن نصف مجلساً أدبياً في بعض هذه الأيام الماضية، وللقارئ أن يحكم من هذا الوصف إذا كانت تلك الأيام الغابرة جديرة بما يصفها به المتهمون المفترون:

كانت أمور مصر في منتصف القرن الثامن عشر قد خلصت إلى اثنين من الزعماء: أحدهما الأمير ابراهيم، والآخر الأمير رضوان. وقد أصبحا صاح ينازعهما إلا المنافسون في دخائل صدورهم؛ وأما ظاهر الأمر فلم يكن لهما فيه شريك. حتى أن الباشا العثماني الذي كان يمثل السلطان لم يكن له إلى جانبهما أمر ولا نهي.

ولقد كان لكل من هذين الأميرين متجه يتجه اليه في رياسته، فكان ابراهيم صاحب السلطان، قائد الجيوش، ومدبر السياسة؛ على حين كان رضوان مؤلف القلوب، وقبلة القصاد؛ وان الأميران على اختلاف اتجاهيهما متفقين متآلفين، فقضيا في رياستهما سبع سنين ونيفاً

وكان بيت رضوان يتألق بالأنوار الساطعة، ويخلع عليه الفن المصري رواءه وبهاءه، وتجتمع في أبهائه هامات العنصر من الأدباء والعلماء، وقد كان بمصر حينئذ في الحق أداء وعلماء، على رغم من يتهم هذا العصر بالظلمة والانحطاط.

هناك على ضفة الخليج المصري اشترى رضوان داراً من أحد أكابر التجار، كانت واقعة على بركة الأزبكية، وموضعها اليوم ما يلي حديقة الأزبكية وميدان الأوبرا. وكانت تلك البركة إذ ذاك متنزهاً من منتزهات القاهرة المحبوبة، تحيط بها بيوت أعيان التجارة والأمراء. وكان للمير رضوان فوق ذلك في الناحية الشمالية الغرية من هذه البركة منظرة بديعة تطل من الغرب على الخليج الناصري، ومن الجنوب على بركة الأزبكية، ومن الشمال على بركة أخرى استحدثها الأمير بتوسيع مجرى الماء في الخليج القاهري مما يلي قنطرة الدكة. وقد نسق الأمير قصريه أبدع تنسيق، وجعل لهما حدائق فسيحة نقل البها بديع الزهر والشجر، وأقام في أركانها الجواسق الجميلة. وجعل في جوانب الحدائق مما يلي البركة قناطر لتجري المياه من تحتها، واتخذ فوق تلك القناطر مجالس للنزهة والاسترواح. وأما داخل القصور فكانت القباب العالية المحلاة بذوب المسجد، واللازورد، والزجاج الملون، وقد نقشت اعاليها وأسافلها بأروع النقوش وأدقها. وكانت الأنوار تسطع في هذه القباب في أثناء الليل فتكاد تخطف الأبصار من بهائها ودوائها

وفي هذه الأبهاء التي تأخذ بمجامع القلوب كان يجتمع أدباء العصر وأعيان العلماء يتسامرون في حضرة الأمير المحبوب، ويتجاذبون أطراف الملح والنوادر في حشمة ووقار لا يخرج عنهما أحد. وكان من هؤلاء اديب العصر الاعظم قاسم بن عطاء الله المصري، وصديقه مصطفى أسعد الدمياطي، وإلى جانبهما مجمع باهر من شيوخ وشبان، بعضهم للجد والوقار كالشيخين الشبراوي والحفني، وبعضهم للفكاهة كالشيخ عامر الانبوطي الهجاء

واجتمع مجلس الأدباء يوماً في القصر، وإذا بالأمير يسأل عن أحدهم فلا يجده. قال: (اين ابن الصلاحي؟) ولم يكد ينتهي من سؤاله حتى رد في جانب البهو صوت جهوري ينشد:

