مجلة الرسالة/العدد 733/كتاب مقاييس اللغة لابن فارس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 733/كتاب مقاييس اللغة لابن فارس

مجلة الرسالة - العدد 733
كتاب مقاييس اللغة لابن فارس
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 07 - 1947


للأستاذ حامد مصطفي

تكثر المخطوطات العربية في مكتبات أوربا كثرة تدعو إلى الالتفات إلى هذه الثروة العظيمة من أدب العرب وتاريخ العرب وعلوم العرب. ومهما كانت الوسائل التي اجتمعت بها هذه الثروة في خزائن الكتب الغربية فأن هناك ما يبرر الارتياح إلى انتقالها إلى تلك البلاد. ذلك أن النهضة العلمية التي قامت في أوربا على أثر اختفاء نور الحضارة العربية كانت مأخوذة بالحرص على أسباب النهضة ومقومات الثقافة فوجدت في هذه الكنوز العربية ما يغذي الحركة العلمية ويؤلف عنصراً مهماً من عناصر البحث فأقبلت عليها درساً واهتماماً وحاطتها بكل أسباب العناية والحفظ.

هذا على حين كانت العقلية العلمية في الشرق على الضد من ذلك: فتن وقلاقل وغزوات وانشغال بهذه الحوادث عن العلم والأدب والفنون، فهجر العلماء والأدباء موطنهم وفقدوا خزائن كتبهم بسبب هذه الهجرة واغتصبت منهم أحياناً فأحرقت أو رميت في الأنهار. وما أصاب خزائن الكتب الغربية لم يكن إلا بقايا هذه الكتب التي بعثرت في الأرض فأخذت أيدي الصبيان والجهلة أو استخلصت من لهيب النيران.

وربما كان أول البلاد التي فقدت ثروتها من الكتب العراق وسورية وأحسنها حظا في هذا مصر، والحوادث السياسية والاجتماعية هي التي تؤول أسباب فقر ذنيك البلدين من الثروة العلمية وحسن حظ هذه منها. على أن الأيام قد عادت بنا إلى الأمل بإمكان العثور على بعض من الكتب القيمة التي لم يكتب لها حظ الطبع والانتشار. ففي بعض المكتبات الشخصية في العراق يمكننا أن نجد مخطوطات تعد في طليعة الكتب العربية أثراً وفائدة، منها كتاب العين للخليل بن أحمد وكتاب المحيط للصاحب بن عباد، والمجمل لابن فارس وغيرها ومن بين هذه كتاب المقاييس في اللغة لابن فارس. ولابد من الكلام على شئ من سيرة أبن فارس مع الكلام على مؤلفه الذي نحن في عرض ذكره. فهو أحمد بن فارس الرازي. ينسب إلى الري. عاش في أواسط القرن الرابع الهجري ومات سنة 395 عاصر الصاحب بن عباد وابن جني وأخذ عنه بديع الزمان الهمذاني الأسلوب المعروف بأسلوب المقامات. وفي عصره ظهر مؤلفو المعاجم الأولى مثل الصاحب بن عباد صاحب المحيط والجوهري صاحب الصحاح والأزهري صاحب التهذيب. . وكان أديبا حسن الأدب والشعر ومن شعره قوله:

وقالوا كيف أنت فقلت خير ... تقضي حاجة ويفوت حاج

إذا ازدحمت هموم القلب قلنا ... عسي يوماً يكون لها انفراج

نديمي هرتي وسرور قلبي ... دفاتر لي ومعشوقي السراج

وقوله:

إذا كان يؤذيك حر الصيـ ... ف وكرب الخريف وبرد الشتا

ويلهيك حسن زمان الربيـ_ع فأخذك للعلم قل لي متى

ومن لطيف نظمه قوله:

