مجلة الرسالة/العدد 770/نعم نملك تحريم تعدد الزوجات

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 770/نعم نملك تحريم تعدد الزوجات

مجلة الرسالة - العدد 770
نعم نملك تحريم تعدد الزوجات
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 04 - 1948


للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

نعم نملك تحريم تعدد الزوجات، ولكن بطريق ما كان يصح أن يخفى على حضرة صاحب المعالي العالم العلامة عبد العزيز فهمي باشا، وقد سلكه أولو الأمر حديثاً في نظائر لتعدد الزوجات، ولم يتعسفوا الطريق إليها كما تعسف في طريق تحريم تعدد الزوجات فوقع فيما لا يصح أن يقع فيه مثله في علمه وفضله، لأن إباحة تعدد الزوجات من الأحكام التي جرى العمل بها في عهد النبوة والصحابة، وفى كل العهود الإسلامية إلى عهدنا الحاضر، وهو الحكم الذي يوافق تشريع الإسلام، لأنه يمتاز بأنه تشريع صالح لكل زمان ومكان.

ومن يخالف مثل هذا الحكم المظاهر يقع فيما وقع فيه الباشا حين أنكر إباحة تعدد الزوجات في الإسلام، فاضطر حين خالف بهذا ما جرى عليه العمل جيلا بعد جيل إلى تعسف لم يقع نظيره من مسلم، ولكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة، ولله العصمة وحده، وقد كان هذا بأن ذهب إلى أن فترة الإسلام الأولى منذ الهجرة إلى آخر الدولة الأموية كانت عهداً مملوءاً بحروب المسلمين وفتوحاتهم، والجنود في كل أمة يدللون ويتجاوز لهم عن كثير من الآثام في مقابل أنهم وهبوا حياتهم للدفاع عن أمتهم، والشباب من جند المسلمين كانت الغريزة الجنسية تتنبه عندهم في أوقات الراحة بين المواقع الحربية، ولم يكن لهم سبيل إلى إجابة داعيها بغير التزوج، لأن الزنا محرم، فكانوا يتزوجون غير زوجاتهم الآتي تركوهن في بلادهم، ثم استمروا على هذه العادة المحرمة، ولم يعدموا من يهونها عليهم بالحيل الشرعية، ثم شايعهم عليها أهلوهم ولو لم يكونوا محاربين، فانتشر العمل بها بين المسلمين في القرن الأول والثاني، ولما جاء عصر التدوين في آخر الثاني وأوائل الثالث كانت هذه العادة قد صارت من التقاليد القديمة المستقرة المحببة إلى المسلمين، فاضطر الفقهاء في كثير من الجهات إلى مسايرتها، وتدوين الواقع من متابعة الناس لها، وتساهلوا في تأويل سندها من القرآن، كما تساهل فيه المحاربون الأولون.

ولاشك أن مثل هذا الكلام لا يصح أن يقال من عالم مثل الباشا درس تاريخ المسلمين، وعرف بإخلاصه لدينه وتقاليده، لأنه لا يعقل أن يسكت المسلمون كلهم على ذلك الإثم، ولا يوجد فيهم واحد يقوم بإنكاره، وينبههم إلى حقيقة أمره، ولكن الباشا حفظه الله وأطال ف عمره يرى أن تعدد الزوجات صار غير محتمل في عصرنا بشكله الأول، وأنه لابد من تقييده بقيود تلائم ما صار إليه المسلمون الآن، فيجد من الأستاذ الفاضل إبراهيم زكى الدين بدوي ومن لا يحصى من العلماء من يقف في طريقه، ويرى أنا لا نملك أن نحرم تعدد الزوجات، لأن في هذه خروجا على إباحة الدين له، كما قبل مثل هذا عند تحديد سن الزواج ونحوه مما جرى العمل الآن به، وأله الناس بعد أن ثاروا عليه عند تشريعه، فيقابل الباشا هذا الغلو في التشدد في أمر القديم، بالغلو في محاولة إبطاله، ويوقعه هذا في خطأ الغلو مثلهم، لأن الإسلام دين وسط لا غلو فيه، وبهذا كان أصلح تشريع عرفه البشر منذ وجودهم على ظهر الأرض.

إن الإسلام قد أعطى تعدد الزوجات حكم الإباحة، ليتصرف المسلمون فيه في كل زمان ومكان بحسب المصلحة، فيأخذوا به إذا اقتضت مصلحتهم، أن يأخذوا به، ويكفوا عنه إذا اقتضت مصلحتهم أن يكفوا عنه، ويكون بهذا حكماً صالحاً لكل زمان ومكان، كما هو شأن سائراً حكام الإسلام، فلم يجعله سنة أو فرضاً على المسلمين حتى يؤخذ فيه شئ عليهم، ولم يضيق عليهم بتحريمه كما ضيق غيره من الأديان، لأن هذا التضييق لا يلائم كل زمان ومكان.

وليس معنى الإباحة في الإسلام أن يأخذ المسلمون فيها بشهوتهم، فلا يقفوا فيها عند حد، ولا يتصرفوا فيها بالحكمة لأنه أسمى من أن يطلق لشهوة المسلمين عنائها في هذا الحكم، وقد أباح لهم لباس الزينة والأكل والشرب من الطيبات، ولكنه لم يطلق لهم أمرها إطلاقاً، بل قال الله في الآية_31_من سورة المائدة (يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) فما ظنك بإباحة تعدد الزوجات وأمره فيها ليس كأمر الزينة والأكل والشرب، لأن كلا من هذه الثلاثة مباح مرغوب فيه، أما تعدد الزوجات فهو مباح غير مرغوب فيه، كما قال تعالى في الآية - 3 - من سورة النساء (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا).

