مجلة الرسالة/العدد 76/محاورات أفلاطون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 76/محاورات أفلاطون

مجلة الرسالة - العدد 76
محاورات أفلاطون
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 17 - 12 - 1934

4 - محاورات أفلاطون

معذرة سقراط

ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود

قد يعجب بعظكم لماذا أطوف بالناس آحادا، فأسدى إليهم النصح واشتغل بأمورهم، ولا أجرؤ أن أتقدم بالنصح إلى الدولة بصفة عامة؟ واليكم سبب هذا: كثيراً ما سمعتموني أتحدث عن راعية أو وحي يأتيني، وهي معبودتي التي يهزأ بها مليتس في دعواه، ولقد لازمني ذلك الوحي منذ طفولتي، وهو عبارة عن صوت يطوف بي فينهاني عن أداء ما أكون قد اعتزمت أداءه، ولكنه لا يأمرني بعمل ايجابي، فذلك ما حال دون اشتغالي بالسياسة، وأخال ذلك آمن الطرق، فلست أشك أيها الأثينيون - في أني لو كنت ساهمت في السياسة للاقيت منيتي منذ أمد بعيد. ولما قدمت خيراً لكم أو لنفسي، وأرجو ألا يؤلمكم الحق إن أنبأتكم به، فالحق أنه يستحيل على من يرافقكم إلى الحرب أو أي اجتماع آخر ويقاوم فساد الأخلاق وأخطاء الدولة أن ينجو بحياته. فان من يحارب مخلصاً في سبيل الحق لن يمتد به الأجل إلى حين، إلا أن كان مشتغلاً بالأعمال الخاصة دون العامة، وأن أردتم لذلك برهاناً لما سقت إليكم كلاماً فحسب، بل لذكرت لكم حوادث بعينها، وهي أقوى حجة من الألفاظ، فاسمحوا لي أن أقص عليكم طرفاً من حياتي الخاصة، ينهض دليلاً على أنني لم أخضع قط لظلم خشية الموت، حتى لو وثقت بأن العصيان سيعقب من فوره موتاً محققاً. سأقص عليكم قصة قد تشوقكم أو لا تشوقكم، ولكنها مع ذلك حق. إنني لم أشغل منصباً إلا مرة عضواً في مجالس الدولة، وكانت رياسة المجلس عند محاكمة القواد الذين لم ينقذوا جثث القتلى بعد موقعة أرجنيس، لقبيلة أنتيوخس - وهي قبيلتي - فرأيتم أن تحاكموهم جميعاً، وكان ذلك منافياً للقانون كما أدركتم ذلك جميعاً فيما بعد، ولكني كنت إذ ذاك وحدي بين أهل بريتان أعارض الافتئات على القانون، وأعلنت رأيي مخالفاً لكم. ولما تهددني الخطباء بالحبس والطرد، وصحتم جميعاً في وجهي، آثرت أن أتعرض للخطر مدافعاً عن القانون والعدل على أن أساهم في الظلم خشية السجن أو الموت؛ حدث ذلك في عهد الديمقراطية، فلما تولى زمام الأمر الطغاة الثلاثون، أرسلوا إلي وإلى أربعة معي، وكنا تحت السقيفة، فأمرونا أن نسوق إليهم ليون السلامي من بلده سلامس لينزلوا به الموت - وذلك مثل لأوامرهم التي اعتادوا أن يلقوها لكي يشركوا معهم في جرائمهم اكبر عدد ممكن من الناس، فبرهنت لهم قولاً وعملاً، أني لا أعبأ بالموت، وأنه لا يزن عندي قشة، إن صح هذا التعبير، وأن كل ما أخشاه هو أن أسلك سلوكاً معوجاً شائناً، فلم أرهب طغيان تلك العصبة الظالمة، ولم تضطرني إلى ركوب الخطأ. فلما أخرجنا من السقيفة حيث كنا، ذهب الأربعة الآخرون إلى سلامس في طلب ليون، أما أنا فقد أخذت سمتي نحو الدار في هدوء صامت، وكنت أتوقع أن أفقد حياتي لقاء ذلك العصيان، لولا أن دالت دولة الثلاثين بعد ذلك بقليل، وما أكثر من يشهدون بصدق ما أقول

