مجلة الرسالة/العدد 793/تصحيح تصحيف وتحرير تحريف

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

مجلة الرسالة/العدد 793/تصحيح تصحيف وتحرير تحريف

مجلة الرسالة - العدد 793
تصحيح تصحيف وتحرير تحريف
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 13 - 09 - 1948


للأستاذ أحمد يوسف نجاتي

كم للتصحيف والتحريف في اللغة العربية من جنايات على هذه اللغة! وكم لهما من آثار سيئة في الأدب والتاريخ! وكم أفسد كلاهما من عبارة، وشوَّه من معنى، وأوقع في لبس وإبهام، وترك القارئ يخبط في عشوة وظلام. اطلعت على الكتاب القيم الممتع (ظهر الإسلام) تأليف العلامة المحقق الأستاذ الجليل (أحمد أمين بك) فرأيت في صفحة 117 من الطبعة الثانية منه ما يأتي:

وهذا أبو على القالي البغدادي، ضاقت به الحال قبل أن يرحل إلى الأندلس، حتى اضطر أن يبيع بعض كتبه وهي أعز شئ عنده فباع نسخته من كتاب الجمهرة، وقد كان كلفا بها، فاشتراها الشريف المرتضى، فوجد عليها بخط أبي علي:

أنست بها عشرين حولا وبعتها ... فقد طال وجدي بعدها وحنيني

وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني

ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل جفوني

فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... مقالة مكوي الفؤاد حزين

(وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... ودائع من رب بهن ضنين)

وأقول إن هذه الحادثة إنما وقعت لأبي الحسن على بن أحمد ابن على العالي. فكنيته أبو الحسن لا أبو علي، ونسبته الفالي (بالفاء الموحدة التي هي من الحروف المهموسة والشفوية، لا بالقاف المثناة إحدى الحروف المجهورة التي مخرجها بين عكوة اللسان واللهاة في أقصى الغم) وقد ساق هذه الحكاية على صحتها العلامة المؤرخ الثقة الأديب شمس الدين أحمد الشهير بابن خلكان في كتابه الحجة المعروف باسم (وفيات الأعيان)، قال رحمه الله تعالى في ترجمة الشريف أبى القاسم المرتضى ما نصه:

وحكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن على التبريزي اللغوي أن أبا الحسن على أحمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة كتاب الجمهرة لابن دريد في غاية الجودة فدعته الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم المذكور بستين ديناراً وتصفحها فوجد فيها أبياتاً بخط بائعها أبى الحسن الفالي المذكور وهى: أنست بها عشرين حولا وبعتها الخ

فأرجع النسخة إليه وترك له الدنانير رحمه الله تعالى. وهذا الفالي منسوب إلى (فالة) بالفاء، وهى بلدة بخوزستان قريبة من أيذج، أقام بالبصرة مدة طويلة، وسمع بها من أبى عمر ابن عبد الواحد الهاشمي وأبى الحسن بن النجار وشيوخ ذلك الوقت، وقدم بغداد واستوطنها وحدث بها؛ وأما جده سلك فهو بفتح السين المهملة وتشديد اللام وفتحها وبعدها كاف، هكذا وجدته مقيداً؛ ورأيت في موضع آخر بكسر السين وسكون اللام والله أعلم.

وكانت وفاة الحسن الفالي المذكور في ذي القعدة سنة 448 ليلة الجمعة ثامن الشهر المذكور، ودفن في مقبرة جامع المنصور، وكان أديباً شاعراً، روى عنه الخطيب أبو بكر صاحب تاريخ بغداد وأبو الحسن الطيوري وغيرهما رحمه الله تعالى. انتهى من تاريخ ابن خلكان.

(أقول) وقد ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بما يأتي: علي بن أحمد بن علي بن سلك أبو الحسن المؤدب المعروف بالفالي من بلدة تسمى فاله قريبة من أيذج، أقام بالبصرة مدة طويلة وسمع بها من أبى عمر بن عبد الواحد الهاشمي وغيره، وقدم بغداد فاستوطنها وحدث بها، كتبت عنه شيئاً يسيراً وكان مؤدباً ثقة، مات في ليلة الجمعة الثامن من ذي القعدة سنة 448 ودفن في يوم الجمعة في مقبرة جامع المنصور.

