مجلة الرسالة/العدد 732/هذه الألفاظ الأثرية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 732/هذه الألفاظ الأثرية

مجلة الرسالة - العدد 732
هذه الألفاظ الأثرية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 07 - 1947


للأستاذ أحمد رضا

تحت هذا العنوان كتب (الجاحظ) في مجلة الرسالة الغراء كلمة وصف بها ما اخترته من الأسماء للمعاني المستحدثة الطارئة. فقال إنها ألفاظ أثرية مجفوة ميتة، ولم أهتد إلى وجهة نظره في توجيه هذا النعت.

الآن هذا المختار غير مألوف في الذوق عنده أو عند أدباء هذا الدور من هذا العصر؟؟ ولماذا؟ والألفة الذوقية وحدها لا تكون ميزاناً للوضع والاختيار، وإلا لما كان من حاجة إلى الوضع، ولا سيما إذ كانت الكلمات المختارة فصيحة في أصلها جارية على ألسنة الفصحاء زمن ازدهار اللغة ونموها.

وربما كان المألوف لك عامياً صرفاً أو أعجمياً، فهل تفضله لمجرد الألفة وأنس الذوق به على الصحيح الفصيح لأنه غير مألوف؟ والألفة وأنس النفس إنما يكونان بطول الصحبة وكثرة المزاولة فحيث تكون كانتا.

أو لأن هذا المختار ألفاظا نابية في السمع لتعقد تراكيبها، وسماجة لفظها، وتنافر حروفها؟ ولست أشعر بشيء من ذلك فيما اخترته ولا نبه الناقد إليه.

انتقد (الدرمك) للدقيق المحور وهو لفظ فصيح استعمله فصحاء العرب بل جاء في كلام أفصح من نطق الضاد، فقد قال صلوات الله عليه في وصف الجنة (وتربتها الدَرْمَك) وفسره ابن الأثير في النهاية بالدقيق الحوَّاري.

وأنكر (الدّغْري) للحرب المفاجئة. وقد وردت في كلام فصحاء العرب من غير استغراب ولا استهجان ولا نكير (قالت امرأة من العرب لولدها: إذا رأت العين العين فدغرى ولا صفّي) تقول إذا رأيتم عدوكم فادغروا عليهم أي اقتحموا بغتة واحملوا ولا تصافُّوهم (كما في اللسان والأساس والتاج).

ثم هل ترى في مادة (د غ ر) أو تركيب دغر شيئاً من تنافر الحروف ونبوّ المخارج أو ما ينفر منه السمع، وهل فرق بينها وبين مثيلاتها كالدغم والرغم والوغم الوغر والرغد، فهل رأيت أحداً يشكو منها، أو يتأفف من مكانها في اللغة؟ أنكر إطلاق (الدَلَق) على ثوب القضاة والمحامين، والدلق دويبة كالسمّور تتخذ جلودها للفراء، واستعير لثوب القضاة لأن يعلّم به، قال في صبح الأعشى: الدلق ثوب متسع الأكمام طويلها، مفتوح فوق كتفيه بغير تفريج، سائل على القدمين، يلبسها القضاة في الدولة الأيوبية، وهذا الذي أطلقناه على الروب.

فما ينكر من هذه الكلمة؟ وهل مثلها إلا مثل الفلق والأرق والعلق والدمث في هذا الشأن، أو ليست هي أولى بالاستعمال (وإن كانت معربة في الأصل عن الفارسية) من الروب من حيث أن قدماءنا استعملوها ونحن نجري مجراهم؟

وتنكر للربِيذة وهي في كتب الأئمة قمطر السجلات (أي المحاضر) وقد كان مجمع نادي العلوم في مصر وضع لها (الملف) ولكنني اخترت الربيذة لأنها أخص بالدلالة على المراد، فهل الدوسيه الأعجمية خير منهما، وهل التجافي عنهما وعن أمثالهما واللجوء إلى الكلمات الأعجمية الغريبة عن لغتنا، يبلغ بنا الآمال في تهذيب لغتنا، وتطهيرها من الأدران.