وهل تظنون أن قد كان يمتد بي الأجل إلى هذه السن، لو قد ضربت في الحياة العامة بنصيب، على فرض أني - كما ينبغي للرجل الصالح - لزمت جانب الحق، وأحللت العدالة من نفسي ما هي جديرة به من مكان رفيع؟ كلا ثم كلا! فلو قد عولت، أو عول كائن من كان، على ذلك، لما أتيح لي - بني أثينا! - البقاء، ولكني لم أجد فيما فعلت - عاما كان أم خاصاً - عما رسمت لنفسي من جادة، فلم أنغمس فيما انغمس فيه هؤلاء الذين أشيع بين الناس أنهم تلاميذي، أو من عداهم، فلم يكن لي في حقيقة الأمر تلاميذ دائمون، إذ أبحت الحضور لكل من أراد حضوراً وأسماعاً؛ إني كنت مؤدياً رسالتي، لا فرق عندي بين شيخ وشاب، لم أتخذ شرطاً، ولم ألتمس أجراً، فكان الحوار مشاعاً لمن أنقد ومن لم ينقد، فلمن شاء أن يوجه إليّ سؤالاً، أو يجيب لي عن سؤال، أو يصغي إلى ما أقول من حديث، أما أن ينقلب أحد أولئك بعد ذلك خيراً أو شريراً، فليس عدلاً أن أحمل تهمته، لأنني لم أعلمه شيئاً. وإن زعم امرؤ أني ربما علمته أو أسمعته شيئاً في خلوة خاصة خفيت على الناس جميعاً، فاعلموا أنه إنما يزعم لكم باطلاً

فإذا سئلت: لماذا يصادف الناس من حوارك المتصل لذة ومتاعاً؟ أجبت أيها الأثينيون بالحقيقة التي أنبأتكم بها، وهي انهم يستمتعون بشهادة أدعياء الحكمة في امتحانهم، فلهم في ذلك لذة، وذاك واجب أمرني به الله، كما علمت يقيناً من الرسل والرؤى، وكل طريقة أخرى يمكن لإرادة القوة الإلهية أن تفصح بها عن نفسها لكائن من كان. أيها الأثينيون! ذلك حق، فان كان افتراء فما أهون أن تكذبوه، ولو كنت أفسد الشبان حقاً، وكنت قد أفسدت بعضهم فعلاً، لوجب أن يتصدى منهم للانتقام أولئك الذين تقدمت بهم السن، فأدركوا ما نفثت لهم في نصحي من سوء أيام الشباب، فان لم يفعلوا ذلك بأنفسهم، وجب أن ينهض ذوو قرباهم أو آباؤهم أو إخواتهم، أو من إلى هؤلاء، فيقتضيني ما أنزلت بأبنائهم من سوء، ها قد حان حينهم، وإني لأرى منهم في المحكمة كثيراً، هاهو ذا كريتون وهو يعدلني سناً، وهأنذا أرى ابنه كريتوبوليس، وذاك ليسانياس السفيطي أبو أشنينس ألمحه بين الحضور، وذاك أنتفون السيفيس أبو أبجينوس، وهؤلاء أخوة كثير ممن التفوا حولي، فهناك نيكوستراتوس ابن تيوسدوتيد وأخو تيودوتس (وقد اختار الله تيودوتس إلى جواره، فهو على أية حال لن يستطيع لي معارضة) وذلك بارالوس بن ديمودوكس، وقد كان له أخ يدعى تياجس، وأديمانتوس بن أرستون الذي أرى أخاه افلاطون بين الحاضرين، وكذلك أرى بينكم آنتودروس وهو أخو أبولودورس. ويمكنني أن أذكر غير هؤلاء كثيرين ممن كان لزاماً على مليتس أن يقدم منهم للشهادة من يشاء في سياق دعواه، ومع ذلك فادعوه الآن يستشهدهم إن كان قد فاته ذلك أولاً، وسأفسح له الطريق. سلوه هل بين هؤلاء من يشهد له فيقدمه؟ كلا أيها الأثينيون، فنقيض ذلك هو الصحيح، إذ هؤلاء لا يأبون أن يؤيدوا بالقول ذلك المتلاف الذي أفسد ذويهم - كما يسميني مليتس، وأنيتس، إني لا أستشهد الشبان الذين أفسدتهم فحسب، فقد يكون عند هؤلاء ما يحيد بهم عن الحقن ولكني أستشهد ذويهم، وهم بعيدون عن إفسادي، ويكبرون أولئك سناً، فلماذا يظاهرونني بشاهدتهم، إلا أن يكون ذلك تأييداً للحق والعدل؟ فهم يعلمون أني أقول الصدق، أما مليتس فمفتر كذاب