شاق طرف السرور وظرف الربيع ... فتملى بحسن تلك الربوع

ما ترى الزهر ضاحكاً لبكاءِ ال ... طل من در قطره بالدموع

وغصون الرياض تخلع أثوا ... ب التداني على الندى الخليع

فأنسنا بجمع إخوان صدق ... زان طبع الوفاء قدر الجميع

يا صلاحي أرح فؤادك والبس ... من بشير اللقا قميص الرجوع

فالتفت الجلوس كلهم نحو القادم فاذا هو الذي كان يسأل الأمير عنه؛ وصاح الشيخ عامر قائلاً: (لقد ذكرنا القط. . . .) فضحك الجمع ولم يمتنع عن الضحك الأمير، وجاس الأدباء بعضهم إلى بعض في أنحاء البهو الأعظم من قصر رضوان، وجلس الأمير على سرير عال من آيات الفن المصري، جوانبه من الخشب المخروط، تكتنفه وتتخلله رسوم من العاج والآبنوس والصدف، وقد كُسيت جوانب السرير بالحر الملون البديع، تتغير ألوانه في ضوء المصابيح المتألقة كما تتغير الألوان إذا وقع الضوء على رقاب الحمام القرمزي الداكن.

وأتجه الأمير إلى الأديب الأكبر ابن عطاء وأقبل عليه باسماً وقال له: (ماذا جئت به اليوم يا ابا عطاء؟ لقد رأيتك بالأمس تسير بين أشجار البستان، فقلت في نفسي لابد أن متحفنا اليوم بشيء جديد).

فأبتسم الأديب وقال: (الحق ما تقول أيها الأمير، دامت نعمتك، وأقر الله أعيننا ببقائك وعلو دولتك)

فقال له الأمير: (إذن فهات، وقد أحضرت لك الشيخ عامر الأنبوطي عمداً)

فصاح الأديب ابن عطاء وهو باسم وقال: (أعوذ بجاهك منه أيها الأمير!)

فصاح عند ذلك الشيخ متدخلا في الحديث (وماذا تخشى يا ابن عطاء؟ أليس لكل منه فنه؟)

فنظر إليه بن عطاء وهو باسط يديه بسطة الرجاء وقال: (لقد عذت بكنف الأمير من لسانك، فدون سوى إذا شئت) فقال الأمير ضاحكاً: (إذن أنا مجبرة منك يا شيخ عامر) وضحك الشيخ عامر وقال: (إذا شئت أيها الأمير، فلقد والله قضيت الليلة الماضية أشحذ لساني وذهني لنزاله. وقد والله فوت على فريستي)

فضح الندى وأنصت بعد لأي لمدحة الأديب ابن عطاء: فأنشأ يقول:

بكت بدمع الطل عين النرجس ... فأضحكت ثغر الأقاح الألعس

واستمر في مزدوجته يصف البستان حيناً والماء حيناً.

فيقول منها:

حديقة بها السرولا محدق ... جدولها مسلسل منطلق

في جوه نجم الزهور مشرق ... والبان ظله غدا يسترق

من وجنة الماء احمرار الورد

ثم تخلص إلى ذكر الحب على سنة الأقدمين من الشعراء، وتخلص من ذلك إلى مدح رضوان فقال:

دع علة التعليل بالأماني ... واقصد حمى الموصوف بالأمان

وانف لباس البؤس والأحزان ... واسأل عن النعيم من رضوان

سَلْ ما تريد، لا تخف من رد

ملينا جلت لنا أوصافه ... لم بيد في غير العطا إسرافه

ضياؤه قرت به أضيافه ... تفعل في جيش العدى أسيافه

ما يفعل الصرصر يوم الحصد

إلى أن أكمل مدحته بين اهتزاز الأمير واعجاب السامعين، لولا ابتسامة عابثة من الشيخ عامر وهو ينظر إلى الأمير.

