مجلة الرسالة/العدد 781/من ذكرياتي في بلاد النوبة:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 781/من ذكرياتي في بلاد النوبة:

مجلة الرسالة - العدد 781
من ذكرياتي في بلاد النوبة:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 06 - 1948

8 - من ذكرياتي في بلاد النوبة:

من التاريخ الحديث

للأستاذ عبد الحفيظ أبو السعود

منذ أن عرف الإسلام طريقه إلى بلاد النوبة، أشرق في قلوب أهلها، إشراق الشمس تبدد حلكة الظلام وأضاء أفئدتهم، وأفهمفم معنى الوطنية الصادقة، وأنها ليست كلمة تلوكها الألسنة، ثم لا يكون لها بعد هذا أثر يذكر، أو خبر يذاع وينشر، أو عمل تدفع إليه النفس التواقة إلى المجد، والمستطلعة إلى العزة، والسيادة والعظمة،

ويفهم هذا المعنى السامي، بدأ الامتزاج الحقيقي في جميع نواحي الحياة، والمشاركة في أسمى أهدافها، وأنبل غاياتها، وعلموا أن المصريين إخوانهم في الدين، وشركاءهم في العقيدة. والاتجاهات والميول، لا يكادون يختلفون في ناحية من النواحي، أو شأن من الشئون. . . وأن التزاوج والإصهار، ومبادلة المنافع، والمشاركات الوجدانية بين الأفراد، كل أولئك لاشى الفروق، وكان دليلا عمليا على فهم النوبيين لحقائق الدين، وإدراك دقائقه، وأسراره التي تخفي على كثيرين من أبناء وطننا العزيز. . .!!

ومنذ هذا الوقت حمدت في نفوسهم عاطفة التناحر والتواثب، وزالت الرغبة في السيطرة والاعتداء، وتلاشت روح الكراهية والعداء، فأخلدوا إلى الهدوء والسلام، وجنحوا إلى الطمأنينة والاستقرار، وأيقنوا أن الامتزاج بينهم وبين المصريين أمر واقع لا شك فيه، عن إخلاص ونقاء، وحب وصفاء، وليس حديث خرافة أو خيال.

ومن هذا الحين تجلت عواطف النوبيين نحو مصر، سامية نبيلة، كلها الحب الذي لا يعرف البغض، والإخلاص الذي لا يعرف الرياء والمكر، أو النفاق والخداع،

وما أروع النوبي حين يخلص، وهو دائما المخلص الأمين، الذي يحترم العلائق، ويقدس الروابط والوشائج، ويرعى العهد والزمام.!

ومن هذا الحين كذلك استفادت مصر من جهود أبناء النوبة الذين ساهموا جدياً في بناء النهضة المصرية الحديثة، مدفوعين بوازع من ضمائرهم الحية، ودافع من إيمانهم العميق.

وقد اعتمد محمد علي باشا على النوبيين في تكوين الجيش الأول، كما يقول سمو الأمير المرحوم عمر طوسون في كتابه: صفحة من تاريخ مصر. إذا كانت الفرقة السادسة المس بالإفريقية، تتركب من جنود نوبيين، وجنود سناريين، كانوا عماد النصر، والظفر في شتى الميادين، ومختلف النواحي.

وكم شهدت بلاد النوبة بفخر عظمة الجيش المصري الحديث، أيام الخديو إسماعيل باشا سنة تسع وسبعين وثمانمائة وألف ميلادية. . . ذلك الجيش الذي درب أحسن تدريب، ونظم خير نظام، ولم يفت في عضده صحارى بلاد النوبة الرحبة وفيافها الجدباء، فكان العتاد الحربي ينقل على ظهور الجمال، ومتون السفن الشراعية والتجارية، حتى يصل إلى مديرية خط الاستواء، التي فتحها المصريون بدمائهم، وبذلوا في سبيلها أرواحهم رخيصة هينة، ويريد الإنجليز الآن انتزاعها ظلما وغدراً باسم العدالة والديمقراطية. وكم باسم الحق تراق الدماء، وتزهق الأرواح باطلا وزوراً.

وقد لعبت بلدة كرسكوا، وهي في منتصف الطريق بين الشلال وحلفا تقريباً، دوراً هاماً أيام إسماعيل باشا، إذ كانت تصل إليها المعدات والعتاد الحربي، ثم ينقل هذا كله على ظهور الإبل إلى بربر والخرطوم.

وقد شهدت توشكي - وهي بلدة قرب حلفا - أهم حوادث الثورة المهدية سنة تسع وثمانين وثمانمائة وألف ميلادية، حين حاول عبد الرحمن ولد النجومي غزو مصر، طامعاً فيها، راغباً في الاستيلاء والسيطرة عليها، فخرج من دنقلا في مايو سنة تسع وثمانين وثمانمائة وألف ميلادية، في جيش لا نظام له، على الرغم من كثرة عدده، وكانت الحكومة المصرية عالمة بحركاته، إذ كان سردار الجيش المصري حينذاك رجلا اشتهر بالحكمة والروية، والحنكة وبعد النظر. ووقعت مناوشات بين الجيشين قرب حلفا، وما كاد يصل جيش السودان توشكي حتى التحم المقاتلون، واشتد القتال، وحمى الوطيس. وتمكن الجيش المصري من القضاء على عبد الرحمن ولد النجومي، ومعظم جيشه.