وجئت بالكِنْف لجزدان الطبيب، وقد استعمله الراعي العربي في أداته التي يضع فيها مبراته ومقصه، والصائغ لأدواته، والتاجر للخفيف من متاعه، وها أنا أريده هنا لمقص الطبيب وسكينه وملقطه وقطنه، فأي محذور في ذلك سوى أن ذهن منتقدي الفاضل ولسانه لم يألفه مع أنه كلمة مفردة ثلاثية ساكنة الوسط وحروفها معدودة من الدرجة الأولى في استعمال حروف الهجاء العربية.

وانتقد إطلاق الشوذر والعلق على القميص بلا كمين، وقد نص الأئمة على أن الشوذر برد يشق ثم تلقيه المرأة في عنقها من غير كمين ولا جيب، وأن العلقة قميص بلا كمين، أفلا تكون إحدى اللفظتين خيراً من الشورت التي هي غريبة عنا وعن لغتنا؟

وكذلك القنع للطبق الذي توضع فيه الفاكهة على الموائد، (وقد أقره المجمع العلمي العربي الدمشقي واختاره على القناع لتقليل الاشتراك) وجاء في الحديث أتيته بقناع من رطب، قال في النهاية ويقال القنع بالكسر والضم، وقال الأئمة القنع الطبق من عُسُب النخل تجعل عليه الفاكهة.

وقد كنت عارضت بعض ما وضعه مجمع اللغة العربية بمصر في الأوضاع العامة بعد أن فسح المجال مدة سنة لمن يريد ذلك من الباحثين في اللغة، فاخترت مثلا الطِرْز وزان علم على الطَزَر وزان قلم للبيت الصيفي (الفيلا) والجناح مكان الشقة، والحيفة موضع البراءة وكلمات أخر، فرد على فيها اللغوي النحرير الأب أنستاس الكرملي، وناقشني غيره فيها وفي غيرها نقاشاً لم يكن اعتباطاً بل كان مستنداً إلى الحجة والرهان وحبذا مثل هذا الجدال الذي يمحص الحقائق ويرشد إلى الصواب. وأرى في مزيد إيضاح لهذا البحث:

إن كل عربي غيور على أمته ولغته ينظر ما آل إليه أمر اللغة الفصحى في العصور المتأخرة حتى أواخر القرن الثالث عشر يجدها قد انهزمت انهزاماً مؤلماً أمام طغيان اللغة العامية المستعجمة منذ استولى سلطان الأعاجم على الدولة وملكوا قيادها. وإنما الرعية على دين ملوكها. حتى تعدى ذلك إلى المؤلفين من هاتيك العصور فتجد في النجوم الزاهرة مثل قوله (وعندما يعزلونه من الوزارة يصبح يأخذ غلامه الحرمدان ويرح يعقد في ديوان الإنشاء) ونجد في نشوار المحاضرة، من الكلمات الطارئة الأعجمية التي حلت محل مرادفاتها من الفصيح ما تنوسى معه الفصيح ولم يبق مألوفاً، كالدقدان والكردناج والشامرغ والسكردان وغير ذلك ثم ما نرجو من زمن أو دولة زمامها بيد طرنطاي ومنكوتمر أن تنهض باللغة وتطهرها من مثل هذا الفساد وترجعها إلى ما كان عليه أو لها من بلاغة في الأسلوب، وفصاحة في الكلمات وعذوبة في اللفظ، ورشاقة في المعنى.