يا دار سعدي بذات الضال من أضم ... سقاك صوب حيا من واكف العين

إني لأذكر أياماً بها ولسنا ... في كل إصباح يوم قرة العين

تدني مشعشعةً منا معتَّقة ... تسحها عذبة من نابع العين

إذا تمزّزها شيخ به طرَق ... سرت بقوتها في الساق والعين

والإبريق ملآنُ من ماء السرور فلا ... تخشى توله ما فيه من العين

وَغاب عُزّالنا عنا فلا كدر ... في عيشنا من رقيب السوء والعين

يقسم الودّ فيما بيننا قسماً ... ميزان صدق بلا بخس ولا عين

وفائض المال يغنينا بحاضره ... فنكتفي من ثقيل الدين بالعين

والمجمل المجتبي تغني فوائدُه حفاظه ... عن كتاب الجم والعين

ولست تجد شيئاً عن أبن فارس اكثر من مثل هذه الأخبار المتناثرة شانه من هذا شان كثير ممن يترجم من رجال اللغة خاصة، ومن مؤلفاته عدا كتاب المقاييس كتاب المجمل وهو اشهر كتبه، أخذه سماعا عمن تقدمه من علماء اللغة الذين يثق بهم. وكتاب متخير الألفاظ، وكتاب فقه اللغة، وكتاب الصاحبي في اللغة صنفه للصاحب بن عباد وهو مطبوع بمصر، وكتاب نقد الشعر وغيرها من الكتب المفقودة أو الموجودة في بعض المكتبات المصرية أو الأوربية. وكتاب المقاييس من أهم مؤلفات أبن فارس في اللغة. وقد ذكره له السيوطي في كتابه المزهر وياقوت في معجم الأدباء. ولم يذكره له صاحب وفيات الأعيان من المتقدمين ولا الأستاذ جرجي زيدان من المتأخرين في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية، وإنما عرض له في الجزء السابع من مؤلفه هذا في مناسبة الكلام على بعض المكتبات العربية في العراق. وكتب الأستاذ عبد القادر المغربي في مجلة المجمع العلمي العربي إنه عثر على نسخة من كتاب مقاييس وذكر أوصاف هذا الكتاب ورسمه وحجمه ولكن هذا الوصف لا يصدق على النسخة التي نكتب هذه الكلمة عنها ربما كانت النسخ التي رآها ليست كتاب المقاييس أو إنها إيجاز له. فقد قال إنها تبلغ 779 صفحة وهي بقطع دون المتوسط وخطها من النسخي الحسن الصغير الحروف وفي الصفحة الواحدة 27 سطرا. على حين أن النسخة التي نتكلم عليها تقع في 1200 صفحة من القطع الكبير في كل صفحة 27 سطرا يبلغ السطر بين 16 - 21 كلمة بخط نسخي جميل.

وفيما يلي فاتحة الكتاب وخاتمته لتمتاز بهما النسخة الحقيقة كم هذا الكتاب الجليل:

بسم الله الرحمن الرحيم

(الحمد لله وبه نستعين. وصلى الله على محمد وآله أجمعين. أقول وبالله التوفيق. للغة العرب مقاييس صحيحة وأصول تتفرع منها فروع. وقد ألف الناس في جوامع اللفظ ما ألفوا ولم يعربوا في شئ من ذلك عن مقاييس ولا اصل من تلك الأصول والذي أومأنا إليه باب من العلم جليل وله خطر عظيم. وقد صدرنا كل اصل بأصله الذي يتفرع منه مسائل حتى تكون الجملة الموجزة شاملة للتفصيل ويكون المجيب عما يسال عنه مجيبا عن الباب المبسوط بأوجز لفظ وأقربه. وبناء الأمر في سائر ما ذكرناه على كتب مشتهرة عالية تحوي اكثر اللغة. فاعلاها وأشرفها كتاب أبي عبد الرحمن بن احمد المسمى كتاب العين.

اخبرنا به علي بن إبراهيم القطان بعد أن قرأ عليه قراءة. وقال حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم المدني عن أبيه إبراهيم بن إسحاق عن ميدان بن كبرة الأصبهاني ومعروف بن حسان عن الليث. ومنها كتابا أبن عبيد في غريب الحديث ومصنف الغريب حدثنا علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد. ومنها كتاب المنطق. اخبرني به أبي ووالدي فارس بن زكريا عن أبي نصر أبن أخت الليث بن إدريس عن الليث عن أبن السكيت. ومنها كتاب أبي بن دريد صاحب الجمهرة. أخبرنا به أبو بكر محمد بن أحمد الأصفهاني علي بن أحمد المساوى عن أبي بكر. فهذه الكتب الخمسة معتمدنا فيها. ومنها استنبطنا كتابنا هذا المقاييس اللغة وما بعد هذه الكتب فمحمول عليها وراجع إليها حتى إذا وقفنا على شيء فيها نسبناه إلى قائله أن شاء الله فول ذلك كتاب الهمزة 220 وخاتمة الكتاب تنتهي هكذا:

(قال الشيخ الإمام الأجل السعيد أبو الحسين أحمد بن فارس واجزل له الثواب. قد ذكرنا ما شرطنا في صدر الكتاب أن نذكره وهو صدر من اللغة صالح فأما الإحاطة بجميع كلام العرب مما لا يقدر عليه إلا الله تعالي أو نبي من أنبيائه عليهم السلام بوحي الله تعالي وعز إليه. . . والحمد لله أولاً وأخراً وباطناً وظاهراً والصلاة والسلام على رسوله محمد واله الطيبين الطاهرين أجمعين والحمد لله رب العالمين. تم على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى رحمة ربه الغني خليفة بن يوسف النجفي في يوم الجمعة 18 رجب المرجب من شهور سنة 1117 (كذا) وألف 22.