وفى الأنساب للسمعاني ما يأتي:

(الفالي) بفتح الفاء وفى آخرها اللام، هذه النسبة إلى فالة قال أبو بكر الخطيب أظنها من بلاد فارس قريبة من أيذج، والمشهور بالنسبة إليها أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن سلك المؤدب الفالي، سمع بالبصرة القاضي أبا عمر القاسم بن جعفر الهاشمي وأبا الحسن علي بن القاسم النجار وأبا عبد الله أحمد بن اسحق بن حزبان النهاوندي وغيرهم، أقام ببغداد إلى آخر عمره، وكان أديباً شاعراً فاضلا، روى عنه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب وأبو الحسن المبارك بن عبد الجبار الطيوري وغيرهما ذكره أبو بكر الخطيب في التاريخ الخ) اهـ.

وذكر ترجمته أيضاً ياقوت في كتابه معجم الأدباء، قال: على بن أحمد بن سلك (الفالي) بالفاء وليس بأبي على القالي بالقاف ذلك آخر اسمه إسماعيل له ترجمة في بابه، وكنية هذا أبو الحسن، يعرف بالمؤدب من أهل بلدة فالة، موضع قريب من أيذج، انتقل إلى البصرة فأقام بها مدة، وقدم بغداد فاستوطنها، وكان ثقة، له معرفة بالأدب والشعر، ومن شعره قوله:

تصدر للتدريس كل مهوس ... بليد تسمى بالفقيه المدرس

فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس

(لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى سامها كل مفلس

ومنه ما رواه عنه تلميذه الخطيب التبريزي:

لما تبدلت المنازل أوجهاً ... غير الذين عهدت من علمائها

ورأيتها محفوفة بسوى الألي ... كانوا ولاة صدورها وفنائها

أنشدت بيتاً سائراً متقدماً ... والعين قد شرقت بجاري مائها

(أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها)

ثم ساق حكاية بيعه كتاب الجمهرة نقلا عن الخطيب التبريزي أيضاً وفيه شئ يخالف ما في ابن خلكان، قال وحدَّت أبو زكريا النبريزي قال: رأيت نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد باعها أبو الحسن الفالي بخمسة دنانير من القاضي أبي بكر بن بديل التبريزي وحملها إلى تبريز، فنسخت أنا منها نسخة فوجدت في بعض المجلدات رقعة بخط الفالي فيها:

(أنست بها عشرين حولا. . .) إلى آخر الأبيات.

فأريت القاضي أبا بكر الرقعة والأبيات فتوجع وقال: لو رأيتها قبل هذا لرددتها عليه، وكان الفالي قد مات، اهـ.

أقول لعل الفالي رحمه الله باع هذه النسخة في صفقة ثانية بعد أن أعادها إليه الشريف المرتضى. والبيت الأخير من أبياته تضمين لما قاله أعرابي باع لحمزة بن عبد الله بن الزبير بن العوام جملا بخمسين ديناراً، فلما نقده ثمنه جعل الأعرابي ينظر إلى الجمل ويقول:

(وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين)

فقال له حمزة: خذ جملك، والدنانير لك، فانصرف بجمله وبالدنانير. ومن شعر الفالي أيضاً في شهر الصوم:

رمى رمضان شملنا بالتفرق ... فيا ليته عنا تقضَّى لنلتقي إذا سر أهل الأرض طراً قدومه ... فإن سروري بانسلاخ الذي بقي

وفي معجم البلدان لياقوت ما يأتي:

(فالة) بزيادة هاء بعد الفاء والألف واللام بلدة قريبة من أيذج من بلاد خوزستان، ينسب إليها أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن سلك الفالي المؤدب سمع بالبصرة من القاضي أبي عمرو أحمد بن اسحق بن جربان وحدث بشيء يسير، اهـ.