أيها الأثينيون! هذا وما إليه هو كل دفاعي الذي وددت أن القيه، ولكني أرجو أن أضيف إليهكلمة أخرى: قد يكون بينكم من يصب علي نقمته إذا ما ذكرت كيف استجدي الشفاعة والرحمة بعينين باكيتين في مثل هذا الموقف أو ما هو دونه خطراً، وكيف ساق أبناءه إلى المحكمة في جمع من أصدقائه وأقربائه لعله يحرك بذلك الرحمة في النفوس، ثم ينظر فلا يراني أهم بمثل ذلك، على ما يتهدد حياتي من الخطر؛ قد يطوف بذهنه هذا فيقف مني موقف العداوة، ثم يصوت وهو في سورة من الغضب لأن موقفي لا يرضيه، فان كان ذلك الرجل بينكم، ولا أحسبه كذلك، فإليه أسوق الحديث رفيقاً: أي صديقي! إنني رجل ككل الناس خلقت من لحم ودم لا من خشب وحجارة، كما يقول هومر، ولي أسرة ولي أبناء، عدادهم - أيها الأثينيون - ثلاثة، بلغ أحدهم الصبا وما يزال الآخران طفلين، ومع ذلك فلن أسوق إليكم منهم أحداً يستجديكم براءتي. ولم لا؟ لست أصدر في ذلك عن اعتداد بنفسي أو ازدراء لكم، وسواء خشيت الموت أم لم أخشه فذلك شأن آخر لن أتحدث عنه الآن، وإنما دفعني إلى ذلك عقيدة أن ذلك تصرف يضع من قدري ويحظ من شأنكم ويصم الدولة بأسرها وصمة العار، فلا يجوز لرجل قضي من العمر ما قضيت، وذاع صوته في الحكمة بحق أو بغير حق، أن يحقر من نفسه. فمهما يكن من أمر، فقد استقر رأي الناس أجمعين على أن سقراط يفضل من عداه في إحدى نواحيه، فان كان أولئك الذين يقال عنهم انهم يفضلونني حكمة وشجاعة وما شئت من فضيلة، يمتهنون أنفسهم بمثل ذاك السلوك، فوا خجلتاه مما يفعلون! فقد شهدت ناساً من ذوي الصوت الذائع يفعلون ساعة الحكم عليهم عجباً عجاباً فبدوا كأنما خيل إليهم انهم ذاهبون، إذا قضيتم عليهم بالموت، إلى حيث الرعب والجزع، كأنهم حسبوا أن لو خليتم بينهم وبين الحياةالسبيل فيسكنون من الخالدين، إنما هؤلاء في حسابي وصمة عار في جبين الدولة، ولو أبصرهم وافد غريب لا نقلب إلى أهله يروي عن أثينا أن أعلام رجالها الذين يرفعهم الأثينيون فوق الهام ويسلمونهم زمام الأمر، لا يفضلون الناس في شيء، ولا يجوز في اعتباري أن يكون ذلك من هؤلاء الذين بلغوا بيننا شأوا عظيماً، فان وقع فلا تدعوه حادثاً يمضي، ولا تأخذنكم بهم هوادة وخذوا بالشدة كل من يقف منكم هذا الموقف المتوجع، لأنه بذلك يعرض المدينة للسخرية، ولا كذلك الصابر الوديع

