مجلة الرسالة/العدد 691/مدارس للسخط. . .؟!

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 691/مدارس للسخط. . .؟!

مجلة الرسالة - العدد 691
مدارس للسخط. . .؟!
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 30 - 09 - 1946


للأستاذ سيد قطب

قال لي صاحبي: أما تفتأ هكذا ساخطا على جميع المظاهر والأوضاع؟ أرح أعصابك يا أخي، ودع الخلق للخالق. انه لا فائدة. لا فائدة من كل هذه الصرخات!!!

قلت لصاحبي: أما أنا فسأظل ساخطا، أعلن سخطي على كل شائه من المظاهر والأوضاع. ولن أدع الخلق للخالق، لان الخالق هو الذي يقول: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون) ويصف قوما ضعفوا واضمحلوا فيقول عن سبب الاضمحلال: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون!) وأما انه لا فائدة هناك، فأنا لست يائسا ولا متشائما، واعتقادي الكامل إن هذا الكون الوسيع لا يضيع صوتا واحدا ينطلق فيه بدعوة الحق، ولا بد أن يردد صدى هذا الصوت في يوم من الأيام، طالت أو قصرت به الأعوام.

وقلت لصاحبي: إنه لو وكل إليّ الأمر لأنشأت ضعف هذه المدارس التي تنشئها الدولة لأعلّم فيها هذا الشعب شيئا واحدا هو السخط! السخط على الأوضاع والمظاهر الشائهة التي تسيطر على حياة هذا الجيل في كل اتجاه. فالسخط هو دليل الحيوية الكامنة، والرضى بهذه الحال المائلة هو نوع من اليأس والتشاؤم يقتل الأمم أو يؤدي بها إلى الاضمحلال.

أجل، لو وكل إليّ الأمر لأنشأت مدرسة للسخط على هذا الجيل من رجال السياسة في هذا البلد، أولئك الذين يتخاصمون فيتشاتمون، ويتهم بعضهم بعضا بكل كبيرة: بالخيانة. بالرشوة. بفساد الذمة. . . إلى آخر هذه الجعبة من الشتائم والتهم النكراء، حتى إذا ارتفعت لهم تلك العصا السحرية، عصا دار الحماية التي هي دار السفارة، أو دار السفارة التي هي دار الحماية، نسوا كل ما قيل، واتحدوا وائتلفوا، وصافح بعضهم البعض، وابتسم بعضهم لبعض، وأثنى بعضهم على بعض، والشعب ينظر ويعجب: أما أن يكون الجميع كاذبين في الماضي، أما أن يكون الجميع كاذبين في الحاضر، وهم في كل الأحوال لا يؤمنون على مصير هذا الوطن، وتلك ذممهم وهذه ضمائرهم. . . كلهم جميعا بدون استثناء!

ومدرسة للسخط على أولئك الكتاب والصحفيين، الذين يقال عنهم انهم قادة الرأي في البلاد، وانهم أباء الشعب الروحيين، أولئك الذين يسخرون أقلامهم وذممهم وضمائرهم لهذا الجيل من الساسة، فيضربون بأقلامهم ذات اليمين وذات الشمال، وينهشون سمعة هذا السياسي أو ذاك، ثم يعودون فيبيضون ما سودوا وقد يقفون مادحين في حفلات تكريم تقام لأولئك الساسة الذين قالوا عنهم من قبل: انهم مجرمون قذرون منحطون منخوبو الضمائر فأسدوا الذمم، لا استصلاح لهم بحال من الأحوال! والشعب ينظر ويعجب: أما أن يكون هؤلاء القادة الروحيون كاذبين في الماضي، وأما أن يكونوا كاذبين في الحاضر. وهم في كل حال لا يؤمنون على قيادة الشعب الروحية، وتلك ذممهم وهذه ضمائرهم بين حال وحال!

ومدرسة للسخط على أولئك الوزراء الذين تطول ألسنتهم وتطول أقلامهم وهم يتطلعون إلى الكرسي المسحور، فتتفتق قرائحهم عن خطط وبرامج للإصلاح الاجتماعي، وللنهضة الفكرية وللقضية الوطنية، ولإصلاح أداة الحكم، ولتطهير الدواوين، ولمكافحة اللجان. . . إلى أخر ما تهديهم إليه اللهفة على ذلك الكرسي المسحور، حتى إذا جلسوا في ذلك الكرسي، ند عنهم جميع ما اعدوا من خطط، وما نسقوا من برامج، ونفث فيهم ذلك الكرسي اللعين سحره الذي يعمى ويصم، ويفسد الذمة، ويكبت الضمير. . . ثم يطيح به الكرسي اللعين فيصحو من سبات، ويجد له بعد ذلك عينا يفتحها ولسانا يديره لإعادة الاسطوانة من جديد! والشعب ينظر ويعجب: أما أن يكون هؤلاء كاذبين في الأولى، وأما أن يكونوا كاذبين في الثانية. وهم في كل حال لا يؤمنون على مصالح هذا الشعب، وتلك ذممهم وهذه ضمائرهم في جميع الأحوال!

ومدرسة للسخط على أولئك الباشوات وغير الباشوات الذين يلحقون بعضوية الشركات ليكونوا ستارا لهذه الشركات في استغلال الشعب واستغفاله، ثم يدعون أن الشركات إنما قدرت فيهم الكفاية الممتازة (ما يأكلون في بطونهم إلا النار)!

