مجلة الرسالة/العدد 795/طاغور وغاندي بين الشرق والغرب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 795/طاغور وغاندي بين الشرق والغرب

مجلة الرسالة - العدد 795
طاغور وغاندي بين الشرق والغرب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 27 - 09 - 1948

3 - طاغور وغاندي بين الشرق والغرب

للأستاذ عبد العزيز محمد الزكي

بعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى، أراد طاغور أن يقوم بعمل إيجابي يحقق به آماله غي وحدة العالم، فذهب إلى أوربا ليجول بين بلدانها ويدعو شعوبها إلى التفاهم والتآلف والتآزر، ويحضها على إقامة وحدة دولية تضم مختلف شعوب العالم، وتريح البشر مما يعانيه من قلق وإضطراب وخوف، ولكن هاله أن يسمع عن الهند، وهو في أوربا التي يدعوها إلى التعاون، أنها تنادي باللاتعاون مع الغرب، وفزع لما رجع إلى بلاده ووجد غاندي يعلم الهنود محاربة الاستعمار الإنجليزي بالعصيان المدني، وعدم طاعة القوانين الضارة بالبلاد، وتحاشى التوظف في المناصب الحكومية سواء أكانت قضائية أو عسكرية، ويشجع الهنود على استعمال المغزل اليدوي ومقاطعة المنسوجات الأجنبية وحرقها حتى لا تحتاج الهند لمساعدات خارجية، ويطالب التلاميذ بهجرة المدارس الحكومية، ويناشد رجال العلم بتدريس تراث الهند الروحي القديم في المدارس والجماعات وإهمال تدريس الثقافات الغربية. فلم يرض طاغور عن اسلوب غاندي في المقاومة السلبية وأقلقه ذلك التغيير الذي أحدثه في أفكار الهنود، وأخذ يتفقد طرق نضاله مع الإنجليز بالرغم من تقديره لسمو نزعاته الروحية، واحترامه لنبل مقاصده الوطنية، وإدراكه لمغزى جهاده السلبي.

ولقد بدأ طاغور نقده لغاندي بإعلان استيائه من اشتغاله بالسياسة، وأسفه على استغلاله الدين في أمور الدنيا، واستعانته بالقوى الروحية في حل القضايا السياسية، والمشاكل الاجتماعية، والأزمات الاقتصادية؛ وكان يود أن يظل غاندي - ذلك النموذج الكامل للقوة المعنوية، والبطل المقدس التي تضرب سيرته مثلا أعلى للحياة الروحية الفاضلة - بعيداً عن الألاعيب السياسية، محافظاً على رفعة حياته الروحية من قذارة الأساليب السياسية الخبيثة، غير معرض نفسه لتقلب أهواء السياسيين الدهاة، حتى لا يؤذي مقوماته النفسية، أو يضعف قواه الروحية. وكذلك عاب طاغور على غاندي تفريطه في ثروة الهنود الروحية وبذلها رخيصة في سوق الحياة العملية، واستخدامها استخداماً خطراً على نزعات الهنود في مقاومة الإنجليز، وحزن لجناية غاندي على روحية الهنود، وتألم، لأنه حول القوة المعنوية التي تفتخر الهند بحوزتها من قديم الزمن إلى قوة عمياء تسخرها العواطف الوطنية في تحقيق المآرب القومية دون الغايات الإنسانية التي يفرضها الدين الهندوكي على الهنود، وتوصلهم إلى أرفع مراتب الكمال الروحي. . .

