مجلة الرسالة/العدد 770/في التحليل النفسي:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 770/في التحليل النفسي:

مجلة الرسالة - العدد 770
في التحليل النفسي:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 04 - 1948


تخاف من العرائس

للدكتور أحمد فؤاد الأهواني

قالت إنها تخاف من العرائس، فتبادر إلى ذهني أنها تخاف من الفتيات في سن الزواج وقد أعلنت خطوبتهن وأصبحت الواحدة منهن (عروسة) كما هو الاصطلاح في تعبير العامة. وأيد هذا الظن أن السائلة فتاة حول العشرين من عمرها. فقلت لها ولماذا تخافين من العرائس، هل ترهبين الزواج ولا تريدينه؟ قالت لا، ليس الأمر كذلك، إني أعني تلك العرائس التي يصنعها الناس للزينة أو التسلية، ويتخذها الأطفال أداة للهو واللعب والعبث، ثم نطقت بالفرنسية (بوبيه).

ورأيت أن الأمر ليس سهلا كما تصورت في أول الأمر، فطلبت منها زيادة الإفصاح والبيان.

هذا وأنا آخذ حالة الفتاة مأخذ الجد، فهذا أول شرط في التحليل النفساني.

قالت: إني أخجل من نفسي خجلاً شديداً، ولا أحب أن أفضي لأحد بأمري حتى لايهزأ بي، فأنا أعلم أن العرائس لاضرر منها، وهي لاتؤذي، ولاتملك نفعاً ولاضراً؛ ثم إني قد بلغت من السن مالا ينبغي أن ينزل بقلبي الخوف من مثل هذه الأشياء التي لا تليق إلا بالصغار من الأطفال. وبلغت من الثقافة ما أعلم معه علم اليقين أننا نحن الذين نصنع هذه العرائس بأيدينا، فكيف نخاف منها.

وكانت حقاً على درجة من الثقافة، فقد تلقت العلم في مدارس فرنسية، وهي تشتغل الآن مدرسة في مدرسة ابتدائية.

واستطردت قائلة: فأنت ترى أن هذه الحالة تسبب لي متاعب كثيرة، وترهقني من أمري عسراً.

فأنا لا أطيق أن ألمس (عروسة) واضطرب اضطراباً شديداً إذا دخلت حجرة فوجدت فيها شيئاً من ذلك فأخرج منها. ولهذا السبب رفع أهلي من البيت كل عروسة، وكل تمثال للزينة، لأنني أخاف كذلك من التماثيل. وإذا علمت أن صديقة من صديقاتي تحتفظ في بيتها بعرائس أو تماثيل، أبيت أن أزورها، دون أن أبدي السبب الحقيقي لأنه مضحك حقاً.

ثم إني لا آمن إذا دخلت بيتاً، وجلست في غرفة تخلو من العرائس، أن يدخل علينا طفل يلهو بعروسة في يده، وعندئذ يحدث لي هذا الخوف الذي يبلغ حد الفزع، فأستاذن في الحال وأصرف، وأنا في موقف شديد الحرج بالنسبة إلى نفسي وبالنسبة إلى صديقتي.

ثم تصور أن أي أختا تكبرني سنا، وهي متزوجة وذات أطفال، وقد حرمت على نفسها شراء العرائس لأبنائها حتى تيسر لي زيارتها، وتستقبلني في دارها. فانظر مبلغ العنتْ الذي كنت سببه. . .

قلت لها لعل هذه العرائس قبيحة المنظر، تخيف حقاً، فهي لذلك تبعث الرعب.

قالت: الغريب أن العروسة كلما زادت جمالاً، ازددت خوفاً. فالتقطت منها هذه الكلمة، أعني (العروسة الجميلة)، وقلت في بالي هذا مفتاح أعلم منه سر نفسها. ثم ذهبت ألاحقها بالسؤال عن ذكريات الماضي وعهد الطفولة، إذ كانت العقد النفسية تتكون في الصغر بل الصبا المبكر.

قالت إنها لاتذكر متى بدأ خوفها من العرائس، ولكن أهلها يقولون إنها وهي طفلة صغيرة جداً تخاف منها. وأقدم ذكرياتها التي تعيها، أنهم كانوا يضعون تمثالاً من الجبس على هيئة امرأة ملاءة سوداء فوق الشباك بالقرب من سريرها وكانت رؤية هذا التمثال تفزعها وتبعث في خيالها وتبعث في خيالها أشنع الأوهام.

وهذا كله معقول، فالطفل الصغير قاصر الإدراك، وقد يكون أصل هذا الخوف ومبعثه إيحاء بعض أخوات هذه الفتاة وقولهم لها ما يثير الخوف، فصدقتهم، واستمرءوا هذا العمل ومضوا فيه، وأصبحت الفتاة الصغيرة ترهب هذه العرائس وترتعش أو ترتبك عند رؤيتها. وثبت في نفسها هذا الخوف مع الزمن وأصبح كما يقولون (عقدة نفسية).

