مجلة الرسالة/العدد 732/من وراء المنظار

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 732/من وراء المنظار

مجلة الرسالة - العدد 732
من وراء المنظار
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 14 - 07 - 1947


طلاب لهو وطلاب قوت وطلاب موت

كل أولئك رأيتهم في ليلة واحدة وفي شارع واحدة لعله أكبر وأحفل شوارع عاصمتنا، وكل أولئك قل أن يخلو منهم شارع من الشوارع الكبيرة في عاصمتنا العظيمة. . .

أما طلاب اللهو فهم أنماط حسب ما يبتغي كل لنفسه مما يلهو به أو يزجي به فراغه، وأكثرهم بادون للأعين في غير حاجة إلى منظار فالشوارع بهم مكتظة، ومنهم فريق هم طلاب اللهو الخفي والعياذ بالله لا يكاد يتبينهم المنظار حتى يرتد عنهم فراراً أو يختفوا هم عنه. . .

وأما طلاب القوت فهم كذلك طوائف وأنماط من الخلق، ولكن دع عنك أصحاب الملاهي والمتاجر، فهؤلاء في الحق طلاب ذهب لا طلاب قوت. . .

وإنما أعني بطلاب القوت أولئك الذين (يسرعون) من بنين وبنات وفتيان وكهول بأوراق (اليانصيب) أو بالصحف أو بصناديق مسح الأحذية أو بصناديق الحلوى أو أدوات الحلاقة أو السجائر أو غيرها؛ ثم أولئك الذين لا تجد في أيديهم شيئاً من هذا وتراهم يتساقطون على الموائد تساقط الذباب، أو يقعون على مقربة منها إقعاء القطط وغير القطط من الدواب ينتظرون لقمة أو يفتشون في قمامة أو يلتقطون ما يلقى من أعقاب السجائر. . .

وطلاب القوت هؤلاء وبخاصة من يطلبونه بغير عمل قذى في العيون بأسمالهم وأذى للنفوس بألفاظهم ومعاركهم وصخبهم. . .

ولكن أكبر ظني أن ولاة الأمر قد اقتنعوا أنهم زينة ينقص بغيرهم جمال العاصمة نقصاناً كبيراً، أو لعلهم أيقنوا أنهم باتوا بحق من ميراثنا القومي ومن تقاليدنا الأهلية، فلو خلت الشوارع منهم بمعجزة من المعجزات لبثت الحكومة عيونها وأرصدت أعوانها حتى يأتوا بهم طائعين فيعود للعاصمة جمالها الذي غاضت بشاشته ورونقها الذي انطفأت بهجته. . . وأما طلاب الموت فأحسب ذهنك أيها القارئ قد وثب إلى أولئك الجنود الذين كانوا يدبون بالعاصمة كالجراد المنتشر، ولكني لست أقصد هؤلاء فقد أراحنا الله سبحانه من عفاريتهم الحمر والسمر والسود إلى غير رجعة إن شاء الله. . .

وإنما طلاب الموت هم أولئك العظام الملقاة على طواري الشارع، والذين يعدون في الأحياء وهم من الموتى لولا أنفاس ضئيلة في صدورهم تتردد. . .

رأيت خمسة من هؤلاء على مسافات متقاربة، أما أولهم فقد تكور في ثيابه كالقنفذ وبجانبه زجاجة لعله كان يدور بها في نهاره على المستشفيات وتحسبه في الثمانين وقد لا يزيد عن الأربعين.

وأما ثانيهم فغلام في نحو الخامسة عشرة بسط إحدى ذراعيه على الأرض ووضع الثانية على بطنه، حيث موضع الألم أو موضع الجوع وفي وجهه الذابل المتجه إلى السماء صفرة الموت وفي ساقيه أو في عظمتيه الممدودتين فقاقيع حمراء مخيفة تشيع في صفرتها، ولقد حسبت أنه لن يرى وجه النهار. . .

وأما ثالثهم فكهل ضرير ناحل البدن، خائر القوة تدور حول صدغيه من أسفل ذقنه إلى قمة رأسه لفائف بيضاء تحتها قطع من القطن، ولعله قدم بها من إحدى (العيادات الخارجية) واستلقى هنا يطلب الراحة لبدنه بالموت. . .

وأما رابعهم فشيخ تدل لحيته البيضاء ويداه المعروقتان وجبينه المغضن على أنه جاوز السبعين، وقد ألقى عصاه بجانبه ووضع تحت رأسه بعض العلب من الصفيح لعله كان يلعق ما ترك فيها من طعام.

وأما خامسهم فقد آلمني مرآه أكثر مما فعل مرآي سابقيه جميعاً فهو مقطوع اليدين والرجلين كأنه بقية تمثال قديم، ولست أدري كيف يتحرك المسكين وكيف يأكل إن وجد ثمة من أكل!.

وقلت لصاحبي، وقد زفرت زفرة طويلة أيرى الناس هؤلاء كما أرى؟ فضحك وليس المجال مجال ضحك وقال أف لمنظارك، فأجبته بل أف لهؤلاء الذين يملئون الصحف بأسماء المؤسسات والمبرات، والذين يتكلمون كثيراً عن أوجه الإصلاح وأنماط المشروعات. . .

ومضيت وأنا أسال نفسي في أي بلد من بلاد العالم يجتمع فيه شارع واحد بين اللاعبين بالذهب وبين الذين يعيشون كما تعيش الكلاب والقطط، والذين يطلبون الموت فلا يظفرون حتى بالموت؟. . .

الخفيف