فقال له الأمير: (وما تستطيع أن تقول في هذا يا شيخ الهجائين؟)

فقال الشيخ: (لا أقوال في هذا شيئاً مادام فيه ذكرك ومديحك أيها الأمير: ولكنه لو لم يستعذ بك وجدني قائلاً)

فتحرك الأديب ابن عطاء حركة غضب وأنفة وقال:

(أيسمح لي الأمير أن أرد عليه جواره إلى حين، لا حرمني الله جوارك، فان هذا الشيخ قد ظن أنني اتوارى منه ضعفاً)؛ فتبسم الأمير وقال: (نازله بقصيدة اخرى جديدة إذا شئت)

فصاح الشيخ عامر وظنها فرصة في ابن عطاء فقال: (أصبت القصد لازلت موفقاً أيها الأمير)

فاهتز ابن عطاء وقال: (نعم إذا شئت أيها الأمير، إن عفوي خير من إعدادي، وإذا شئت قلت)

فأذن له الأمير وتطلع الحاضرون إلى الأديب يظنون أنه سيسف ويتعرض لطعنات منازلة الهجاء. فقال ابن عطاء:

ترك الهجر ووافى كرم ... بعد ما كان لعهدي قد نسى

أهيف القد كغصن عَلبِما ... من نسيم الروض فن الميس

فاهتز الأمير وقال: (هيه يا ابن عطاء!)

فسرت في الشاعر هزة جديدة واستمر يقول:

مفرد في الحسن ثني معجباً ... ألف القد بشكل حَسَن

غصن بان هزه ريح الصبا ... خده يزهو على الورد الجني

ساحر الجفن أرانا عجباً ... أسره للأسد حال الوسن

وما زال بالسمط وراء السمط، والعقد من بعد العقد، حتى تخلص إلى مدح الأمير على عادته إلى أن ختم موشحه قائلاً:

كفه الغيث على الناس همي ... فأعاد الخصب بعد اليَبَس

أصبح الدهر به مبتسماً ... وهو فيه محل اللعَس

فنزل اليه الأمير من سريره وعانقه وقال له: (بمثلك تزدان مجالس الملوك يا ابن عطاء، والله لو لم أجد من المال إلا قوت يومي لما وجدت له محلاً أحب من إهدائه اليك)

ثم التفت الى الشيخ عامر وقال:

(لقد أنطقه الولاء أيها الشيخ فماذا تستطيع أن تقول؟

فقام اليه الشيخ وقبل رأسه وقال:

(يا أمير الشعر قددِنا اليك)

فصاح الشيخ مصطفى اللقيمي الدمياطي من جانب المجلس وقال: (أما الأمارة فلا نراها في الشعر. إن هي إلا في تلك السياسة، وهذه الدولة والرياسة. فدع عنك التعرض لهذا، فما أظنك مصيباً من الجائزة شيئاً)

فضحك الحاضرون شماتة في الهجاء الذي لم يترك من أهل الشعر ولا من اهل العلم أحداً إلا وتره وحرك حقده

وكان الشيخ الهجاء قد انكسر عند ذلك، غير انه لم يرض أن يترك من الوخز فقال ناظراً الى الشاعر الآخر:

(وما لك أنت؟ لأني بك قد تحركت غيرتك. غير أن لست بمستطيع اليوم أن تقول شيئاً. فقد ملك اليوم ابن عطاء) فقال الأمير مدفعاً عن الدمياطي:

(ومالك أنت به يا شيخ عامر؟ أنسيت مدحته العظمى؟ أنسيت مدامته الارجوانية في المقامة الرضوانية؟ لقد ينقطع عمر الكثيرين دون مثلها)

فقال الشيخ عامر ولم يثنه دفاع الأمير:

(إن هي إلا بيضة الديك) وأشار الى الشاعر، ثم صاح وجه الشاعر الدمياطي، وقال غاضباً:

(لو شئت الهجاء لهجوتك، ولكنك أقل من أن أهجوك، فاسمع إذن مدحتي في زين الملوك وأقر بعجزك وصغارك)

ثم اندفع يقول:

