مجلة الرسالة/العدد 66/العلوم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 66/العلوم

مجلة الرسالة - العدد 66
العلوم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 08 - 10 - 1934

3 - بحث في أصل الإنسان

بقلم نعيم علي راغب دبلوم عال في الجغرافية

مهارة الإنسان الأول:

لم يكن الإنسان الأول إنسان عقله وتركيبه فقط، بل كان إنساناً تميزه حقائق أخرى كثيرة عرفناها عنه. وإن الأدوات الحجرية التي وجدت عن ذلك الوقت الغابر لا تدل على مدى تفكيره فحسب، بل تدل على ميل للفن والمهارة في الصناعة. وقد وجد المستر داوسون قطعة مستطيلة من العظام المتحجرة شكلتها يد الإنسان القديم له بوظيفة صنعها من أجلها، وتشبه في شكلها شكل مضرب اللعبة المعروف (بالكريكيت) وحالة التحجر ودرجته تماثل تماماً ما وجد في أقدم عصور إنسان البلتداون. وعند فحص هذه القطعة العظيمة اكتشف أنها قد اقتطعت من عظمة فخذ نوع من أنواع الفيلة الضخمة البائدة التي تشبه الماموث كانت تعيش في إنجلترا في أوائل عصر البليستوسين؛ فإنسان البلتداون كان ذكياً ماهراً إلى حد ما، أو لدرجة أوصلته إلى أن يشكل من عظام فخذ هذه الفيلة أسلحة مشوهة الشكل، ومن العدل حينئذ أن نضيف إلى ذكائه ومهارته شجاعته وقدرته في الصيد والقنص.

سبق أن بينت أن إنسان الكهوف كان أسير التقاليد والأزياء. وكيف كان نوعٌ وشكل واحد من أنواع الأدوات أو الأسلحة أو غيرها يعم استعماله القارة كلها، وكيف أن بقاء الزي الواحد كان لمدة أطول بكثير مما هو عليه الآن.

وإذا نحن بعدنا إلى عصر الأودية فإننا نجد براهين أخرى على ما ذكرنا. حقيقة لا يمكننا معرفة وقت بدء استعمال هذه الآلات والأدوات الحجرية سواء في عصر الأشيلية والشيلية أو البريشيلية، إلا أنه يمكننا مع ذلك أن نقول واثقين كل الثقة أن المرأة كانت تحمل نفس الشعور والحواس النفسية التي تدفع أي امرأة في أي عصر من العصور إلى طريق العبودية للأزياء. وفي الوقت الحاضر بما فيه من وسائل مواصلات حديثة، يكفي الزي الواحد أسابيع قلائل كي ينتشر ويعم استعماله العالم أجمع، ولو أنه سريع الذهاب قليل البقاء أو الثبات، وهذا الأمر هو ميزة العصر الحالي، عصر السرعة والتقلب في ك شيء. بعكس القديم الذي نحن بصدده، والذي ذكرنا في فقرتنا السابقة أن انتشار الزي الواحد كان يلزمه وقت طويل، ولكنه عند ما ينتشر يستمر عشرات آلاف السنين دون أن يتغير.

قد استطعنا من الآثار والمخلفات التي وجدناها في المقابر والكهوف وسواها أن نتتبع تاريخ حياة الإنسان من نحو مائتي ألف سنة، وبذلك وصلنا إلى عصر من العصور سماه علماء الجيولوجيا عصر البليستوسين ولدينا من البراهين القوية ما يثبت أن الإنسان في هذا العصر قدُ وجد كامل التكوين جسما وعقلا، ولذلك نجد أنفسنا مضطرين لأن نرجع إلى ما قبل هذا العصر، إلى عصر أطلق عليه اسم عصر البليوسين وبذا نجد أن مخلفات العصر السابق ليست ذات أهمية لنا، ونجد ضروريا أن نبحث عن آثار أقدم. وقد وجد أن الأنهار الشمالية ومنها التيمس والرين والألب وغيرها تحفظ في قاعها وبين طبقات شواطئها من مخلفات العصر الذي نحن بصدده ما يجعلها تفوق في الأهمية أي متحف جيولوجي أو طبيعي.

كانت مصبات الأنهار الشمالية تصل إلى أقاصي القارة الأوربية وتصب في بحر الشمال. وكانت إنجلترا تتصل بباقي أوروبا عن طريق سهل فسيح جداً ممتد بينها وبين القارة. إلا أن هذا السهل قد ذهب ضحية عوامل الانخفاض في القشرة الأرضية فغمرته المياه ولم يبق منه إلا شريط مستطيل رفيع يمتد في شرق انجليا. وإنك لترانا مازلنا في بحثنا عن إنسان البليوسين نعتمد على مخلفات الأنهار وما تحفظه المجاري المائية بين طبقات قاعها أو كهوف سواحلها. وحقيق بي أن أذكر هنا عبارة حين قال: , وهذا معناه أن الأنهار تحفظ لنا بين ثناياها التاريخ الصحيح لقديم الزمان، وعلى العالم الجيولوجي أن يقرأن لنا هذا التاريخ ويفسر ما التبس منه وما غمض.

