مجلة الرسالة/العدد 648/في إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 648/في إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب

مجلة الرسالة - العدد 648
في إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 03 - 12 - 1945


للأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي

- 18 -

ج19 ص 252: البحتري

ومشيت مشية خاشع متواضع ... لله لا يزهو ولا يتكبر

قلت: في ديوانه وفي كثير من كتب الأدب (يزهى).

في الصحاح: (للعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول به وإن كان بمعنى الفاعل، مثل قولهم: زهى الرجل، وعني بالأمر، ونتجت الشاة والناقة وأشباهها. فإذا أمرت منه قلت: لتزه يا رجل، وكذلك الأمر من كل فعل لم يسم فاعله لأنك إذا أمرت منه فإنما تأمر في التحصيل غير الذي تخاطبه أن يوقع به، وأمر الغائب لا يكون إلا باللام كقولك: ليقيم زيد، وفيه لغة أخرى حكاها ابن دريد: زها يزهو زهوا أي تكبر، ومنه قولهم: ما أزهاه، وليس هذا من زهي، لأن ما لم يسم فاعله لا يتعجب منه. وقلت لأعرابي من بني سليم: ما معنى زهى الرجل؟ قال: أعجب بنفسه، فقلت: أتقول: زها إذا افتخر؟ فقال: أما نحن فلا نتكلم به). والبيت من قصيدة جيدة مطلعها:

أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر ... وألام من كمد عليك وأعذر

وقد روى ابن خلكان منها سبعة عشر بيتا (فيها البيت المذكور) ثم قال: (وهذا هو السحر الحلال على الحقيقة، والسهل الممتنع، فلله دره ما أسلس قيادة، وأعذب ألفاظه، وأحسن سبكه، وألطف مقاصده. وليس فيه من الحشو شئ بل جمعيه نخب).

قال الصاحب بن عباد في رسالته (الكشف عن مساوئ شعر المتنبي): (جرى حديث أبي عبادة البحتري وهو - يعني ابن العميد - يوفيه حقه الذي استوجبه لجزالة لفظه، وبشاشة نسجه، وغزارة طبعه، وحلاوة شعره. وقال في أثناء هذا المجلس: ما علمت أن في طبع البحتري تكلفا إلى أن قرأت قصيدته في صفة الإيوان (صنت نفسي عما يدنس نفس).

قلت: إن العربية لتحمد الله كثيرا أن كان في طبع البحتري تكلف - كما يقول الأستاذ الرئيس - حتى ينظم شاعرنا هذه القصيدة البارعة الباهرة العبقرية. ولو لم تتجل ص الإيوان في الديوان لخلا من درة يتيمة.

وأبو عبادة ثالث ثلاثة يرى ابن الأثير صاحب (المثل السائر) أنهم أشعر العرب، قال:

(والمذهب عندي في تفضيل الشعراء أن الفرزدق وجريرا والأخطل أشعر العرب أولا وآخراً. ومن وقف على الأشعار ووقف على دواوين هؤلاء الثلاثة علم ما أشرت إليه. وأشعر منهم عندي الثلاثة المتأخرون وهم: أبو تمام، وأبو عبادة البحتري، وأبو الطيب المتنبي، فان هؤلاء الثلاثة لا يدانيهم مدان طبعة الشعراء).

ووصف الثلاثة فقال في البحتري:

(وأما أبو عبادة البحتري فانه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأورد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينما يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق. وسئل أبو الطيب المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن نفسه؟ فقال: أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري. ولعمري إنه أنصف في حكمه، وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه، فان أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام مع قربة إلى الإفهام).

وقد نسب قول المتنبي الذي تفضل بإيراده ابن الأثير إلى أبي العلاء. جاء في (وفيات الأعيان): (ويقال: إنه قيل: لأبي العلاء أي الثلاثة أشعر أبو تمام أم البحتري أم المتنبي؟ فقال: المتنبي وأبو تمام حكيمان، وإنما الشاعر البحتري).

