مجلة الرسالة/العدد 724/إلى طلبة التوجيهية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 724/إلى طلبة التوجيهية

مجلة الرسالة - العدد 724
إلى طلبة التوجيهية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 05 - 1947


شاعران في المنفى

للأستاذ أحمد محمد الحوفي

(تتمة ما نشر في العددين السابقين)

- 3 -

شوقي أثرى صوراً، واطرف خيالا، وأبرع معنى، فنحن لا نجد في معاني البارودي مبتكراً مستحدثاً، وإنما هي معاني شائعة سبق بها، وطالما كررها في شعره وهو بسرنديب.

ونزعته إلى محاكاة الأقدمين غالبة على تصوره ومعانيه، حتى أن بعضها لا يلائم العصر الذي عاش فيه كالدعاء للمنزل بالسقيا، وهو دعاء يلائم الصحراء حيث الجفاف وندرة الإمطار، وبأن تهب عليه ريح الصبا، وهي ريح كان يستطيبها أهل الحجاز لأنها تهب لطيفة من الشرق، وطالما تغنى بها الشعراء، ولكن ريح الشرق في مصر سموم ورمال، ومثل تعبيره عن مصر سموم ورمال، ومثل تعبيره عن مصر بوادي الأراك من شجرها، وذكره شجرة الرند وليست من نباتها، وتقديره إطراب شعره بأنه ألذ من الحداء وقد انقضى زمن الحداء ونعم الناس منذ زمن بعيد بالموسيقى والغناء، وفي بعض معانيه ضعف مثل قوله لسيفه:

أقول له والجفن يكسو نجاده ... دموعاً كمرفَضِّ اُلجمان من العقد

فليس في تشبيه دموعه بحبات اللؤلؤ براعة، لأن هذا التشبيه يستجاد من شاعر يشبه دمع محبوبته قاصداً الجمال والنفاسة، ولكن البارودي في حال باك حزين لا يلائمه إلا تصوير الدموعبأنها حارة تكوي، أو غزيرة لا تنقطع كما صور شوقي، على أن البكاء ليس من مفاخر الرجال. وفي خياله تناقض مثل شكواه من الوحدة وانه لا يرى صديقا بعد عدت أبيات من تقريره أن العائدات يعدنه ويعطفن عليه.

ولكنا نجد في صور شوقي ومعانيه ما يهز النفس، كتصويره حال الطائر الغريب اللهفان إلى وطنه، الظمآن إلى مائه يجرر ساقيه وذيله باحثا عن دواء، وكتصويره حال مصر نفته مرغمة وهي تحبه وتود سلامته وتأمل عودته بحال أمموسى ألقته في اليم وامقت به مسلم أمرها وأمره لله ذي الرحمة، ضارعة إليه أن يكلأه بعنايته، وكطلبه من المطر أن ينزل بردا وسلاما في نغم رتيب وإيقاع عجيب، وكوصفه للأهرام هذا الوصف البارع.

على أن قصيدته لم تخل من تراكيب قليلة متأثرة بالتصوير القديم مثل قوله للبرق:

بالله إن جبت ظلماء العباب على ... نجائب النور محدودا بجبرينا

يقصد بنجائب النور المشبه للنوق المسرعة، وليس هذا بشيء.

ومثل قوله: (ريش الفراق لنا سهماً) وليس السهم المريش ولا غير المريش من أدوات القتال في العالم المتحضر.

- 4 -

أجاد شوقي في اختيار المفردات وصوغ التراكيب إجادة أشاعت في القصيدة موسيقى ورنيناً، وأجاد اختيار القافية نونا بعدها ألف لينة تلائم الحنين والألم، وأجاد البارودي في انتقاء كلماته، وجنح إلى الجزالة والفخامة وإن حرمت قصيدته موسيقية شوقي، على أنه استعمل كلمات مبهمة المعنى مثل (لا يعيد ولا يبدي).

- 5 -

وبعد فكل من القصيدتين مرآة لنفس قائلها، تتجلى في قصيدة البارودي صرامته وشجاعته وجنديته واعتداده بنفسه وبآبائه المماليك، وولعه بمحاكاة الأقدمين في أساليبهم ومعانيهم وأخيلتهم.

وتتجلى في قصيدة شوقي ثقافته التاريخية، وحبه لمصر، واعتزازه بماضيها المجيد، وفخره بماضي العرب، وتغنيه بجمال الطبيعة في مصر، وكلفة بموسقة أسلوبه وابتداع معانيه وافتنان خياله.

على أن قصيدة شوقي خير من قصيدة البارودي فيما اتفقنا فيه من أغراض، ومتفردة ببعض أغراض، وإذا كان شوقي قد تتلمذ للبارودي فقد بزه، وما اهنأ للأستاذ أن يفوقه تلميذه.

أحمد محمد الحوفي

المدرس بالسعيدية الثانوية