وقال في تاج العروس شرح القاموس: (فالة) بلد بخوزستان قريبة من أيذج منها أبو الحسن علي بن أحمد (بن سليمان) المؤدب روى عن أبي عمر القاسم بن جعفر الهاشمي وغيره، وروى عنه أبو بكر الحطيب، وأبو جعفر الطيوري، مات سنة 448 اه.

وقد نقل هذه الحكاية صاحب كتاب الفلاكة والمفلوكين موجزة وصحف فيها الفالي بالقالي، ونص عبارته:

(الفالي) أبو الحسن علي بن أحمد بن علي القالي كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد، وكان كلفاً بها فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها فاشتراها الشريف المرتضى فوجد فيها أبياتاً بخط بائعها أبى الحسن القالي المذكور:

(أنست بها عشرين حولا وبعتها. . .) إلى آخر الأبيات كما في كتاب (ظهر الإسلام وروايته).

ونقل هذه الحكاية أيضاً صاحب الذهب في ترجمة الشريف المرتضى نقلا عن ابن خلكان فسلم من التصحيف، غير أنه وقع فيه كذلك في ذكره من توفوا سنة 448 (وهي سنة وفاة أبى الحسن الفالي) فقال: وفيها أبو الحسن (القالي نسبة إلى قالي قلا من ديار بكر) علي بن أحمد بن علي المؤدب الثقة روى عن أبي بكر عمر الهاشمي وطبقته اهـ. فصحف كما ترى (الفالي) إلى (القالي) وزاد من عنده تلك الزيادة الخاطئة التي بين القوسين.

أما أبو علي القالي: فهو إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سلمان الفاليّ اللغوي صاحب كتاب الأمالي المشهور، ولد سنة 288 بمنازجرد من ديار بكر ودخل بغداد سنة 305 وأقام بها إلى سنة 328، ثم خرج منها قاصداً الأندلس، فدخل مدينة قرطبة في أواخر شهر شعبان سنة 330 وتوفي بها سنة 356، وإنما قيل له (الفالي) لأنه سافر إلى بغداد مع أهل قالي قلا فبقي عليه الاسم: وهي من أعمال ديار بكر - ومن كل ما تقدم يظهر أن صاحب الحادثة يكنى أبا الحسن لا أبا علي، وأنه الفالي لا القالي، وأن وفاة أبى علي القالي كانت قبل وفاة أبى الحسن الفالي باثنتين وتسعين سنة، بل توفي القالي قبل مولد الفالي، وأن مولد الشريف المرتضى ببغداد في سنة 355 يعني قبل وفاة أبى علي القالي بقرطبة بسنة واحدة. وقد عرفت أنه رد إلى أبى الحسن الفالي ثمن كتابه كما أعاد إليه كتابه الجمهرة متأثراً بأبياته وكان كلاهما مقيما ببغداد، وتوفي الشريف بها قبل وفاة أبى الحسن الفالي بها باثنتي عشرة سنة، على أنه لم يعرف أن أبا علي القالي بلغ من البؤس والفاقة إلى أن يبيع نسخة من كتابه الجمهرة، تأليف أستاذه ابن دريد المتوفى 321 وكان ذا ثراء واسع ومال جم وإن كان رحمه الله متلافاً مفيداً مبيداً، ولقد أفاد من بني ميكال أموالا عظيمة ونال منهم ثروة طائلة رحمه الله وعفا عنه.

هذا ومن التحريف أو التصحيف أو خطأ الطبع في ذلك الكتاب القيم (ظهر الإسلام) ما في بيتي ابن المعتز صفحة 26.