وإنه ليستحيل أيما استحالة أن تفلت من الأحمدين هذه الفلتة، أو أن يتحرك لسانهما بها في المنام، وإنه كلام حاكه أديب، ومشى هذا المقول، هذا النجل مجهول النجل في الورى ذا نسبتني إن المتنبي ما كان يرى غير نفسه، وكان زهوه لا يعد الشعراء السابقين. وإلا قائلين صغيرين مبشرين بنبي في الشعر يأتي من بعدهم اسمه (أحمد)

هو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني

وما تسع الأزمان علمي بأمرها ... ولا تحسن الأيام تكتب ما أملي!

وتعظيم أبي العلاء العجيب لأبي الطيب ثابت مشهور. جاء في (أوج التحري):

(وكان أبو العلاء يفضل أبا الطيب المتنبي على غيره من الشعراء كأبي تمام والبحتري وابن الرومي وغيرهم، وإذا ذكر أحدا منهم أو أورد له شيئا يقول: قال أبو تمام، قال البحتري، قال ابن الرومي، وإذا أورد شيئا لأبي الطيب قال: قال: الشاعر):

ولم يكتف أبو العلاء بأن يقصر هذا الوصف على سميه بل ظلم الناس من أجله، قال ابن خلكان:

(يقال: إن أبا العلاء كان إذا سمع شعر ابن هاني يقول: ما أشبهه إلا برحى تطحن قرونا لأجل القعقعة التي في ألفاظه، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ، ولعمري ما أنصفه في هذا المقال، وما حمله على هذا إلا فرط تعصبه للمتنبي. . . وليس في المغاربة من هو في طبقته لا من تقدميهم ولا من متأخر يهم، بل هو أشعرهم على الإطلاق، وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة، وكانا متعاصرين، وإن كان في المتنبي مع أبي تمام من الاختلاف ما فيه).

وإذا أجل نابغة الأدب العربي الطائيين، وقال فيهما في درعية:

مثل وشى (الوليد) لانت وإن كانت (م) ... من الصنع مثل وشي (حبيب)

فابن الحسين عند المعري في مرتبة لا يقاعده فيها أحد.

وإذا قال أبو تمام وأبو الطيب أمثالا وحكما كما يقول البحتري (وما نرويه هو نموذج من كثير):

لولا التباين في الطبائع لم يقم ... بنيان هذا العالم المجبول

ولا تقل أمم شتى ولا فرق ... فالأرض من تربة والناس من رجل

ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى عد ألف بواحد

تطلب الأكثر في الدنيا وقد ... نبلغ الحاجة فيها بالأقل

ومن يعرف الأيام لا ير خفضها ... نعيما ولا يعدد تصرفها بلوى

صعوبة الرزء تلفى من توقعه ... مستقبلا، وانقضاء الرزء أن يقعا

ينال الفتى ما لم يؤمل، وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر

ومن الحسرة والحسران أن ... يحبط الأجر على طول العمل

إن المشيَّع لا يبير عدوه ... حتى يكون مشيع الأصحاب

أرى الحلم بؤسي في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلا ما حباك به الجهل

واليأس إحدى الراحتين ولن ترى ... تعبا كظن الخائب المكدود إن التنازع في الرئاسة زلة ... لا تستقال، وذلة لم تنصر!

ما أضعف الإنسان لو همة ... في نبله أو قوة في لبه

وهل خلا الدهر أولاه وآخره ... من قائم بهدى مذ كُوِّن البشر

والعقل من صيغة وتجربة ... شكلان مولوده ومكتسبه

قدره مرتفع عن حظه ... لا يرعكَ الحظ لم يؤخذ بحق

ليس يحلو وجودك الشيء تبغيه (م) التماسا حتى يعز طلابه

يعرف السيف بالضريبة يلقاها (م) بنبي عن الصديق امتحانه

لا أحفل المرء أو تقدمه ... شتى خلال، أشفها أدبه

ولست أعتد للفتى حسبا ... حتى يرى في فعاله حسبه

وما سفه السفيه وإن تعدى ... بأنجع فيك من حلم الحليم

متى أحفظت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أفعال اللئيم

وأرى الإملاق أحجى بالفتى ... من ثراء يطّيبه بالملق

وأصوب رأي في الصنيعة ردُّها ... إلى رجل يغنى غناء رجال

لنا في الدهر آمال طوال ... ترجيها وأعمار قصار

والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطبه

إذا قال أبو تمام والمتنبي مثل هذه الأبيات الحكمية البحترية فهل يقال: (أبو تمام والمتنبي حكيمان وإنما الشاعر البحتري) وليس حبيب بن أوس وأحمد بن الحسين مثل صالح بن عبد القدوس في إكثاره في شعره من الأمثال (التي لو نثرها في شعره وجعل يبنها فصولا من كلامه لسبق أهل زمانه) كما قال الملك الأديب عبد الله بن المعتز في كتابه (البديع).