وسر بذلك الخديو توفيق باشا، فأرسل إلى السردار تهنئة بهذا النصر، وأقيم مقام عظيم في توشكي ضم جميع من مات من الجيش المصري، ونقش فوقه باللغة العربية حفراً:

(شيد هذا الأثر تذكاراً لواقعة توشكي التي حصلت في 6 من ذي الحجة سنة1306هـ، وانهزم فيها جيش العصاة السوداني المرسل تحت إمرة عبد الرحمن ولد النجومي. فشتتوا بعد قتل أميرهم. . وفي هذا القبر دفنت جثث العساكر المصرية الذين استشهدوا وهم في الميدان)

وكأنما كانت هذه الواقعة فألا حسنا على البلاد، فامتدت سلطة الحكومة المصرية إلى سرس (جنوباً)، وزلز هذا الخبر التعايشي وجنوده، فأخذت تتداعى أركان الدولة المهدية، ويتقوض بناؤها حجراً بعد حجر

وقد سار الخديوي توفيق بنفسه بعد الواقعة في بعض معيته إلى توشكي، وهناك في هذه البلدة النوبية الواقعة على شاطئ الغربي للنيل، والتي لا تبعد عن عنيبة أكثر من عشرة أميال تقريباً، وقف الخديوي توفيق أمام قبر شهدائها. وفي نفسه عواطف متباينة، ومشاعر مختلفة. وأحاسيس متضاربة، يتأمل ما أظهره عساكره من شجاعة وإقدام، وما أبداه جنده من جرءة واستبسال وسرعان ما فاضت دموعه ترحما على هؤلاء الأبطال القتلى الذين بلغ عددهم في هذه الواقعة ستة وعشرين قتيلاً فقط. .!!

وفي الدر، وإبرايم، وتوشكي، وأبي سمبل عائلات من المماليك، بيض الوجوه، ضخام الجسوم، يختلفون اختلافاً واضحاً عن بقية الاهلين من النوبيين الأصليين، فلهم من المماليك نعرتهم، وحدتهم، واعتزازهم العجيب بأنفسهم، إلى حد يدفعك إلى العجب، ويوقعك أحياناً في الحيرة والارتباك، ويذكرك تواً بقصة التركي الذي فقد الحكم والسلطان، والصولة والصولجان، فلم يعدمه في مجموعة من القلل ملأها ماء، وجلس بها على قارعة الطريق، يأمر وينهي، ويتحكم دائماً في كل من ساقه حظه العاثر إلى الشرب منها!!. .

وهؤلاء يطلقون على أنفسهم لفظ (كشاف) والواحد منهم كاشف، وهم بقايا المماليك الذين فروا من مصر، عقب المذبحة المشهورة، مذبحة القلعة التي بيتها لهم محمد علي باشا سنة إحدى عشرة وثمانمائة وألف ميلادية - إلى مختلف بلدان الصعيد. ولما أرسل محمد علي باشا ابنه إبراهيم باشا لجمع الضرائب في الصعيد، طارد فلول المماليك، وهاجمهم في أوكارهم التي لجئوا إليها، فأوسعوا الخطا إلى الجنوب، واستقر ببعضهم المقام في بلاد النوبة، وطابت له فيها الإقامة، فألقى بها عصاه، وقرت فيها عينه، إذ وجد الجو خالياً، والأهلين في طبيعتهم الهدوء والطاعة.

وقد كان هؤلاء يحملون كثيراً من الجوهر والذهب، مما خف حمله وغلا ثمنه، وارتفعت قيمته، فأمكنهم أن يسيطروا على النواحي التي نزلوا بها في هذه البلاد بما معهم من أموال، والمال مفتاح كل مغلق، وميسر كل صعب، ومسهل كل عسير. أضف إلى ذلك النعرة التركية التي تطمح دائماً إلى السيادة والعضموت، والقوة والجبروت، والسيطرة والرهبوت، الأمر الذي مكن لهم في هذه الجهات سلطاناً وقوة، وثبت أقدامهم، ورفع شأنهم. . .

وبتوالي الزمن، وانقطاع المماليك عن مبعث السلطان، وموطن العظمة، واضطرارهم إلى الاحتكاك بالأهلين في شتى نواحي الحياة، وبخاصة سبيل الرزق والعيش، وبطول العشرة وما طبع عليه النوبيون من أمانة ووفاء، تزوج هؤلاء من النوبيات، وتزوج منهم النوبيون، وأصهر كل إلى الآخر، فتلاشت بعض خصائصهم، وأصبحوا مصريين مخلصين. . .

ومهما يكن من شيء، فقد ازداد حب النوبيين لولاة الأمور في مصر، وبخاصة أيام المغفور له الملك فؤاد الأول، الذي ملأ بهم قصره. وتضاعف هذا الحب للمليك المحبوب فاروق الأول حفظه الله، فغصت بهم دواوين الحكومة، فكانوا مثال العفة والنزاهة، والأمانة والإخلاص. . . .

عبد الحفيظ أبو السعود