آلم ذلك الكرام البررة أهل الغيرة على لغة الكتاب والسنة، لغة البيان والبلاغة التي خص الله بها هذه الأمة النجيبة فكانت مفخرة من مفاخرها، وآية في إعجازها وإيجازها وبراعة أسلوبها، آلمهم ذلك وهم يرونها في هزيمة شنعاء أمام هذه اللغة الفاسدة الفائلة فحاولوا تطيرها من هذه الأدران، وكانت محاولتهم تعلو وتنحط وتذكر وتخبو ثم تتراجع بتأثير الزمان والمكان والأحوال الطارئة، إلى أن قيض لها ثلة من الأبرار الأطهار من رجال مصر في أخريات القرن الهجري الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر للهجرة، ودعا المرحوم عبد الله فكري في سنة 1881إلى إنشاء مجمع لغوي فحالت دونه الثورة العرابية، ثم دعا إليه ثانية في سنة 1893 فلبى دعوته العلماء البررة كالشيخ محمد عبدة والشنقيطي والمويلحي وفتح الله وحفني ناصف فلم يوفقوا كل التوفيق، وقام نادي دار العلوم بالعبء، حتى التأم السعي بنشاط الدولة المصرية لهذا الأمر، فتألف مجمع اللغة العربية بمصر، ونشطت قبل ذلك الحكومة الفيصلية بالشام، فكان المجمع العلمي العربي، وشعرت اللغة العربية منذ سرت هذه الروح الطيبة في علماء سائر الأقطار العربية وعلى الأخص مصر والشام بانتعاش سيرجع بها إلى سيرتها الأولى إن شاء الله لولا ما يعترض ذلك من تفنن بعض أدبائنا وتعلقهم بالأساليب الأجنبية التي لا تتمشى مع استقلال اللغة ومميزاتها القومية الخاصة، ولست أعني بذلك أننا نجمد على القديم، بل علينا أن نماشي التطور الذي لا يدفع بنا إلى نكران ميراثنا، بل يعيننا على تحسينه وتهذيبه بما لا يذهب بمقوماته وخصائصه، وهل يتم لنا ذلك ما لم نتقن لغتنا وخصائصها، بياناً وأسلوباً، ونعرف ما كان عليه قومنا الأولون في نهضتهم الأولى ونجري على سننهم.

نعم إن اللغة العربية غنية بمادتها بحيث تكفي ألفاظها لكل معنى مستحدث وفي كل غرض جديد، كما يقول المنتقد الفاضل، فهل اختيار الأسماء لهذه الطوارئ المستحدثة يؤثر في أصل معناها المراد، وإلام يرجع الناشد لهذا في اختياره؟ أإلى الكلمات القديمة التي استعملت زمن العرب، وفي العصور الأولى، عصور النهضة وقد نعى ذلك المنتقد الفاضل علينا وضرب لها مثلا بالدرهم والدنانير المضروبة زمن هارون الرشيد؟ أو نصوغ لها ألفاظاً جديدة تكون من ضرب هذا العصر وليست من لغة القواميس العتيقة؟

وهل ضرب الدينار العراقي اليوم كون اسمه ديناراً لأن الموضوع له حديث والاسم قديم من ضرب زمن الرشيد؟

نعم، إن على من يعنى بهذا الأمر، وهو من أهله، إذا سنح له الاختيار، أن يختار الأخف الأعذب من الكلمات العربية التي هي أقرب في معناها الأول الذي وردت به عن العرب إلى معناها المستحدث، الذي يراد وضعها له. فإذا أغلق عليه ذلك، ولم يوفق له، انتحى ناحية النحت والاشتقاق والتعريف في الوضع، ولا يتعدى في ذلك كله طريقة الاقتراح، فلا يبت في شيء ما لم يقره أحد المجامع اللغوية، التي لها القول الفصل، فأن خرج عن هذا وعمل كل أديب أو من يشدو شيئاً من الأدب على ذوقه كانت هي الفوضى وأشكل الأمر، والله الموفق للصواب.

النبطية: جبل عامل (لبنان)

أحمد رضا

عضو المجمع العلمي العربي بدمشق