ويظهر مما نقل إلينا من أقوال المتقدمين في حبيب والمتنبي أن أكثرهم وفيهم ابن الأثير نفسه فارقوا الدنيا ولم يعرفوا هذين الشاعرين، فليست براعة حبيب في أنه (غير مدافع عن مقام الأغراب الذي برز فيه على الإضراب) وليست فضيلة المتنبي في أنه (حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في وصف مواقف القتال) كما يقول ابن الأثير فيهما.

وللرضي هذا القول الموجز في شعر الثلاثة: (سئل الشريف الرضي عن أبي تمام وعن البحتري وعن أبي الطيب فقال: أما أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر، وأما المتنبي فقائد عسكر) وقد روي القول في (المثل السائر).

وللشيخ قول في حبيب في (رسالة الغفران) وهو (كان صاحب طريقة مبتدعة ومعان كاللؤلؤ متتبعة، يستخرجها من غامض بحار، ويفض عنها المستغلق من المحار).

وقال القاضي الفاضل في المتنبي، وقد روى قوله ابن الأثير في كتابه (الوشي المرقوم في حل المنظوم): (إن أبا الطيب ينطق عن خواطر الناس).

ومن أغرب ما يذكر في هذا المقام ما سطره ابن خلدون في الجزء الأول من (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر. . .) وهو المعروف بمقدمة ابن خلدون:

(كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية - يعني الشعر - يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شئ! لأنهما لم يجريا على أساليب العرب. . .).

وقد نعيت في مقالتي (المتنبي) على ابن خلدون وعلى شيوخه إفلاتهم هذا القول أو أفتلاتهم، ومما قلت:

كلام هؤلاء الشيوخ (شفاهم الله، وشفى ناقل قولهم معهم) ليس بشيء إلا شيئا لا يعبأ به، فأساليب العرب متنوعة مختلفة، وليس هناك أسلوب واحد، ولكل قبيل طريقة، وللبدوي بلاغة، وللحضري بلاغة، وللإقليم أو المكان وللخليقة والمزاج أثر وسلطان، ولكل قرن زي ولحن، و (أحسن الكلام ما شاكل الزمان).

والدنيا في تبدل مستمر (وأحوال العالم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر)، ولكل نابغة نهج معلوم. فتنكب المتنبي عما تنكب عنه، وسلوكه السبيل الذي سلكه ما ضاراه بل ظاهراه في إبداعه ونبوغه، وكان ذلك على هذه اللغة من نعم الله.

وقد جاءنا في هذا الوقت العالم الفاضل (دكتور محمد كامل حسين أستاذ جراحة العظام بكلية الطب) بآراء في ابن الحسين وشعره في مقالة عنوانها (التعقيد في شعر المتنبي) في مجلة: (الكاتب المصري) الغراء.

ونحن لا نجادله لكننا نسائله (إن على (عالمنا) أن نسأله)؟،

ألا يرى دكتور محمد - وقد عاود التفكير في بحثه - أن سبب التعقيد في شعر المتنبي - وكثير منه هو في قرزمته - لم يكن ما فسر

وأن من أسبابه كون الرجل مولدا (قد تعلم العربية تعلمنا أباها في هذا الزمن) لا جاهليا أو إسلاميا يلهم تأليف القول إلهاما وأنه ما كان يفكر في القافية ليبني عليها البيت كدأب حبيب، وأن كبرياءه كانت تأخذ ما يجي في بعض الأوقات فلا يعني بتقويمه، وأنه كان يستعجل في النظم، وقد أشار ابن جني في (الخصائص) ص 332 إلى هذه السرعة. ثم إن المعاني الجديدة ليست كالمعاني المتعاورة المعهودة سهلة التبيين، وانظر إلى ابن خلدون حين كتب وابن المقفع لما نقل. وإني لأتذكر أن العلامة الدكتور طه حسين بك شبه في أحد مباحثه كلام ابن المقفع بكلام العربانيين (الفرنج المستشرقين) لاضطرابه واختلال نظامه. وعذر عبد الله وعبد الرحمن عند المنصفين ظاهر مبين.