ومدرسة للسخط على أولئك (الارستقراط) الذين يعلمون من هم، ويعرفون ينابيع ثروتهم أو ثروة آبائهم وأجدادهم، ونصفهم يعلمون إن أصلهم القريب جارية أو معتوقة، ونصفهم الآخر - إلا عددا يعد على الأصابع - يعرفون انهم هم أو آباؤهم أو أجدادهم على أكثر تقدير أدوا ثمن هذا الثراء أعراضا أو خدمات لا يقوم بها الرجل الشريف للاحتلال ولغير الاحتلال. . .

ومع هذا كله يزمون أنوفهم اشمئزازا من (الفلاحين) ومن (أبناء الشعب) على وجه العموم، لأنهم ليسوا من (أولاد الذوات) وليسوا (ارستقراط)! والشعب ينظر ويعجب: أكان حتما على هذا الشعب كله أن يكون أبناء جواري ومعاتيق، أو أن يقوم بخدمات لا يقوم بها الشرفاء للاحتلال وغير الاحتلال؟

ومدرسة للسخط على أولئك الذين ليسوا (ارستقراط)، إنما هم من أبناء الشعب، علمهم الشعب، وارتفع بهم إلى مقاعد الوزارة وغير الوزارة، وقد يكونوا ممن تعلموا بالمجان لضيق ذات اليد والعجز عن أداء نفقات التعليم، ثم هم بعد ذلك يتسخطون على (مجانية التعليم)، لأنها تزحم المدارس بأولاد الفقراء، ولأنها تمزج بين أبنائهم وأبناء الفقراء، ولأنها تعلم أولادهم أخلاق الفقراء!

(يا دم)! باللغة العامية الفصيحة! شيئا من الحياء يا هؤلاء! شيئا من الاعتراف بالجميل للشعب صاحب الجميل!!

وتنشئ الدولة مدارس خاصة لأبناء الأغنياء ومن يتشبهون بالأغنياء. . . لماذا؟ لأنهم مالوا بأبنائهم إلى المدارس الأجنبية فرارا من أبناء الشعب في المدارس المجانية!!

وماذا على الدولة وماذا على الشعب حين يذهب هؤلاء إلى الجحيم لا إلى المدارس الأجنبية؟ أنه لا خير فيهم لهذا الشعب هنا أو هناك! انهم خوارج عليه لأنهم يتبرءون منه، فليذهبوا حيث يشاءون، ولتسر الدولة في الطريق المرسوم لتعميم المجانية، فهو طريق إجباري مهما عارض فيه المعارضون، لان المستقبل لن يسمح بفوارق الطبقات!

ومدرسة للسخط على محطة الإذاعة، تلك المحطة التي تنقل ما في المواخير والصالات، وما في الأفلام السينمائية، وهي لا ترتفع عن المواخير والصالات، تنقله إلى كل بيت، والى كل سمع، شاء من في البيوت أم أبوا، ورضى الناس أم كرهوا، ولا تدع هذا الهراء القذر محدودا في الصالة أو الفيلم يراه من يشاء، ويذهب إليه من يشاء، بل تفرضه فرضا على البيوت، حتى إذا كان فيها بقية من إنسانية أو حياء، قضت على هذه البقية الباقية من الإنسانية ومن الحياء، وهي تصنع كل يوم هذه الجريمة وتنفق عليها من جيب هذا الشعب الذي تفتت كيانه في كل لحظة من اللحظات!

ومدرسة للسخط على تلك الصحافة الداعرة، التي تسمى نفسها (صحافة ناجحة) لأنها تنادي الغريزة الحيوانية وتستثيرها في كل سطر وفي كل صورة، وهو عمل رخيص لا يحتاج إلى براعة صحفية، عمل يقوم به مديرو المواخير فيطاردهم بوليس الآداب في كل مكان! ودع عنك ما يقوم به بعض هذه الصحف من دعاية للاستعمار ولخدام الاستعمار، وما يثبطون به عزائم المصريين كلما هموا للجهاد في سبيل قضيتهم الكبرى. وما كانت هذه الصحف في حاجة إلى تلك الدعاية السافرة أو المستترة، فهي بما تنشر من صور داعرة، وبما تثير من غرائز هابطة، تقتل في الأمة كل نخوة وكل شرف وكل قوة، وتهيئها للاستغراق في لذائذ حيوانية، لا تسال بعدها عن وطن ولاعن استقلال!

وأخيرا مدرسة للسخط على هذا الشعب الذي يسمح بكل هذه (المساخر)، ويتقبل كل تلك الأوضاع، دون أن ينتفض فينبذ هؤلاء وأولئك جميعا، وينفض يده من رجال السياسة المضللين، ورجال الأدب والصحافة المأجورين، ورجال الحكم المدلسين، ومن الاستقراط والمتسقرطين! ومن دعاة المواخير: في محطة الإذاعة، وفي السينما، وفي الصحف، وفي المواخير!

مدارس للسخط! ما أحوج الشعب منها إلى الكثير، انه لأحوج إليها من الطعام والشراب. . . فمن ينشئها؟!

أينشئها هذا الجيل من الشباب المائع المسترخي إلا النادر القليل؟. . . كلا! إنما تنشئها الأقلام المخلصة، الأقلام التي تواجه الحقائق، ولا تنفر منها، ولا تخشى عاقبة الجهر بها، الأقلام التي لا تيئس ولا تمل، ولا تؤمن بأنه لا فائدة!

وأنها لفريضة على كل صاحب قلم، ولن تضيع صرخة واحدة في الهواء، فالهواء احفظ للأصداء، والأجواء حفية بالدعاء، ومن لم توقظه الدعوة، فلتوقظه الصيحة. . .

ولا يأس مع الحياة!

سيد قطب