وقد كان الأخذ بإباحة تعدد الزوجات مقبولا في الصدر الأول لأن المسلمين كانوا عدولا متمسكين بأمر دينهم، فكانوا يعدلون بين نسائهم وأولادهم، وكانت النساء لا ترى حرجاً في ذلك التعدد لأنه كان يؤخذ بالحكمة، ولا يتأثر فيه بالشهوة، وكان الأبناء من الزوجات المتعددة لا يجدون تفاوتا في المعاملة من آبائهم، فلا يحدث بينهم شقاق يضر بدينهم.

ولأن المسلمون كانوا في قلة بين الأمم المجاورة لهم، وقد قامت بينهم حروب متتابعة تحدث فيهم قلة إلى قلتهم، فكانوا في حاجة إلى تعدد الزوجات ليعوض ما يصيبهم في الحرب من فقد الرجال، ويزيد في عددهم حتى يمكنهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ويكون فيه علاج لما تحدثه الحرب من نقص عدد الرجال عن عدد النساء، فيجمع بعض الرجال بين زوجتين أو ثلاث أو أربع، ممن فقدن رجالهن في الحرب، ليقمن بوظيفة النسل للمسلمين، ويجدن من يقوم بأمرهن بعد فقد أزواجهن، في حال من الحل لا يكون فيها حرج عليهن، ولا يكون فيها من الضرر بالمجتمع مثل الزنا.

ولأن المسلمين في ذلك الوقت كانوا خير أمة أخرجت للناس، فكانت كل زيادة في تلك الأمة التي أخرجها الله لتؤدى رسالتها بين الناس، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والزيادة في الخير محبوبة، ولا شئ في أن يصار إليه بتعدد الزوجات، لأن كل وسيلة إلى الخير مقبولة.

فهل المسلمون الآن كأهل الصدر الأول؟ وهل يرجى خير من زيادتهم بتعدد الزوجات كما كان يرجى في عهد ذلك السلف الصالح؟ اللهم كلا ثم كلا.

أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى وجوه الحي غير وجوههم

فليس المسلمون الآن عدولا كما كانوا في الصدر الأول، فلا تجرى تصرفاتهم في تعدد الزوجات بالحكمة بل بالشهوة، ولا يعدلون بين نسائهم وأولادهم، ولقد كان هذا سبباً في فساد الأسرة الإسلامية، لأن الأسرة لا يستقيم حالها بغير العدل، ولقد جر فساد الأسرة إلى فساد الأمة، لأن الأمة تتألف منها، فيصلح حالها بصلاح حالها، ويفسد حالها بفساد حالها.

وليس المسلمون الآن في قلة كما كانوا في الصدر الأول، لأن عددهم يربو الآن على ثلثمائة مليون، وهذا عدد لا يستهان به إذا ربى تربية صالحة، ولا قيمة له إذا لم يؤخذ بهذه التربية، فهم الآن ليسوا في حاجة إلى زيادة العدد، وإنما هم في حاجة إلى تلك التربية الصالحة.

وليس المسلمون الآن خير أمة أخرجت للناس، حتى يكون في زيادتهم بتعدد الزوجات زيادة في خيرهم، لأنهم لم يجعلوا خير أمة أخرجت للناس بذواتهم، وإنما جعلوا كذلك لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإذا لم يقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانوا كغيرهم من الأمم، بل كانوا أسوأ حالاً منهم، وهاهم أولاء الآن لا يقومون بهذه الوظيفة كما كان يقوم بها سلفهم فصاروا إلى كثرة لا خير فيها، ولا يرجى خير في زيادتها بتعدد الزوجات، بل يزيد شرها ويتفاقم كلما زادت، ويتسع خرقه بزيادته على الراقع.

نعم نحن الآن غثاء كغثاء السيل، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في قوله: تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأسد على فريستها، فقالوا له: أعن قلة يا رسول الله؟ قال: لا، ولكن غثاء كغثاء السيل.

ولقد كان العشرون من أهل الصدر الأول يعدون بمائتين، وكان المائة منهم يعدون بألف، بل كان الواحد منهم يعد بألف أو أكثر، أما نحن الآن فالألف منا يعدون بواحد، ولا خير في كثرتنا ونحن على هذا الحال، بل يجب أن نعمل على تقليل عدد الأسرة فينا بمنع الزيادة على زوجة واحدة، ليمكن رب الأسرة أن يربيها صالحة، ويمكننا أن نهنئ جيلاً صالحاً يعتز الإسلام به، ولا يكون كهذا الغثاء الذي يحط من شأن الإسلام، ويحط من قدر المسلمين بين الأمم.

وسيجد الباشا بعد هذا أن ما يريده من منع تعدد الزوجات كان مطلباً سهلاً لا يحتاج إلى ما تكلفه في أمره، وما كان الشارع الحكيم ليعطيه حكم التحريم الذي حاوله الباشا، وهو يزن أحكامه أعدل وزن، فلا يرضى أن يجعل تعدد الزوجات كالزنا في الحكم لأن التسوية بينهما في الحرمة يأباها العقل.

وسيجد الأستاذ إبراهيم بدوي بعد هذا أنه لم يكن له أن يقول في عنوانه (هل نملك تحريم تعدد الزوجات) لأنا نملك هذا من غير نزاع، ونزاعه مع الباشا في أن تعدد الزوجات حلال أو حرام، وهذا له عنوان غير ذلك العنوان، والحق أردت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت.

عبد المتعال الصعيدي