أما ترى ملك بني هاشم ... عاد عزيزاً بعد ما ذلا

يا طالباً للملك كن مثله ... تستوجب الملك وإلا فلا

ولعل صواب القافية في البيت الأول (بعد ما ذللا) لأن القصيدة من بحر السريع من عروضه الأولى المطوية المكسوفة التي ضربها مثلها على وزن فاعلن، وعلى ضبط (ذلا) يكون الضرب في البيت وحده أصلم (على وزن فعلن) وهو ضرب آخر لهذه العروض لا يجمع بينهما.

وفي صفحة 23 كتب البيت هكذا:

أيها الترك تلقون للدهر ... سيوفاً لا تستبل الجريحا

وهو بهذا الشكل والضبط غير مستقيم الوزن ولا مفهوم المعنى، والذي في تاريخ المسعودي المنقول عنه:

أيها الترك سوف تلقون للدهر ... سيوفاً لا تستبل الجريحا

وفي صفحة 69 البيت:

فيبردها كأن لها ... وإن خفيت سنا لهب

أظن الصواب (فيبرزها) كما يقتضيه السياق ويتطلبه المعنى.

وفي صفحة 80 السطر السابع: ليوسعنكم ضرباً وتشديداً وأظنها محرفة عن (تشريداً).

وفي صفحة 136 بيت للشريف الشريف الرضي في الغزل في سوداء:

أحبك يا لون الشباب لأني ... رأيتكما في العين والقلب توءما

صوابه: فأنني، أو لأنني، بزيادة نون الوقاية قبل ياء المتكلم ليستقيم الوزن.

وفي صفحة 140 في السطر الثاني البيت:

ومنفق مشفق إذا أنا ... أسرفت وبذرت مقتصد

والصواب:

ومنفق مشفق إذا أنا أس ... رفت وبذرت فهو مقتصد

لأن القصيدة من بحر المنسرح ولا يستقيم الوزن إلا بذلك.

والبيت سطر 4:

وصيرفي القريض وزان ... دنانير المعاني الرقاق منتقد

غير مستقيم الوزن، وصوابه:

وصيرفي القريض وزان ... دينار المعاني الرقاق منتقد

(فدينار) في البيت مفرد لا جمع وآخر الشطر الأول الياء منه لا النون، (والرقاق) في البيت نعت للمعاني لا للدنانير.

وفي صفحة 155 بيت أبي العلاء المعري:

وما شعراؤكم إلا ذئاب ... تلصص في المدائح والشباب

(أرى) أن (الشباب) مصحفة عن السباب.

يريد أن كلا من شعراء المديح الذين يكتسبون بالمدح وشعراء الهجاء الذين يتقيهم الناس فيفدون أعراضهم منهم بالمال إنما هم لصوص يستولون على أموال الناس بغير حق رغبة في مديحهم أو رهبة من هجائهم.

وفي صفحة 184 البيت:

أنت إذا جدت ضاحك أبداً ... وهو إذا جاد باكي العين

لعل (الصواب دامع العين) برفع دامع خبر المبتدأ هو.

وفي صفحة 210 سطر 4 البيت: هي قلت عن العزيز عداه لعل صوابه: قد أقلت (أو هي أقلت) ضد كثرت في عجز البيت.

وفي صفحة 287 آخر الصفحة، البيت من قصيدة البيروني:

فلا زال للدنيا وللدين عامراً ... ولا زال فيها للغواة مواسيا

أرى أن الصواب (للعفاة) وهم طلاب المعروف جمع عاف فليس مما يمدح به المرء أن يكون مواسياً للغواة، وإنما يواسي العافون وطالبو الجدوى.

ثم أقول بعد ذلك: أنه بمناسبة ذكر أبى علي القالي اطلعت على صفحة 742 من كتاب (سمط اللآلي) في المجلد الآخر منه ويحتوي على شرح الجزء الثاني من أمالي أبى علي القالي، للوزير أبى عبيد البكري المطبوع بمطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1354هـ - 1936م والذي نسخه وصححه وحقق ما فيه الأديب العالم المحقق الأستاذ عبد العزيز الميمني أستاذ اللغة العربية بجامعة عليكرة بالهند، فرأيت في أولها ما يأتي: (وهو من رجز لهيمان بن قحافة مشروح هناك):