ولم يقف نقد طاغور لغاندي عند حد خوضه السياسة وإقحامه الدين في مشاكل الأرض، بل تعداه إلى ذم اساليبه السياسية وطعنه فكرة اللاتعاون مع الغرب، لأنه يؤمن بالأتحاد الحقيقي بين الشرق والغرب، ولم يستسغ مطالبة غاندي الهنود بمقاطعة الإنجليز اقتصادياً، وتضايق من فرضه على كل هندي أن يغزل يومياً وينسج ويحرق ملابسه الأجنبية، ولا يلبس إلا ما غزل بالمغزل اليدوي. ويرى أن خطر هذه الآلات الصغيرة على الهند لا يقل عن خطر الآلات الكبيرة على الغرب، فهي تجمد حيوية الهند وتعرقل تقدمها، فلا يجب أن تتخذ منها الهند وسيلة لمعالجة الفقر والجوع. كما لم يرقه كره قومه الرذيل للثقافة الغربية، وأعتبر مقاطعة المدارس والجامعات التي تدرس هذه الثقافات مظهراً من مظاهر ضيق الأفق وفقر المدارك، ولوناً من ألوان التعصب الإقليمي المنحط.

إن إهمال الهنود بحث الثقافات الهندية خطأ يعيبهم يجب أن يتداركوه، ولا يستحق منهم الإغضاء عن دراسة العلوم الغربية ولا يجب أن يتحرجوا من أن تستفيد الهند من خيرات الغرب الثقافية. ولئن كان غاندي لم يرد بسياسته إلى محو آثار المدنية الغربية من الهند، إلا أن ثورة الأهواء القومية تجعل لمبادئه في اللاتعاون هذه المقاصد الفاسدة. ويخاف طاغور على طهارة الهند من غائلة بربرية أتباع غاندي الروحية.

لا ينكر طاغور أن تحقيق أستقلال الهند أمر خطير ويحتاج إلى نوع من الحماسة والعاطفة أكثر احتياجاً إلى روية الأختصاصيين وتدبر الاقتصاديين وبحث العلماء؛ فان الحماسة وحدها لا تكفي لحل المشاكل الهندية، وإنما يتطلب حلها كذلك الأستعانة بالعلم والكياسة والسياسة والاقتصاد، فإن اتئثار فرد - ولو كان زعيم الحب والحق - من دون الهنود جميعاً في رسم خطى السياسة العليا الهندية من اقتصادية وسياسية وثقافية لثقل تنوء بحمله قوى رجل واحد مهما تعددت مواهبه، ويجب أن يسمح لجميع الكفايات في الهند بأن تساهم بجهودها في خدمة الهند، فيعطى للاقتصادي فرصة لتدبير المال اللازم لرفاهية الشعب، وللصانع فرصة لأن يشتغل بالصناعات التي يمهر فيها، ويطلب من علماء التربية وضع الأسس الصالحة لتربية أبناء الأمة، ومن رجال العلم تعيين البرامج الثقافية الملائمة للطالب الهندي، ويشجع السياسي على أستخدام دهائه وفكره في الحصول على أستقلال الهند. وبغير ذلك لا يمكن أن تنال الهند الحرية وتنجي من العبودية. أما أن ينفرد شخص بمعالجة قضية الوطن، ثم ينادي بقطع كل أتصال بين الهند والغرب، فيلبي الشعب الضعيف دعوته بغير تبصر، ويطيع أوامره في مقاطعة الغرب والقضاء على سبل التعاون معه طاعة عمياء ليدل على نوع من الاستبداد الروحي بشعب هزيل الروح قابل لعوارض غضب هستيري قد يعصف بكيان الهندية.

ربما تكون مقاصد غاندي من وراء المقاومة السلبية شريفة، ولو طبق جميع الهنود مبادئه في اللاتعاون بنفس الروح التي يفهمها غاندي لما تعرضت الهند لأخطار العواطف القومية والثورات والفتن ولكن الخوف من المكلفين بتنفيذ آراء غاندي، فقد يتوهمون أو يوهمون أن اللاتعاون هو الغاية النهائية من حركة غاندي السياسية، وليس وسيلة وقتية، ويؤمنون به كدين قويم في أتباع حرفيته خلاص الهند من الاستعباد.

