مجلة الرسالة/العدد 781/من تاريخ الطب الإسلامي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 781/من تاريخ الطب الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 781
من تاريخ الطب الإسلامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 06 - 1948


لصاحب السعادة الدكتور قاسم غني

سفير إيران بمصر

- 6 -

من كل ما ذكرنا نستطيع أن نفهم مبلغ التطور الفكري والنضج العلمي الذي كان قد بلغه العلماء والأطباء المسلمون في القرنين الثالث والرابع من الهجرة ويعدان في الحقيقة عصر كمال الرقي العلمي لدى المسلمين، ومن أهم العصور في تاريخ تكامل الثقافة والعلوم عند البشر.

في هذا العهد ظهر كثير من الأطباء الكبار من أصحاب التأليف المهمة في المسلمين، كانت آثارهم ومؤلفاتهم تدرس في المدارس، وكتب العلماء مئات من الشروح والحواشي عليها، وترجمت مؤلفاتهم إلى اللاتينية، ودرست في مدارس أوربا الطبية وكانت مدار علم الطب عندهم، وكان كثير منهم من إيران، وقد بلغت شهرة خمسة منهم حداً عظيما وخلدت أسماؤهم في تاريخ الطب وهم:

1 - علي بن ربن الطبري صاحب كتاب (فردوس الحكمة) وكتب أخرى في الطب، وقد تلقى عنه الطب محمد بن زكريا الرازي كما روي معظم المؤرخين.

2 - محمد بن زكريا الرازي وهو أكبر الأطباء المسلمين ومن أعظم الأطباء والكيماويين في العالم، وله تآليف متعددة في الطب والكيمياء.

3 - علي بن العباس المجوسي الأهوازي وكان طبيب عضد الدولةالديلمي، ومن تأليفاته كتاب (كامل الصناعة الطبية)

4 - الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا الفيلسوف والطبيب المشهور مؤلف القانون في الطب والشفاء والنجاة والإرشادات ورسائل أخرى في الفلسفة.

5 - السيد إسمعيل الجرجاني مؤلف كتاب (ذخيرة خوارز مشاهي) في الطب باللغة الفارسية.

6 - علي بن ربن الطبري: وقد كان علي بن ربَنْ الطبري متقدماً عليهم في الزمان، ويعتبر مؤلفه (فردوس الحكمة) أول تأليف طبي مستقل لأطباء المسلمين، لذلك نكتفي في حديثنا هذا بذكر مجمل من تاريخ حياته مقتبساً مما ذكره معظم المؤرخين عنه وما ذكره هو نفسه في مقدمة مؤلفه كتاب فردوس الحكمة.

هو أبو الحسن علي بن سهل بن ربن الطبري وكان من أسرة برعت في العلوم، وتولت أهم الأعمال لولاة طبرستان، وكان أبوه من أبناء كتاب مدينة مروو ذوي الأحساب والآداب، وكانت له براعة في الطب والفلسفة، يقدم الطب على صناعة آبائه، وقد قام بتثقيف ابنه وتعليمه العربية والسريانية علاوة على الطب والهندسة والفلسفة والعبرانية وقليلا من اليونانية أيضاً، والدليل على أنه كان له إلمام بهذه الألسنة أنه قد شحن فردوس الحكمة ببسط القول في الهندسة والفلسفة وشرح فيه بعض اللغات اليونانية، ونشر ترجمة باللغة السريانية.

وبعد أن فرغ من التعليم في طبرستان، توجه إلى العراق وأقام بها وأخذ يتطبب فيها، وبعد أن عين مازيارين قارن لولاية طبرستان من قبل العباسيين، ترك علي بن ربَنْ الطب وأسرع إلى هناك، وتولى الكتابة في ديوان مازيار، واستمر في عمله حتى قتل مازيار، ثم توجه إلى الري وعاد فيها إلى التطبب ثانياً، وهناك أخذ الرازي يقرأ عليه الطب، ثم رحل إلى سر من رأى وأقام بها وفيها وفقه الله للانتهاء من تأليفه فردوس الحكمة وكان ذلك في العام الثاني من خلافة المتوكل على الله.