بشرى الربيع لقد وافت بشائره ... وفاح دونك في الآفاق عاطره

ومالت القضب بالأطيار مطربة ... وقد تبسم من عجب أزاهره

فسر مقدمه الحالي أخا شجن ... يهجه من معاني الدوح ناضره

ثم أوغل في وصف الربيع وزهره ونسيمه وعطره، فأبدع وأطرب إلى أن تخلص من وصفه الممتع إلى مدح الأمير فقال:

والزهر من فرح أهدى النثاريها ... لما سما الورد واستعملت مظاهره

حكى بمنظره الحالي ومخبره ... صفات رضواننا السامي زواهره

أمير مجد لنا تتلى مدائحه ... مدة الزمان كما تروى مآثره

تخاله الليث والمريخ في يده ... إذا بدا جائلاً والسيف شاهره روض نضير ولكن مثمر أبداً ... غيث ولكن ندى عمت مواطره

وما زال ينتقل في ذلك المدح من معنى إلى معنى إلى أن قال:

خذ من زمانك ما أغناك مغتنما ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره

ودم بروض العلا والعز منبسطاً ... بمطربات الهنا يشدوك طائره

فصفق الأمير طرباً عندما بلغ الشعر ذلك، وصاح بالشيخ عامر يقول:

(عزمت علي يا شيخ إلا ما قمت إليه وقبلت رأسه كمل فعلت بالأديب ابن عطاء، فما هو بدونه مرتبة في الشعر ولا في الولاء. ولكم جميعاً مني أسنى جائزة)

فقام الشيخ إلى الشاعر وقبل رأسه وهو يقول:

(وما لكم لا تشكرون لي وخزاتي. أيها الأمير أكنا نظفر منهما بهاتين الدرتين بغير وخزات لساني؟)

فضحك الأمير والحاضرون منه وقال رضوان:

(أتذر البيت القديم يا شيخ عامر؟ لقد قلته لي منذ أيام فلولا أن النار تحرق ما حولها ما شم أحد رائحة ال. .)

فقال الشيخ منشداً البيت:

لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرف طَيبَ عرف العود

فقال الأمير (هو هذا. هو هذا. لقد حفظت معناه ولكني لا أقوى على حفظ لفظه.)، ثم نظر إلى مملوك واقف إلى يمينه، وقد وضع يديه على صدره تأدباً وقال له:

(يا محمود، اذهب إلى خازنداري، وبلغه أمري باحضار ما اعتدت بذله في مثل هذا اليوم)

ولم يخرج أحد من الحاضرين في ذلك المجلس بغير ما يرضيه، غير ان الشيخ الحفني أبى أن يأخذ شيئاً من الأمير، بل قبل الأمير يده وسأله الدعاء، وخرج الشيخ الوقور وهو يدعو للأمير بالتوفيق والهداية)

وكان الشاعر ابن الصلاحي في كل ذلك متواضعاً ساكناً لم يثر لغيره، ولم يتقدم لمنافسة، بل كان يرب كما يطرب الحضور ويعجب كما يعجبون، ولما أوشك عقد الجمع أن ينفرط رفع عقيرته فأنشد مرتجلاً:

يا مساء السرور كيف اختلسنا ... فيك أنسا كأنما هو شك قد أنسنا في فتحه بالتداني ... ودهانا ختامه وهو مسك

ثم سار وهو يقول مرتجلاً:

إلى القبة الفيحاء سرنا فسرنا ... ربيع المنى في ثغر طلعتها الغرا

أنسنا بها من كل بدر ولا نرى ... عجيباً طلوع البدر في القبة الخضرا

فنظر إليه الأمير رضوان مبتسماً وقال: (هيه يا ابن الصلاحي لقد فوت علينا الليلة إنشاد منك) فقال الشاعر باسماً وهو ناظر إلى الأرض (دمت للملك يا مليك الزمان فالعود أحمد)، ثم حيا الأمير وسار في أثر صحبه خارجاً

محمد فريد أبو حديد