والبكرات اللقح الفوائجا ... بصفنة تزفي هديراً نابجا

ترى اللغاديد بها حوابجا

الصفنة: مثل العيبة، شبه بها شقشقة البعير، ويقال صفن فإذا ألحقت الهاء فتحت الصاد. (وتزفي): كما تزفي الريح شيئاً تسحفه، ويقال لأحد العدلين إذا استرخى (قد أسبح) يقول فهديره منصب مسترخ (واللغاديد) باطن أصول الأذنين (وحوابج) منتفخة، يريد أن نصف الشقشقة خارج من حلقه ونصفها باق فيه اهـ. وقد علق حضرة المصحح على قول البكري قد أسبح بقوله في الهامش (1) كذا في الأصلين، وقد أعياني أمر تصحيحه اهـ. أما أنا فأقول إن (أسبح) مصحف عن (استنثج) وإن (نابجا) في الرجز مصحف عن (ناثجا) قال في لسان العرب في مادة (نثج). ويقال لأحد العدلين إذا استرخى قد استنثج، قال هميان:

يظل يدعو نيبه الضماعجا ... بصفنة تزقى هديراً ناثجا

أي مسترخياً (والله أعلم) اهـ.

وقال في مادة ضمعج (الضمعج) الضخمة من النوق، وامرأة ضمعج قصيرة ضخمة، وكذلك البعير والفرس والأتان، قال هميان بن قحافة السعدى: يظل يدعو نيبها الضماعجا ... والبكرات اللقح النواثجا

وأعاد هذا البيت في مادة (فثج): وناقة فاثج سمينة حائل أو هي الفتية اللاقح، ويروى (الفواسج بالسين، والفاسج من الإبل أيضاً اللاقح أو اللاقح مع سمن، أو هي الحائل السمينة فهي بمعنى الفاثج بالثاء المثلثة).

وينبغي أن أعترف بالفضل لحضرة العلامة أحمد أمين بك فإن كتابة (ظهر الإسلام) مرآة صافية ترى فيها بجلاء ووضوح الحياة الاجتماعية والعقلية والأدبية من عهد المتوكل إلى آخر القرن الرابع الهجري. ثم أذكر بهذه المناسبة أن خير كتاب قرأته يمثل الحياة الاجتماعية في العصر العباسي (وخاصة من الجهة السياسية والاقتصادية) هو كتاب (العصر العباسي) للأستاذ المحقق والمؤرخ الموفق المدقق الدكتور (عبد العزيز الدوري) العراقي أستاذ التاريخ الإسلامي بدار المعلمين العليا ومعهد الملكة عالية العالي بمدينة بغداد وقد طبع منه جزءان قيمان أحدهما في العصر العباسي الأول، والآخر في العصر العباسي الثاني، وإنه ليخدم التاريخ أجل خدمة إذا قدم له الجزء الثالث الذي يمثل بقية العصر العباسي، وقد رجع في كتابيه المفيدين إلى كثير من المراجع العربية وغير العربية من عدة لغات، ورجع من نفسه بعد ذلك إلى عقل ناضج كبير، وفكر عال صحيح، وذهن ثاقب جديد، ورأى قويم سديد. وكذلك أقول إن خير كتاب رأيته في أدب اللغة العربية في عصر صدر الإسلام هو كتاب الأستاذ الدكتور محمد مهدى البصير الذي سماه (عصر القرآن) تكلم فيه على الأدب العربي في صدر الإسلام وعصر بنى أمية فأحسن وأجاد، وأمتع وأفاد، دل فيه على اطلاع واسع وعلم جم وأدب غزير، ورد الزائف البهرج وقبل الثمين المصفى، وكان له فيه رأى صائب وفكر قويم. ولنا في هذا الكتاب وغيره من مؤلفات الدكتور السيد محمد مهدى البصير عودة في مقالات موعدنا بها الأعداد المقبلة من الرسالة الغراء إن شاء الله تعالى.

أحمد يوسف نجاتي