مجلة الرسالة/العدد 770/1 الأعلام:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 770/1_الأعلام:

مجلة الرسالة - العدد 770
1_الأعلام:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 04 - 1948


محمد بك النجاري

للأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف

أخلص الناس للعلم، وأنفعهم له وبه، هم الذين يقبلون عليه استجابة لميولهم الفطرية، وإشباعاً لرغباتهم الفكرية، ويتخذونه مجالا لرياضة الذهن وتثقيف العقل، وباباً للإفادة وتخليد الذكر، في غير ما نظر إلى إدراك مكافأة أو حصول على أجر. . ولقد كان من هؤلاء المغفور له القاضي اللغوي محمد بك النجاري طيب الله ثراه وأكرم مثواه.

نشأ النجاري نشأة بعيدة عن مجال الثقافة اللغوية والأدبية، فقد تربى في المدارس المصرية على عهدها الأول، ثم انتقل إلى مدرسة الحقوق الخديوية كما كانت تسعى في تلك الأيام، فأتم دراسة القانون فيها، وكان من المبرزين بين متخرجيها، فأوفدته الحكومة في بعثة إلى فرنسا عام 1882 لإتمام دراسة القانون بها، فبقى هناك خمس سنوات كاملة، إذ عاد سنة 1887م فعين مساعد نيابة من الدرجة الأولى، ولقد ظلّ يترقى في مناصب القضاء الأهلي حتى انتهى إلى رئاسة محكمة الزقازيق، ثم نقل إلى القضاء المختلط فعين قاضياً لمحكمة الإسكندرية، ثم لمحكمة مصر، وقد انتقل إلى جوار ربه وهو في هذا المنصب. .

وفي سجلات الحكومة مئات تربوا مثل تربية النجاري في المدارس المصرية، وقدر الله لهم التفوق في نيل الشهادات الدراسية، وبلغوا في المناصب الحكومية أرفع مما بلغ درجات ودرجات، وليس في هذا كله ما يحرك قلم الكاتب أو يثير رغّبة المؤرخ لتدوينه، وما كان النجاري جديراً بالذكر لولا أنه اتخذ لنفسه مجالا آخر، شغل به عقله، ووقف عليه جهده، ومنحه إخلاصه ورغبته، وهو مجال الثقافة اللغوية التي أحبها وعشقها، فبذل نحوها جهداً يحمد. وخلّف فيها أثراً يذكر.

وكان أول ما أبدى في ذلك أن لمس المشقة الكبيرة التي يعانيها القائمون بالترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية وما يجهدهم في الحصول على التعبيرات والمترادفات التي تؤدى المعنى في دقة وتعبر عن الغرض في أمانة، فعكف على تأليف معجم فرنسي عربي جمع فيه من مادة اللغتين ما وسعه الجهد، وقد أخرج هذا المعجم في ستة مجلدات كبيرة، فأدى بذلك للغة خدمة جليلة تشهد بصادق غيرته وبالغ ما بذل من جهد واجتهاد.