قلنا إن شرق انجيليا يكون جزءاً من سهل بحر الشمال البليوسيني، فإذا كان هناك إنسان قد عاش في أوربا وسكنها في ذلك العصر فلابد أن نجد آثاراً أو مخلفات تدل على سابق وجوده. وقد حدث أن المستر ريد موير بدأ يبحث في طبقات البليوسين في شرق انجيليا تلاحظ أنه على أعماق مخصوصة وجد قطعاً صخرية صماء دلَّته دلالة نقض فيها على إنُها من عمل الإنسان. وبعد سنوات عديدة أمكنه أن يكوّن مجموعة من هذه الصخور تختلف اختلافاً بيّناً في الشكل والنوع عما وجُد من مخلفات عصري البريشيليان والشيليان. ثم وجه بحثه وراء إنسان البليوسين فبحث في شواطئ سفولك ونورفولك، حيث تكشف الأمواج المتلاطمة عن طبقات الربوات العالية البليوسينية. وقد ساعده الحظ في العثور على صخور نارية دلت على عمل الإنسان وقدرته على التشكيل والابتكار. لكنه لم يعثر ولم يعثر غيره على هيكل متحجر من هياكل ذلك الإنسان الذي صنعها وشكلها في تلك الأزمنة السحيقة المتناهية القدم وهي عصر البليوسين.

وقبل أن نتقدم بعيداً عن ذلك نقف لحظة هنا لنقدر عمراً لهذا العصر. قال العلماء إن سمك طبقات البليوستوسين يبلغ 4000 قدم، وأن سمك طبقات البليوسين 5000 قدم. فإذا علمنا أنه يلزم لتراكم طبقات البليوستوسين (4000 قدم) 200 ألف سنة فانه من الممكن أن نقول إن طبقات البليوسين (5000 قدم) تحتاج إلى 250 ألف سنة أي ربع مليون سنة. وهذا ما يمكن أن نقدره عمراً لعصر البليوسين. وقد كانت أقدم جهة وجد فيها ريد موير مخلفاته الصخرية تقع في خمسي المسافة، فإذا اعترفنا بذلك وجب أن نعترف أنه من مدة تبلغ نحو 1. 300 ألف سنة كان يسكن العالم عنصر بشري كان له من الذكاء والمقدرة ما كشف له عن طريق عمل واستخدام الآلات والأسلحة.

ولم تكن صخور ريد موير التي وجدها في شرق انجيليا أقدم آثار لعصر البليوسين، لأن هناك جهة تعرف باسم لوحظ أن بها مناطق لا تجري فيها مجار مائية في العصر الحالي وإنما تدل الدلائل على أنه كانت توجد بها أنهار سريعة الجريان. وذلك من البقايا الرسوبية التي وجدت. في هذا الجهة بدأ بنيامين هاريسون بحثه في عام 1864 فوجد أدوات صخرية نحتتها يد الإنسان، وقد سميت هذه الصخور باسم ويعترف ريد موير أن هذه الصخور أقدم مما وجده في شرق انجيليا. وقد وجد مدير دار الآثار الملكية البلجيكية في أمثلة أخرى كثيرة لمحاولة الإنسان الأول تشكيل الصخور واستعمالها أدوات وأسلحة.

ولم يقتصر البحث على مخلفات الطبقات الجيولوجية لمناطق بحر الشمال البليوسينية، بل تعدها إلى كل أنحاء العالم. ففي هبترلاند وفي السهول الشمالية لأواسط آسيا دار البحث والتنقيب عن إنسان البليوسين.

ولعل الدكتور هنري فيرفيلن أوزبورن كان يتوقع العثور في آسيا على الحلقة المفقودة لسلسلة تطور الإنسان في مخلفات عصر البليوسين.

وبرغم الأبحاث المتوالية والجهود الجبارة التي قام بها العلماء في مختلف جهات العالم، لم يعثر إلا على بقايا فرد واحد من العنصر الذي عاش في عصر البليوسين، وجد في منطقة ترتفع عن مستوى سطح البحر بنحو 50 قدماً وتقع على الساحل الشرقي لنهر بنجوان في أواسط جاوة، وقد عثر عليه شاب هولندي طبيب ذهب إلى جاوة سنة 1891 واثقاً من عثوره على ما يدله على خطوات التطور الإنساني في هذه الجهة.

وكانت شواطئ نهر البنجوان غنية بالهياكل المتحجرة لحيوانات بائدة، ولذلك استرعت هذه الجهة نظر الطبيب الشاب فوجه بحثه إليها.

الحلقة المفقودة

وبعد بحث وحفر طويلين وجد هيكلاً لمخلوق غريب أطلق عليه اسم أي الإنسان القرد، إذ أنه قد ظن أنه وجد بقايا من يتكلم عنه الناس أجمع ولم يروه، ألا وهو الحلقة المفقودة بين القرد والإنسان.

وقد ظهر أن هذه الطبقة الأرضية التي وجدت بها بقايا هذا العنصر أو المخلوق لم تتكون إلا في أواخر عصر البليوسين، ولذلك يمكننا أن نقول أنه إذا كان هذا الإنسان القرد عاش هو وأخوته وأعمامه وأخواله وكل أفراد عائلته في جزيرة جاوة في العصر الذي تم فيه تكوين طبقات شرق انجيليا، فإنه يمكننا أن نقدر لعصره عمراً يتراوح بين 200 و300 ألف سنة.

بعد أن قدرنا هذا العمر لهذا المخلوق العجيب يجب علينا أن نبحث لنعرف نوع هذا المخلوق وأصله. فما الذي وجدناه منه؟

كل ما عندنا من آثار: غطاء الجمجمة، عظمة فخذ، ثلاث أسنان منها ضرس من أضراس العقل.

فلندرس هذه كلها، ولنر ما يمكن أن تكشف لنا عنه.

(يتبع)

نعيم علي راغب