يقول ابن أسفندبار في المجلد الأول من مؤلفه تاريخ طبرسان ما ترجمته أن الخليفة المعتصم عين علياً بن ربن الطبري بعد مازيار بديوان الإنشاء فوجدوا معاني ما يكتب أقل منها في مازيار، فسألوه عن العلة فقال إن مازيار كان يكتب تلك المعاني بلغته، أما أنا فإني أدونها بالعربية وفي هذا ما يدل على قوة عقل مازيار.

ولما تولى المتوكل الخلافة دعاه إلى الإسلام فلباه واعتنقه، فلقبه بمولى أمير المؤمنين، ولشرف فضله جعله من ندمائه، وفي رواية لابن النديم أنه أسلم على يد المعتصم.

وقد اختلف المؤرخون في دين علي بن ربن، فقال بعض مشاهيرهم ومنهم محمد بن جرير الطبري أنه نصراني، وقال آخرون منهم كالقفطي إنه من اليهود.

يقول القفطي: (وكان له تقدم في علم اليهود والروبن والربين والراب أسماء لمقدمي شريعة اليهود)، ويظهر من هذا الكلام أن سبب وقوع القفطي وغيره ممن يعدونه يهودياً ناشئ من كلمة (ربن) إذ أن هذه الكلمة تطلق عادة على العلماء المتبحرين في علوم الدين عند اليهود - وقد كان لأبيه كما روى عن علي بن ربن نفسه وعن غيره من المؤرخين - إحاطة تامة بالكتب المقدسة وعلوم التوراة - أما بعد نشر كتاب (الدين والدولة) بواسطة الأستاذ منغانا المستشرق، وفيه يصف علي بن ربن نفسه أيام نصرانيته لا يبقى أي شك في أنه كان من النصارى وأن الذين يعدونه يهودياً مخطئون، وسبب وقوعهم في هذا الخطأ هو لقب والده (ربن).

أما تآليفه فهي حسب رواية ابن النديم وابن أبي أصيبعة والقفطي كالآتي:

1 - تحفة الملوك

2 - فردوس الحكمة

3 - كناش الحضرة

4 - منافع الأدوية والأطعمة والعقاقير

5 - كتاب في الأمثال والأدب على مذاهب الفرس والروم والعرب، وقد أضاف إليها ابن أبي أصيبعة كتباً أخرى منها:

1 - كتاب عرفان الحياة أو إرفاق الحياة

2 - كتاب حفظ الصحة

3 - كتاب في ترتيب الأغذية

4 - كتاب في الرقي

5 - كتاب في الحجامة

ويجدر بنا أن نزيد عليها كتابين آخرين هما:

1 - (الدين والدولة) الذي نشرته مطبعة المقتطف والذي يشير على بن ربن نفسه في مقدمة مؤلفه (فردوس الحكمة) إلى أنه قام بنقله إلى السريانية بعد إنجاز تأليفه.

2 - كتاب الرد على أصناف النصارى الذي أشار إليه المؤلف في مطاوي كتاب الدين والدولة.

وقد ذكر ابن أسفنديار في مؤلفه تاريخ طبرستان مؤلفاً آخر له باسم (بحر الفوائد) ولم يسلم من عوادي الزمان من كل هذه المؤلفات التي ذكرناها غير ثلاثة كتب هي:

1 - كتاب فردوس الحكمة في الطب

2 - كتاب حفظ الصحة، وتوجد نسخة منه في مكتبة بودلين باكسفورد.

3 - كتاب الدين والدولة، وقد طبع بمطبعة المقتطف، ونذكر هنا نبذة عن كتاب فردوس الحكمة، قام بمراجعة هذا الكتاب وطبعه ونشره الدكتور محمد زبيو الصديق أستاذ جامعة لكنو في مطبعة أفتاب ببرلين بتشجيع المرحوم الأستاذ ادوارد برون المستشرق الإنجليزي المعروف وإرشاده - وكان طبيباً محباً لإحياء الكتب الطبية - وبمساعدة أوقاف جمعية جيب التذكارية) وذلك بمراجعة النسخ الخطية الثلاث الموجودة في أوربا والنسختين الموجودتين في الهند وكان ذلك عام 1928 بعد وفاة الأستاذ براون.

وقد كان كتاب (فردوس الحكمة) معروفاً منذ بدء تاريخ تأليفه حتى إن أشهر المؤرخين محمد بن جرير الطبري كان يطالعه وهو مريض قد لزم الفراش، واستشهد به الرازي والمسعودي وياقوت وأبو ريحان وغيره من المحققين في مواضع شتى من كتبهم.