ودعوكم من العار، فيلوح لي أن في استرحام القاضي واستجدائه العفو في مكان إقناعه وأنبائه بالنبأ الصحيح خطلاً، فليس واجب القاضي أن يمنح العدالة منحاً، بل عليه أن يحكم حكما عادلاً، وقد أقسم أن يحكم وفق القانون، دون أن يميل مع الهوى، ولا يجوز له ولا لنا أن نتعود الحلف باطلاً، فلا أحسب في ذلك شيئاً من الورع والتقوى. فلا تريدوني إذن على أن أفعل ما أدعوه فجوراً وشيناً وخطلاً، ولا سيما وأنتم تحاكمون فيما ادعاه مليتس عني من فجور، فلو استطعت أيها الأثينيون أن أحيد بكم بالأغراء والرجاء عن قسمكم لكنت بذلك معلمكم الكفر بالآلهة، ولا نقلب دفاعي علي التهاماً بالزيغ عن الأيمان، ولكن الواقع غير هذا، فعيقدتي في الآلهة قائمة على شعور أسمى جداً مما تقوم عليه عقيدة أي من المدعين. وأنا أضع قضيتي أمامكم وأمام الله لتحكموا فيها بما هو خير لي ولكم وهنا حكم على سقراط بالموت

أيها الأثينيون! لقد قضيتم بادانتي، فلم يثر شجني هذا القضاء، وعندي لذلك أسباب كثيرة، فقد كنت أتوقع ذاك؛ ولشد ما أدهشني أن كادت تتعادل الأصوات، فقد ظننت أن فريق الأعداء لا بد أن يكون أوفر من ذلك عدداً، وإذا بكفة البراءة لو زاد مؤيدوها ثلاثين صوتاً لرجمت، أفلم أظفر بهذا على مليتس؟ بل أني لأذهب إلى ابعد من الظفر فأزعم أنه لولا أن ظاهره أنيتس وليقون لما ظفر بخمس الأصوات الذي يحتمه القانون، ولاضطر تبعاً لذلك إلى دفع غرامة قدرها ألف دراخمة، كما ترون

ولذلك يقترح أن يكون الموت جزائي، فماذا أقترح بدوري أيها الأثينيون؟ بالطبع ما أراني جديراً به. فماذا ينبغي أن أبذل من غرم أو نال من غنم؟ ماذا أنتم صانعون برجل لم يوفقه الله أبداً ليصطنع البلادة طوال أيام حياته، وأهمل ما عنيت به كثرة الناس - أعني الثروة ومصالح الأسرة والمناصب الحربية، ولم يقل في جمعية الشعب قولاً ولم يشترك في مجالس الحكام، ولم يساهم في الدسائس والأحزاب بنصيب؟ كلما فكرت أني كنت رجلاً بلغ من الشرف حداً بعيداً فسلكت من سبل الحياة ما سلكت، لم أقصد إلى حيث لا أستطيع أن اعمل خيراً لكم ولنفسي، بل التمس طريقاً أمكنتني أن اقدم لكل منكم على حدته خيراً عظيماً، وحاولت أن أحمل كل رجل بينكم على وجوب النظر إلى نفسه لينشد الفضيلة والحكمة قبل أن ينظر إلى مصالحه الخاصة، وأن يضع الدولة في اعتباره فوق مصالحها، فيكون ذلك دستوراً لأعماله جميعاً. ماذا أنتم صانعون بمثل هذا الرجل أيها الأثينيون؟ لا إخالكم إلا مجازيه خيراً أن كان لا بد من الجزاء، ويجدر بإحسانكم أن يجيء ملائما لحالته، فماذا يحسن برجل فقير احسن إليكم الصنيع، ويرغب في الفراغ ليتمكن من تعليمكم، سوى أن يضل أبداً في مجلس الدولة؛ وانه أيها الأثينيون لأجدر بهذا الجزاء ممن كوفئ في أوليمبيا في سباق الخيل أو سباق العجلات، سواء أكان يشد عجلته جوادان أو أكثر، لأنني فقير محتاج، وذاك غني عنده ما يسد منه العوز، على أنه لا يعطيكم إلا سعادة ظاهرية، إما أنا فأدلكم على الحقيقة. فإذا كان لي أن أقدر لنفسي عقوبة عادلة ما قلت بغير البقاء في مجلس الدولة جزاء أوفى

يتبع زكي نجيب محمود