بينما خلاص الهند من الاستعباد لن يأتي إلا عن طريق التعاون مع بقية الشعوب والاندماج فيها وتكوين أمة عالمية تشمل جميع الشعوب على اختلاف أجناسها وألوانها وثقافتها وعاداتها، لأن مشاكل العالم المتعددة لن يعرف لها حل نهائي ما دامت الأمم متفرقة بعضها عن بعض، تعيش كل منها في نفسها، تود لو تقضي على كل رابطة تربطها بباقي الأمم، لا تثق في جدوى التعاون، وتقبل أن تظل حبيسة حدود الوطن الضيقة خلف حواجز مصطنعة تفصلها عن سائر الشعوب، وترضى أن تحيا على الدوام في حرب مع كل أمة تريد أن توجد بينها وبينها علاقة وطيدة، أو تتدخل في شئونها. ولذلك سيظل العالم على ما هو عليه من قلق واضطراب وخوف طالما لا ترغب الدول في الاتحاد التام، فيجب على الهند أن تلعب دوراً هاماً في سبيل توحيد العالم وتسبق جميع الشعوب في الدعوة إلى التفاهم والتآخي، وتضرب مثلا حياً لدول العالم يسعد بسعيها الصادق في إنجاز وحدة الدنيا، لأن الدين الهندوكي يقوم على حقيقة وحدة الوجود، ويطالب الهنود بتحقيق هذه الوحدة من مشاعرهم وأفعالهم وفي داخل نفوسهم وخارجها، ويحثهم على فناء ذاتهم الفردية في الذات اللامتناهية، حتى لا يشعر أحد إلا بالروح الكلية التي تضم كل شيء في الوجود، ولن يصل هندي إلى هذه المرتبة الروحية العالية إلا عن طريق الحب والوئام والتعاون، فإذا سعت الهند إلى وحدة العالم، فإنها تطيع أوامر الدين، وتلبي في نفس الوقت نداء الإنسانية وتنقذ أهلها من رق التعصب الأناني، وتطلقه من اسر النعرة القومية الهوجاء، وتبرئه من مبادئ اللاتعاون التي تثير الحقد والكراهية في النفوس، وتسلم العالم من أشرار الانفصال، وتوصله إلى بر الاتحاد، لأن الانفصال باطل يدعو إلى التعصب، ويثير الشقاق، ويحض على تهجم الروح الفردية على الروح الكلية فلا تتمتع أمة بسعادة أو تنعم بسلام.

ولا يحقق هندي ذاته، أو يفوز بغايته الدينية، وتصبح أمم العالم في تنابذ وتشاحن، فيضطرب النظام الطبيعي في المجتمع الدولي، ويخلق الظلم والاستبداد، وتشرع القسوة والاستعباد فتعاون قوى العالم ونسيان ما بينها من أحقاد وأضغان ضروري لتفادي كل ما يعرقل وحدة الدول أو يعوق تعاونها، واستمرار الهند في التفكير في الانتقام، والسعي في الانفصال عن الغرب، لن يخلصها من الجوع والفقر، واتخاذها اللاتعاون سبيلاً لطرد المستعمر من البلاد لن ينيلها الحرية الحقيقية، لأن مشاكل الهند مرتبطة بمشاكل الغرب، وحلها يتطلب مقدماً تعاون العالم، فلا مفر من التعاون، لأن واقع الحياة العالمية يميله على الأمم لينقذها من وهدة الظلام التي تعيش فيها. فوق أن الدين الهندوكي يجبر كل هندي على تحقيق الذات اللا متناهية التي تتلاشى فيها ذات الأفراد، ولا يوجد بها إلا الحياة الكلية، والتي تزول فيها القيم الظالمة القاسية، ويبقى بها الحب والوئام والتعاون.