والطريقة التي اتبعها أبن فارس في تأليف هذا الكتاب الطريقة الأبجدية وذلك أن المؤلف أراد أن يتجنب العيوب التي تتعرض لها الخليل في ترتيب كتاب العين ووقع معه فيها اكثر مؤلفي المعاجم اللغوية حتى ظهور الصحاح للجوهري. مثل الهروى وأبي عمرو الشيباني في كتابي الجيم والجمهرة لابن دريد والأزهري في التهذيب وأبن سيده في كتابه المحكم.

والترتيب الذي اتبعه أبن فارس في المقاييس هو الترتيب الأبجدي الذي يلتزم أحداث كتب بعدد الحروف الأبجدية ثم إنشاء أبواب تحتها بعدد هذه الحروف ناقصا ما سبق منها ترتيبه، ترتب الكلمات فيها على الأصل الثلاثي بحسب ترتيبها الهجائي، ينقص من هذه الأبواب بطبيعة الحال مالا وجود له من الأصول في اللغة ومما لا يراه المؤلف صحيحا (وقد شرطنا في أول كتابنا هذا أن لا نقيس إلا الكلام الصحيح). مثال ذلك كتاب الهمزة. فانه يبدؤه بالهمزة ومضاعف ما بعدها وهو الباء مثل الأب وأت وأث وأج وأح حتى يستوفي جميع الحروف، ثم يحدث بابا للثلاثي الذي أوله همزة مثل أبت وأبث وأبد وأبر. . الخ وبابا للثلاثي الذي أوله الهمزة والتاء وما يثلثهما مثل أتل وأتم. الخ وبابا ثالثا الذي أوله الهمزة والثاء والراء وما يثلثهما مثل أثر وأثل وأثم وأثن وأثوي. وبابا للثلاثي الذي أوله الهمزة والجيم وما يثلثهما مثل أجح وأجد وأجر وأجص وأجل. . . الخ وهكذا يجري المؤلف حتى يستوفي حرف الهمزة وما يكمل معه الأصل الثلاثي متبوعا بغيره. وبعد أن يفرغ من باب الهمزة ينشئ كتاب الباء ويستوفيه على النحو الذي استوفي فيه كتاب الهمزة. وكذلك يفعل حتى يأتي على عدد من الكتب بعدد حروف الأبجدية متروكا منها ما لا اصل له في اللغة. والطريقة التي يسلكها في شرح الألفاظ هي الطريقة القاموسية التي تعطي لكل لفظ ما له من معني مع شئ من الشواهد وتصنيف المعاني ما وجد إلى التصنيف سبيلا. وبذلك فهو يجمع بين طريقة المعجم الخالصة وطريقة فقه اللغة. مثال على ذل قوله في أول كتاب الباء بت. الباء والتاء له وجهان واصلان أحدهما القطع والآخر الضرب من اللباس. فأما الأول فقالوا البت القطع المستأصل، يقال بتت الحبل وابتت. ويقال أعطيته هذه القطعة بتاً بتا وألبتة اشتقاقه من القطع غير إنه مستعمل في كل أمر يمضي ولا يرجع فيه. يقال انقطع فلان عن فلان فابتت وانقبض، قال شعر

فحل في جشم وابتت منقبضاً ... بحبله من ذري الغر القطاريف

قال الخليل أبت فلان طلاق فلانة أي طلاقاً باتاً. . الخ

وكذلك كلما جاء على اصل من الحروف تتبع له أصوله وان لم يجد له أصلا أو لم يره نبه على ذلك بمثل قوله: بخ الباء والخاء قد روي فيه كلام ليس أصلاً يقاس عليه وما أراه عربيا وهو قولهم عند مدح الشيء بخ وبخبخ فلان إذا قال ذلك مكررا له. وإذا شذ عن الأصل لفظ عرف بهذا الشذوذ بمثل قوله: وقد شذ عن هذا الأصل كلمتان: قولهم للرجل العظيم الخلق ابد. قال شعر: ألد يمشي مشية الأبد.

حامد مصطفي

عضو في مجلس التمييز الشرعي