هل يرى دكتور محمد أن مئات من الأبيات المعقدة والمهلهلة في طائفة من قصائد المتنبي - لا بضعة الأبيات التي أوردها أمثلة - يذهبن حسنات المقصدات ذوات الألوف من الأبيات المحكمة المحققة؟

وإذا استبشع صورة هذا البيت في قصيدة، والأذواق تختلف:

قد سودت شجر الجبال شعورهم ... فكأن فيه مسفة الغربان

فهل يستملح هذه الصورة في القصيدة عنها:

في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرون بالآذان

ألا يرى الدكتور محمد أن السيفيات والكافوريات والعضديات قد اشتملن على معان متنوعة، ومقاصد مختلفة، وتجلى فيهن خيال صالح، ووعين صورا رائعة للقارئين، وأنه لم تسلم من العيوب قصائد يقدرها لشاعر من الشعراء أكثر من سلامتها. لنأخذ تلك القصائد ولنترك ما نظم الرجل من قبلها وإن كان تاليه يجد فيه شيئا عظيما باهرا.

ماذا يعزو دكتور محمد بقوله: (فإعجابنا شعر المتنبي إعجاب عقلي محض أو بعبارة أخرى إعجاب بالصياغة) فان هاتين الجملتين متعادلتان لا تلتقيان. وإن قصد بالصياغة ما بعينه مغزى الكلمة في هذا لباب فإعجاب العرب بشاعرهم لم يجئ من صوب صياغته، ولو حاول أن يسير في تلك الطريق المتعبة لعاصاه مزاجه، ولن يضع منه عندنا أنه لم يكن ذا صياغة. وإذا أعجبنا بقول حبيب الصائغ:

ما ترى الأحساب بيضا وضحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا

أيما إعجاب. فقد تقبلنا قول المتنبي:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم

خير تقبل، ومعنى البيت واحد. والصياغة البارعة المحيرة عند الغواص الصواغ في الأول، والطبيعية البليغة الفصيحة مع المحلق في سماء القول في الثاني.

يقول الدكتور محمد: (وهو من حيث الشعر العربي قد يكون عظيما ولكنه من حيث الشعر إطلاقا لا يمكن أن يكون ذا خطر).

فمن أصحاب هذا الشعر من العرب أو العجم في مذهبه؟

ما قوله في شكسبير شاعر الإنجليز؟

ما قوله في غوته شاعر الجرمان؟

ما فضيلة هذين الشاعرين عنده؟

هل لدكتور محمد أن يروي لنا نموذجا أو نتفة من خير ما قال غوته أو من خير ما قال شكسبير أو من خير ما قال شاعر من أرباب (الشعر إطلاقاً)؟

دكتور محمد كامل حسين قد ظاهر في الفضل بين الدرعين، وقد استبد بمنقبتين، فنحن نستهدي علمه وأدبه ونستفتي غير متمثلين بما قال الصاحب للقاضي الجرجاني صاحب (الوساطة بين المتنبي وخصومه):

إذا نحن سلمنا لك العلم كله ... فدع هذه الألفاظ تنظم شدورها

وأقول في ختام هذا الحديث المختصر:

لو لم يكن - يا شيوخ ابن خلدون - أحمد الأول وأحمد الثاني اللذان (ليسا من الشعر في شئ) كما لفتتم قولكم لخسر الأدب العربي أيما خسران. وإذا استغنى الإنكليز عن شكسبيرهم - وكارليل يقول (لا غنى لنا عن شكسبير) - واستغنى الجرمان عن غوته، وغوته - كما رووا - نبيهم في الأدب، كلامه قرآنهم، فالعربيون محتاجون كل المحتاجين إلى أبي الطيب وإلى أبي العلاء. ولن يزهدهم فيهما مزهدون، ولن يلفتهم عنهما لافتون، وكلما تقدم العربيون وعلموا، ازدادوا علما (قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (وقل: رب زدني علما) عرفوا من فضائل الأحمدين وسائر شعرائهم وأدبائهم وعلمائهم ما كانوا يجهلون، وإنهم - وكتابهم القرآن وقائدهم محمد (صلى الإله على محمد) - لماشون في هذا الوجود اليقدمية فلن يتقهقروا، ولا يقفون