ولكن حل العقدة يكون بمعرفتها، واستخراجها من باطن النفس وأغوار الماضي فيبرح عنها الخفاء. وقد علمت صاحبتنا بأمر هذه العقدة، وعلمت أن ليس في العرائس ضرر، فما هو السر إذن؟

فانصرفت إلى البحث عن هذه (العروسة الجميلة) التي تخاف منها، التمس في الجمال علة الاضطراب.

وكان من الواضح أن السائلة غير جميلة.

وشرعت أسألها عن علاقتها بهن، ولها أختان شقيقتان إحداهما تكبرها بثمانية أعوام والثانية بعامين. الكبرى متزوجة وصاحبة أبناء، والصغرى لم تتزوج بعد.

وتبين من نبرات صوتها عند الجواب أن بينها وبين أختها الثانية أشياء. فهي أجمل منها، وأكثر منها حظاً في التعليم، وتشتغل منصباً أفضل منها.

وألححت في السؤال، فقالت إنها تحترم أهلها وأخوتها وقد رباها أبوها تربية صالحة، وعلمها أن تقف من أخوتها موقف المحبة والاحترام.

ولكن الغيرة لا تعرف التقاليد والحدود الاجتماعية. والواقع أن الغيرة الشديدة قامت بين صاحبتنا وبين شقيقتها منذ الصغر فهي أجمل منها، وأحسن منها في التعليم حظاً، وأرقى من حيث المنزلة الاجتماعية، فضلا عن الغيرة الطبيعية التي تنشأ بين الأختين إذا كانتا متقاربتين في السن.

إذن فهي في صراع بين الواجب والواقع، بين واجبها نحو أختها وأهلها، وبين طبيعة نفسها التي تحدثها بالغيرة.

ولكن ما شأن أختها بالخوف من العرائس؟

لقد حدث عندها ما يعرف في علم النفس باسم (التحويل) فقد حولت خوفها من العرائس وهى الدمى التي يلعب بها، إلى أختها لما بين الاثنين من مشابهة في معنى (العروسة). والعروسة عند العامة هي الفتاة المخطوبة إلى عريس فالأخت عروسة بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأكبر الظن أن الشخص الذي كان يخيفها في الصغر، أي وهى في سن الثانية من عمرها، هي هذه الأخت.

وإذن فقد تعقدت العقدة، وتحولت من مجرد الخوف من العرائس المصنوعة للهو، إلى الخوف من (العروسة الجميلة) وهذا سر قولها إن العروسة كلما كانت جميلة، كان خوفها أشد. وكأن أختها أصبحت رمزاً حولت إليه خوفها، وغيرتها، وبغضها. . .

ويؤيد هذا كله، ما ذكرته من أنها لا ترغب في الزواج، وتمانع فيه، أو على الأقل كانت تمانع إلى عهد قريب.

ويؤيد ذلك أيضاً أنها تخشى الأطفال الحديثي الولادة، أي الذين في سن الرضاعة. قالت إنها ذهبت عند أختها الكبرى، وهى متزوجة وذات أطفال، وعرض لأختها أمر يقتضي أن تخرج من الغرفة على عجل، فأعطت ابنها الرضيع إلى صاحبتنا، والتمست منها أن تهدئ من روعة إلى أن تعود. وحملت الفتاة الطفل بين يديها وهى ترتجف من شدة الخوف، وكادت تلقى به إلى الأرض.

ونصحها أحد الناس بأن تصنع عروسة من قماش لعل ذلك يجعلها تألف بطريقة عملية هذه العرائس فلا تعود ترهبها. وفعلت ذلك، فقصت القماش، ووضعت داخله القطن، حتى إذا أوشكت العروسة أن تكتمل، وصورت رأسها، لم تستطع أن تمضى في صنعها إلى النهاية، وبرز الخوف في نفسها.

ليس العلاج عسيراً، فإذا عرف السبب بطلت آثار الاضطراب؛ والمهم أن يقتنع المريض بصحة الأسباب، وأن يعمل على علاجها.

أما عن السبب الأول وهو الخوف من العرائس الذي كان يقع في الصغر، وصحبها إلى الكبر، فيرجع إلى الوهم والتهويل، وقد عرفت أن هذا الوهم باطل، ولا ينبغي التهويل فيه.

أما عن السبب الثاني وهو الغيرة من أختها، فقد وجدت بعض المشقة في ترويض نفسها على محبتها المحبة الأخوية الصادقة ذلك أن القضاء على الأحوال النفسية التي ثبتت في النفس مع طول الزمن من أشق الأمور، مثلنا في ذلك مثل من يعتاد التدخين أو لعب الميسر أو شرب الخمر، لا يسهل عليه أن يقطع عادته التي ألفها بين يوم وليلة.

وقد رسمنا لها الطريق المؤدى إلى كبح جماح الغيرة، وفى القضاء على الغيرة من أختها على وجه الخصوص القضاء على خوفها الموهوم من العرائس.

أحمد فؤاد الأهوانى