إن انتقادات طاغور لغاندي تدل على أن طاغور ثابت الفكر لا تتلون نزعاته الروحية بتغيير الظروف، فهو رجل يؤمن بقوة الروح، ويعتقد في الحياة الفاضلة، ويثق في الوحدة سواء أكان مجالها حياة الفرد أو حياة السرة أو حياة الأمة أو حياة العالم. ويود أن يحافظ الفرد والأسرة والأمة والعالم بأجمعه على هذه الأصول، فلا تتحول القوة الروحية إلى قوة مادية حسب الأهواء القومية، أو يستغني عن الفضائل المعنوية في سبيل الفوائد النفعية إذا اقتضى مصلحة الأمة ذلك، أو تفضل الوطنية على الإنسانية والانفصال على الاتحاد لعلة من العلل المادية الوقتية. وعلى هذا الأساس وجه طاغور انتقاداته لغاندي، ذلك الزعيم الروحي الذي تنم سيرته السياسية عن خلاف ذلك، فهو يقحم الدين الروحي في السياسة المادية، ويغلب تعصبه القومي على ميوله الإنسانية، ويستبدل التعاون باللا تعاون في محاربة الإنجليز، ويدعو لأنفصال الهند عن الغرب بدلا من الاتحاد معه، فعارضت أساليبه السياسية حياته الخاصة، وخرجت على تعاليم الدين الهندوكي التي تقوم على حقيقة وحدة الوجود. وكان على غاندي أن يرد هذه التهم ويفسر أساليبه ويدفع عن نفسه هذه الشكوك التي أثارها طاغور حول نزعاته الروحية والإنسانية، ويبين أن سيرته الخاصة لا تناقض سيرته السياسية.

فقام غاندي يفند أقوال طاغور ويبرر راءه وطرقه ويوضح أنها تستند على اسس من الدين وتتمشى والمبادئ الإنسانية، فزعم أن حبه للهند أو تعصبه لقومه لا يشهد بأنه خرج على الدين أو نبذ القيم الإنسانية وتعلق بوطنية حمقاء، لأن الوطنية في ذاتها لا تتعارض والانسانية ما دامت لا تضر بالشعوب المادية.

إن وطنية غاندي طاهرة لا تشوبها نقائض الأنانية الاستقلالية، فهي وإن كانت تحثه على خدمة الهند وإصلاح شئون الهنود الخاصة والعامة بمقومات الحضارات القديمة إلا أنها لا تدفعه إلى أن يكسب شيئاً للهند، ويسئ في نفس الوقت إلى إنجليز، أو تغريه على تنمية عواطف حب السيطرة في نفوس الهنود، حتى يقويهم على الاعتداء على الشعوب المجاورة. فوطنية غاندي لا تقوم على الكراهية، إنما تقوم على الحب، ولا تخالف الدين أو تهمل القيم المعنوية، وغنما تستوجبها جميعاً وتعززها.

أما عن اشتغال غاندي بالسياسة، فيقول إن السياسة تلتف حول كل هندي التفاف الأفعى، ولا سبيل للتخلص منها. ولكي يقضي غاندي على سموم هذه الأفعى، أضطر إلى أن يقحم الدين في السياسة. ويقصد بذلك أن حالة الهند وما هي عليه من تفكك وتصدع وذل واستعمار، وظروف الهنود وما هم عليه من بؤس وشقاء وانحطاط، وتطور الحوادث السياسية والاجتماعية في الهند، يلزم أي هندي محب لترقية وطنه، بأن يساهم في تحرير بلاده وإصلاح حياة أهله. وبتأثير هذه العواطف الشريفة، خاض غاندي معترك الحياة السياسية الخبيثة السامة مرغماً. ونظراً لأنه ديني بالفطرة، سياسي بالضرورة، شرع في تطهير السياسة من طرقها الملتوية الحقيرة بإدخال الدين فيها، حتى يسمو بالسياسة إلى سماء الدين. وعلم الهنود الاضطراب الديني السلمي، الذي يعلن بقوة ووضوح، الاحتجاج على الظلم بدون إحداث شغب أو تلف أو إراقة دماء. كما علمهم الارتكان إلى اللا تعاون، كلما نزل بهم جور. فحارب الهنود الإنجليز بأسلحة سلبية لا تعتمد على العنف السياسي على روح تعاليم الدين الهندوكي السلمية التي تكره العنف وتنادي بضرورة التذرع بسلاح الحب.

(البقية في العدد القادم)

عبد العزيز محمد الزكي

مدرس الآداب بمدرسة صلاح الدين الأميرية بكفر الزيات