مجلة الرسالة/العدد 733/من وراء المنظار

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 733/من وراء المنظار

مجلة الرسالة - العدد 733
من وراء المنظار
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 07 - 1947


ولكنني كسبت القضية!

هي قضية اعرضها عليك يا قارئي العزيز بعد أن كسبتها على حد تعبير حضرات المحامين. . .

واحب أن تعلم قبل أن أحدثك عن القضية أنني رجل لا أطيق أن أرى مخلوقا في موطن مواطن الضعف أو المذلة، ولقد يجبهني شخص بما لا أحب فافضل ذلك على أن أراه يستعطف ويبكي؛ ولقد احب من أحد تلاميذي أن يكلمني في شيء من أن يجهر لي بالقول، ولا أحب منه أن يستخزي ويضعف ويستكين. . .

ومن أراد أن يزحزحني عن شيء عقدت الشيء على ألا أتزحزح عنه، ومن أراد أن يستلب مني شيء وهو عزيز على أن كان ثمة عندي ما يستلب، فليأت إلى ثم فليتصنع الضراعة وليظهر التفجع والتوجع فانه إذ ذاك يراني تراجعت تراجعا عجيبا ثم ليجهش إجهاشه واحدة فعندئذ يراني قد سلمت تسليما. . .

وليغفر لي القارئ إسرافي هذا الحديث عن نفسي فما كنت لأفعل لولا إنه يتصل بسبب قوي من قضيتي التي أريد أن أتحدث عنها. . .

دخلت على أحد ذوي قرباى في بيته وهو ممن يشغلون أحد المناصب الكبيرة، فلمحت في وجهه من إمارات الغضب والتكره ما لم أرى مثله من قبل في هذا الوجه السمح وما كاد يراني حتى ابتدرني بقوله: ادخل هذه الحجرة فستجد سيدة مع زوجتي فأخرجها وإياك أن تبطئ أو تتهاون.

فدخلت الحجرة مندهشا، فإذا بي تلقاء سيدة في حدود الأربعين غارقة في دموعها كما يقولون، ويقطر من منديلها الدمع وتسح عيناها سحا وتجهش حتى لا تكاد تبين الكلام، والى جوارها ابنة لها في نحو الخامسة عشر حسناء رائعة لولا ذبول وصفرة في محياها ونحول في بدنها، وطفلان أحدهما في العاشرة أو فوقها قليلا والثاني طريدة في العمر، وكانت البنت تجهش لإجهاشات أمها والطفلان ينظران في دهشة وألم يمسح كبيرهما عينه بمنديله.

وعلمت أن زوج السيدة مختلس، وان التحقيق أدانه، وإن زوجته باعت حليها وأدت عنه اختلس، وإنها علمت إنه سيطرد من عمله وان قريبي هو الذي أعد مذكرة يقترح فيها الطرد؛ وأخرجت السيدة صورة طفلين آخرين من أولادها وقالت ماذا نصنع جميعاً والي أين نذهب؛ ثم أجهشت إجهاشة طويلة أستفرغت فيها كل المها ووضعت بنتها وجهها بين كفيها وشهقت شهقة طويلة.

وما وقعت والله عيناي على صورة الطفلين الصغيرين، وما سمعت بكاء الأم وبنتها حتى انخلع قلبي وأحسست بالدموع تتساقط على وجنتي ساخنة وأنا لا ادري ماذا أقول، وما أحسبك أيها القارئ إلا تحبس دمعك في جهد الآن أو لعلك تسخر مني وتضحك من ضعفي سامحك الله. . .

واستبطاني قريبي فناداني، فخرجت إليه وأنا على هذه الحال، ورحت أتوسل إليه أن يخفف العقاب، قائلا ما ذنب هؤلاء وأين تذهب هذه البنت؟ وكيف تطعم هؤلاء الصغار؟

ونظر إلي طويلا وهو يتفكر ثم قال: (ولكنه مختلس وانه يسلب حق المجتمع، أنني تلقاء اختلاس محض. . . ألم يكن يعلم هذا المختلس السافل أن له زوجة وأطفالاً؟)

وقلت ناشدك الله أن تعفيني من سماع هذا كله - ماذا يصنع هؤلاء وما جريرتهم؟

وتنهد وقال أنت لا تصلح أن تكون قاضيا. فقلت يرحمك الله ما سالت أحد أن يجعلني قاضيا، ولو أعطيت إضعاف ما أعطى أجراً على عملي ما قبلت أن أكون قاضيا ولا فقد أطلقت كل مستعطف ودفعت ما اقبض من اجر لكل باك متوسل.

وضحك قريبي وقال: لم ارفع المذكرة إلى الوزير بعد وسأقترح خصم نصف مرتبه وإنذاره بالرفت. . .

وأسرعت إلى الحجرة فما كدت أفضي إليها بهذا النبأ حتى أقبلت على تريد أن تقبل يدي، فحلت بينها وبين ذلك في رفق ثم سألتها كيف تعيش الشهر بنصف المرتب؟ فقالت (وعد إخوانه إن وصل الأمر إلى هذا أن يجمعوا له إعانة. . . ولكني لن ارضي بهذا وسوف أبيع صيوان الملابس.)

وخرجت ولست انسي أبداً نظرة الشكر في عينها وعيني بنتها، وعدت إلى قريبي فنظر إلى يسخر من ضعفي وأعاد على قوله: أنت لا تصلح أن تكون قاضيا. . وابتسمت وأجبته ولكنني كسبت القضية.

وإياك أن تسخر من ضعفي أيها القارئ، وخير ما أرجوه لك أن تكون ضعيفا مثلي وان لم تبلغ في الضعف حد البكاء.

الخفيف