مجلة الرسالة/العدد 725/من صور المجتمع المصري:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 725/من صور المجتمع المصري:

مجلة الرسالة - العدد 725
من صور المجتمع المصري:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 26 - 05 - 1947


عرس في مأتم

للأستاذ علي الجندي

كانت الجنازة تسير في خطى وئيدة إلى مدينة الأموات! وفي أذيالها نوائح متشحات بالسواد، يتبارين في شق الجيوب ولطم الخدود! ومن بينهن فتاة في طراءة السن، بيضاء اللون، فاحمة الذوائب، ساجية العينين، مخطفة الخصر، تتأطر في مشيتها وتبالغ في الإرنان والنحيب! وتحيل على وجنتيها باللطم فيكاد يبض منهما الدم! حتى شق ذلك على صواحبها فقلن لها: ارحمي شبابك يا (جمل).

وقد كنت أظن بادئ النظر أنها تصدر في ذلك عن كبد حرى وفؤاد مقروح، ولكني رأيتها في سر من رفيقاتها تثني سالفتها، وتخزر عينيها، وتقتر عن بسمات الذل والإغراء! فأيقنت أن هذا الدمع زيف، وأن ذلك الحزن مصنوع لا مطبوع! يا للمافرقات العجيبة!!

قطعة زاخرة من الحياة تدلف في ركاب الموت! ونغم حلو شهي يرتفع بين النشيج والعويل! وبسمة وضيئة ترف على عبوس الأحزان!!

لقد استطاعت هذه الحسناء اللعوب أن تذهل الناس عن جلال الموت! ولكنها استطاعت كذلك ان تصلهم بالصانع الحكيم الذي أبدع هذه الدمى الفاتنة فادقها وأجلها!

وقد أوحى إلي هذا المشهد الفريد هذه الأبيات ولكن اشهد أن ما بقي في نفسي من ذلك أعظم وأجل!!

لا تنوحي كما ينوح النساءُ ... أنتِ نور، وهن طين وماء

أنتِ عرس تطغى على المأتم الصا ... خب منه الأنغام والأضواء

أنتِ تحت الخشوع في موكب المو ... ت دلال، وفِتنة شعواء

أنتِ بين النحيب، واللوعة الحرى م ... نعيم، وبهجة، وصفاء

أنت بين الأحزان، والألم المش ... بوب زهر، وخمرة، وغناء

اتقي الله في خدودِك، فالور ... د من اللطم جذوة حمراء

اتقي الله في عيونِك فالنر ... جس أَدمت أجفانه الأنداء

وبلاءٌ أن يذبل النرجس الغض م ... ويلهو بوردتيك الفناء كيف تأسى مَن وجهها في الأسى المب ... رح روْح، وسلوة، وعزاء

كيف تبكي من ثغرها لمعة الب ... شر إذا جدَّ بالحزين البكاء

لا تقولي: أبكي رياءً، فما يح ... سن من حسنك البريء الرياء

لا تقولي: هي المدارة، فالنا ... س جميعاً - إذا سلمت - هباء

ما عهدنا أن يخمش (البدر) خدي ... ة وأن تسكب الدموع (ذكاء)

جلّتِ الصنعة العلية أن يُلْ ... طم وجه يشع منه الضياء

فابسمي للحياة، فالحسن بسا ... م، وقبح أن تَعْبِس الحسناء

وامرحي في الشباب فالفطرة البي ... ضاء تأبى أن تستكين الظباء

أي نعشٍ سارت تشيعه الشم ... س وتسعى وراءه الجوزاء

شغل الحامليه ظبي رخيم ... لاعب بالعقول كيف يشاء

قد ضمنا أن ينزل (الخلد) ميت ... لمست عود نعشه (حوْراء)

كيف لم تعبق الجنازة مسكا ... من شذاها، وتورق (الحدباء)

حسبكِ الله! قد نسينا بك المو ... ت، وللموت حولنا ضوضاء

بين سود الثياب، والفاحم الفي ... نان وجه، له الوجوه فداء

عجب الناس أن يروا في الضحا الما_تع بدراً تحفه ظلماء

ومهاةً تحت الأسَى تتثنى ... خوط بانٍ تهزه النكباء

كلما ماس عطفها انسدل الشعر م ... فغطى على الصباح المساء

وتنزَّت رمانتان من العا ... ج، وماجت حقيبة بجراء

ترسل الصوت كالبغام، وترنو ... بعيون، تفتيرها صهباء

وتندى خدودها عبرات ... تصف الحزن، وهي منه براء

تصنع الدمع صنعها الدَّلَّ، والتم ... ثيل فن تجيده (حواء)

وهي حيناً تجلو جُمَانَ لِثات ... تتمنى سلافها الندماء

بسمات بين الدموع كما افترت م ... عن البرق مزنة وطفاء

كل شيء فيها يناديك أن تخ ... لع ثوب الوقار حتى البكاء

ومن الغانيات مَنْ كلها فن م ... أنيق، وكلها إغراء ما عليها لو حجَّبَت ناظريها ... فاستراحت من الجوى الأبرياء

دينها الفتك! لا السوابغ خرز ... - من ظباها - ولا التروس وقاء

سمت طرفي الإغضاء عنها، فعاصا ... ني، وصعب عن مثلها الإغضاء

ليت شعري ما رابني من جمال ... هو لله حجة بيضاء

رب حسن هدى إلى خالق الحس - ن حيارى لم يهدهم أنبياء

ودعاء باسم الملاحة يزجي ... قد تلقته بالقبول السماء

شقي الناس بالجمال، ويشقى ... - تحت ظل السعادة - الأغنياء

ليت من أشعلوا البسيطة ناراً ... عرفوه، فلم يصبنا البلاء

لو دَرَوْا سِرَّه أظلهمو السلم م ... ورفَّت عليهمو النعماء

علي الجندي