وكان أن اتجه إلى أداء خدمة أجل وأصدق نحو العربية، إذ عنى بإخراج كتاب المخصص تأليف أبى الحسن على بن إسماعيل النحو اللغوي الأندلسي المعروف بابن سيده، والمتوفى سنة 458 للهجرة، وكان هذا الأثر الجليل قد انتهبته أحداث الزمن، وتفرقت أجزاؤه في مكاتب الدول، فعنى النجاري بك بجمع هذه الأجزاء من مكاتب إنجلترا والبرتغال وبلاد ما بين النهرين، وضم ذلك إلى ما عثر عليه من الكتاب في دار الكتب المصرية، وبعد أن قام بترتيبه وتنسيقه تعاون جماعة من أهل الفضل وأنصار اللغة والأدب على طبعه ونشره، فخرج في سبعة عشر جزءاً كبيراً، وفى خاتمة الجزء السابع عشر أشار رئيس تصحيح الكتب العربية بالمطبعة الأميرية إلى الجهد الذي بذله العلامة النجاري في إخراج هذا الكتاب، فقال بعد أن ذكر ما لهذا السفر من قيمة جليلة: (ومن أجل ذلك قام بطبعه لتيسير تناوله وتعميم نفعه جمعية خيرية، من فضلاء المصريين وسراتهم ذوى الهمم العلية، وفى مقدمتهم حضرة العلامة المحقق صاحب الفضيلة الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية. وحضرة صاحب السعادة حسن باشا عاصم رئيس ديوان خديوي، وحضرة الوجيه الفاضل صاحب العزة عبد الخالق بك ثروت أحد أعضاء لجنة المراقبة القضائية بالحقانية، وحضرة السرى الأمثل صاحب العزة محمد بك النجاري أحد قضاة المحكمة المختلطة بالإسكندرية، وهو حفظه الله كان ذا السبق والنهضة الأولى في تحقيق هذا المشروع الجليل فإنه بذل همته في استكتاب هذا الكتاب من نسخة عتيقة مغربية بالكتب خانة الأميرية المصرية قد ركض فيها البلى ولعب، وأكل منها الزمان وشرب، حتى أبلى ثوبها القشيب، وأذوى غصنها الرطيب، ولم تسعد الأيام بثانية تعززها بعد البحث والتنقيب، وبعد كتابة نسخة منها وكل تصحيحها ومقابلتها على أصلها إلى حضرة الأستاذ العلامة مرجع طلاب اللغة والأدب الشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي، وكان معه في المقابلة حضرة صديقنا الفاضل الشيخ عبد الغني محمود أحد علماء الأزهر الشريف. .)

وإنه كما ترى لعمل جليل، وإن مما يزيد في تقديره أن يتم من رجل يربطه منصبه بثقافة القانون والفقه لتطبيق مواده وأحكامه. على أن النجاري لم يقف عند هذا الحد، فقد رجع إلى (لسان العرب) وهو أوسع معجم في اللغة العربية فرآه مرتباً على طريقة غير سهلة ولا وافية بالحاجة في استخراج الكلمات والكشف عن معانيها، فعزم على ترتيب هذا المعجم الضخم على حروف الهجاء، متبعاً في ذلك منهج المعاجم الحديثة في اللغات الأجنبية، وضم إليه في هذا الترتيب معجم الفيروز ابادي المعروف بالقاموس المحيط حتى يكون أوفى وأتم، وفي أثناء عمله هذا عني بجمع الكلمات العربية التي تقارب الكلمات الفرنسية في اللفظ وتتفق معها في المعنى، وأراد أن يخرجها في كتاب على حدة، وقد جمع من هذا الكلمات حوالي ثلاثة آلاف كلمة عربية فرنسية.

وشمر النجاري لإخراج هذا المعجم الذي قصد إليه ترتيباً وتنسيقاً، فأخذ يواصل الجهد لذلك حتى شارف الغاية، فأعدَّ منه تسعة عشر مجلداً، وبقي مجلد واحد أعجزه المرض عن إتمامه، فسافر إلى أوروبا للاستشفاء، ولعله يصيب من الراحة ما يعينه على إتمام هذا العمل، وقد عاد من أوروبا فعلاً يستروح روح العافية، فعكف على إنجاز الجزء الأخير في ذلك المعجم، ولكن الداء انتكس به، وعاودته العلة أقسى مما كانت، فلم يذعن للمرض هذه المرة، وظل يوالي العمل في منصبه من جهة وفي المعجم من جهة اخرى، وكأنه كان يتعجل الفراغ من هذه المهمة قبل فراغ العمر، فبينما كان يقلب صفحات أحد المعاجم وهو جالس على مكتبه في إحدى الأمسيات إذ سقط جثة هامدة وفاضت روحه إلى بارئها، ولم يبق من إتمام المعجم إلا ورقات معدودة في آخر الجزء العشرين، وكانت وفاته رحمة الله سنة 1332 هجرية - 1914 ميلادية.

وتصرمت السنون على وفاة النجاري، وطوى عمله في مطاوي النسيان. وفي الأيام الأخيرة تقدم ورثته إلى وزارة المعارف لعلها تعني بنشر هذا المعجم الذي رتبه ونسقه وبذل في سبيله أعز ما يملك وهو صحته وحياته، فأحالته الوزارة إلى المجمع اللغوي ليرى فيه رأيه، ثم كان أن أعاده المجمع إلى الوزارة، ولا يزال المعجم بين يدي الوزارة لم يستقر لها رأي إلى الآن في شأنه.

محمد فهمي عبد اللطيف