والكتاب مقسم إلى سبعة أنواع من العلوم، والأنواع مقسمة إلى ثلاثين مقالة، والمقالات إلى ثلاثمائة وستين باباً.

ونجتزيء في حديثنا هذا الآن بالإشارة إلى أن النوع الأول من الكتاب مشتمل على مقالة واحدة يذكر فيها أنه أخذ المعارف التي ضمنها كتابه من بقراط وجالينوس وآخرين من علماء الطب ومن كتب أرسطو وسائر الفلاسفة ومن آثار معاصريه كيوحنا ابن ماسويه وحنين بن إسحق، وأضاف إلى ذلك كله خلاصة كتب أخرى طالعها وألحق بها زيادة في الإفادة مقالة خاصة في كتب الطب.

وفي أبواب هذا المقالة يتحدث عن كليات المسائل الفلسفية والعلوم الطبيعية من قبيل الهيولي والصورة والكم والكيف وتأثير الفلك والأجرام السماوية والهواء والشهب والحيوان البري والبحري والهوائي وغير ذلك. وفي النوع الثاني ويحتوي على خمس مقالات يشرح المسائل الطبية كالحمل والجنين وعلل العقم والعقر وخلقة الأعضاء والحواس والقوى المدبرة في البدن والقوى النفسانية والرويا والكابوس.

وفي النوع الثالث يبحث عن الأغذية وأنواعها والكمية اللازمة من أنواعها المختلفة وقوة كل نوع منها.

وفي النوع الرابع وهو أكبر أنواع الكتاب وأكثرها تفصيلا يتحدث أولا عن الأمراض بصفة عامة كالبحث عن الأمراض الخاصة بكل دور من أدوار الحياة والأمراض الخاصة بكل فصل من فصول - السنة وعلة هيجان الأخلاط والطبائع ثم يشرح بعد ذلك الأمراض الخاصة بكل عضور من أعضاء الجسم من قمة الرأس إلى أخمص القدم ويتحدث عن العلاج والفصد والحجامة وخصوصيات كل دواء وذكر علاجه.

وفي النوع الخامس يبين خواص الأشياء وروائحها وألوانها وفي النوع السادس منه يتحدث بالتفصيل عن المواد الغذائية والأدوية المختلفة كالحبوب والغلال والبقول والخضر والفواكه والزيوت واللحوم والمربيات والمخللات والأدوية المفردة والعقاقير والمسهلات ويذكر فيه أيضاً منافع أعضاء كثير من أنواع الحيوان وعن السموم وعلاماتها وترياقها والمراهم والأضمدة وغيرها.

وفي النوع السابع يتكلم عن الماء والهواء والأقليم والفصول والعلاقة الموجودة بينها وبين الصحة والمرض وفائدة علم الطب.

ويتبين من مطالعة كتب على بين ربن أنه لم يسهب في الكلام عن الجراحة العملية والتشريح بينما نراه في النوع الرابع من الكتاب وهو أهم قسم فيه ويولف خمسي الكتاب على وجه التقريب، يتحدث عن الأمراض بتفصيل كلي غير أنه لا يذكر حتى في هذا النوع شيئاً مهما عن تجاريه الشخصية أو مطالعاته عن المرضى في المستشفيات على عكس تلميذه العظيم الذي يمكن اعتباره أكبر الأطباء المسلمين أعني محمد بن زكريا الرازي فإن كل كتبه ومؤلفاته مشحونة بمطالعاته الخاصة في المستشفيات وبتجاربه المختلفة وبحوثه الدقيقة الشخصية.

ويستفاد من هذه الكتب الثلاثة الباقية من آثار هذا الرجل العظيم أنه فضلا عن مهارته في العلوم العربية والأدب وحسن الإنشاء ومعرفة اللغات المتداولة في زمانه كان عالماً بالطب والفلسفة والنجوم أيضاً كما أنه كان لديه اطلاع واسع على الديانات اليهودية والنصرانية والإسلامية.

وينسب بعض الكتاب الذين دونوا سيرة علي بن الطبري إليه أقوالا تعتبر من الحكم والأمثال السائرة (السلامة غاية كل سول - طول التجارب زيادة في العقل - التكلف يورث الخسارة - شر القول ما نقض بعضه بعضاً - الطبيب الجاهل مستحث الموت.

(يتبع)