مجلة الرسالة/العدد 648/أين أنت يا مصطفى كامل؟!

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 648/أين أنت يا مصطفى كامل؟!

مجلة الرسالة - العدد 648
أين أنت يا مصطفى كامل؟!
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 03 - 12 - 1945


رد عار 4 فبراير بمثل ما رددت عار دنشواي

للأستاذ سيد قطب

(إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة مساء أن النحاس باشا قد دعي لتأليف وزارة. فإن الملك فاروق يجب أن يتحمل تبعة ما يحدث).

(لورد كيلرن 4 فبراير سنة 1942)

هذه المجلة ليست مجلة حزب من الأحزاب، إنما هي مجلة المثقفين من المصريين خاصة ومن العرب عامة؛ فهي بهذا ترتفع على الأحزاب، وتتوجه بجهودها إلى معنى أخلد وأسمى

وهذا القلم ليس لحزب من الأحزاب، فقد بات صاحبه لا يرى في الأحزاب إلا أقزاماً بعد ما خلا الميدان من كل جبار؛ فهو بهذا يتوجه إلى وجه مصر الخالد وهي أخلد وأسمى.

لقد أميط اللثام منذ أسبوعين عن أشنع مأساة لقيتها مصر في تاريخها القديم والحديث، المأساة التي داست كرامة كل فرد، ومست شرف كل مواطن، وأذلت كبرياء كل كريم، ومرغت في الوحل تاريخ المصريين. . .

المأساة التي كشفت الستار عن الضمير البريطاني فإذا هو ضمير لا يصح الارتكان إليه، ولا تجوز الثقة به ولا يؤمن التعاقد معه، لأن الأقوياء يستطيعون في لحظة واحدة أن ينقضوا كل ما أبرموا، وذلك الضمير هادئ مستريح!!

ولا أحب أن أسترسل في التنديد بهذه المأساة، فسرد حوادثها وحده يكفي، وهو أشنع وأدمى من كل تعليق

وهاهو ذا نقلا عن (أخبار اليوم)؟

(في يوم 4 فبراير سنة 1942 اعتدى الإنجليز على استقلال مصر أشنع اعتداء، فأحطت الدبابات الإنجليزية بقصر عابدين وصوبت إليه مدافعها، وحوصر قصر الملك فاروق بألوف الجنود البريطانيين وهم في ملابس الميدان. . وتقدمت دبابة إنجليزية فحطمت الباب الملكي ودخلت حرم القصر. . ودخلت وراءها سيارة تحمل اللورد كيلرن السفير البريطاني، والجنرال ستون قائد القوات البريطانية في مصر

(حدث كل هذا في الساعة التاسعة مساء في الظلام الدامس لأن الجرائم عادة لا ترتكب إ في الظلام

(ووقفت سيارة السفير البريطاني أمام الباب الملكي، ونزل منها السفير وقائد القوات البريطانية يتقدمهما ثمانية ضباط يحملون المسدسات في أيديهم

(وتقدم رجل التشريفات يسألهم: إلى أين هم ذاهبون؟ فدفعه السفير البريطاني بيده وقال له:

- أنا أعرف طريقي!

(وفي هذا الوقت هجم الجنود البريطانيون على حراس قصر عابدين فجردوهم من السلاح، وحاصروا القشلاق الملكي، وأراد أحد الحراس أن يقاوم القوة بالقوة، فتكاثر حوله الجنود الإنجليز وأصيب بكسر في يده أثناء المقاومة

(وفي هذا الوقت نفسه كان الجنود الإنجليز قد حاصروا جميع ثكنات الجيش المصر، وصوبوا إليها المدافع، واستعدت الطائرات البريطانية لنسف جميع ثكنات الجيش المصري إذا هو قاوم!

(وحاصر الجنود الإنجليز كذلك مراكز البوليس. . . وقطعوا جميع الأسلاك التليفونية الموصلة إلى القصر الملكي!! وحاصروا أيضاً محطة الإذاعة!

(كل هذا لكي لا يعرف الشعب في ماذا يجري في قصر ملكة!)

هذا هو الوصف المادي المحسوس للمأساة. يفور له الدم في العروق، وتهتاج له الأعصاب في الأجسام، وينبض له كل قلب بالنقمة والغضب والحماس. . .

فكيف تلقته الصحافة الحزبية في مصر الممثلة للأحزاب المصرية في عصر الأقزام؟ راحت الصحف الوزارية تتهم النحاس باشا بالخيانة الوطنية، دون أن تمس السادة الإنجليز إلا في حذر ومن وراء ستار!

وراحت الصحف النحاسية تتهم الوزارتين بالتلفيق والتزوير، وتنتحل للسادة الإنجليز كل عذر في موقفهم هذا الغشوم. فهم قوم في حرب حياة أو موت، وهم يريدون الاطمئنان إلى أنهم لن يطعنوا في ظهورهم، وهم قوم محرجون، معذورون فيما صنعوا، مبرئون فيما يصنعون!

وا سوأتاه!

أين أنت يا مصطفى كامل؟! أين أنت لتعلم هؤلاء وهؤلاء كيف يردون العار الذي لطخ جبين الوطن في يوم 4 فبراير؛ كما رددت الظلم الذي حاق بمصر في يوم دنشواي؟!

لقد يكون مفهوماً بعض الشيء أن تقف الصحف النحاسية هذا الموقف من الحلفاء الذين أرسلوا للملك بهذا الإنذار. . . أما غير مفهوم، فهم موقف الصحافة الوزارية على العموم!

إنهم يحرصون فيما يقال على صفاء الجو بيننا وبين السادة الإنجليز ونحن على أبواب المفاوضات أو المحادثات!

أية مفاوضات وأية محادثات، ما دام هؤلاء السادة يملكون في كل يوم وفي كل وقت أن يرسل (سفيرهم) - لا معتمدهم ولا مندوبهم السامي - بإنذار إلى (الملك) يقول فيه: (إذا لم أعلم قبل الساعة السادسة مساء أن هيّان ابن بيان قد دعي لتأليف وزارة فإن الملك يجب أن يتحمل تبعة ما يحدث) ثم يحضر بعد ساعات بدبابته فيحطم باب الملك كما حطمه في يوم 4 فبراير لتنفيذ هذا الإنذار. ثم يجد من (هيّان ابن بيان) كل قبول؟!

وبعد هذا كله، وبعد أن تنشر أخبار المأساة يبقى السفير البريطاني سفيراً في بلاط هذا الملك الذي حطم باب قصره بالدبابات؟!

إن المعتمد الإنجليزي لم يبق بعد حادثة دنشواي في مصر، وهي أهون ألف مرة من حادث 4 فبراير. وهذا هو الفرق الحاسم بين الأمس واليوم. والمعتمد الإنجليزي إذ ذاك هو لورد كرومر أحد بناة الإمبراطورية كما يصفه تاريخ الاستعمار الغشوم.

وا سوأتاه

أين أنت يا مصطفى كامل؟

أين أنت لتعلِّم زعماء اليوم كيف يردون العار الذي لطخ جبين الوطن في يوم 4 فبراير، كما رددت الظلم الذي حاق بمصر في يوم دنشواي؟

لقد كان مصطفى كامل طليق اليد واللسان لأن أبهة الحكم لم تكن تداعب خياله، ولأن الجمة الحكم لم تكن تلجم بيانه. ولأنه لم يكن يؤمن بضمير أحد ولا يثق إلا بمصر الخالدة على الأزمان.

أما اليوم فنحن نثق بالضمير البريطاني فنعاهده، ونؤمن بالشرف البريطاني فنركن إليه!

أيها المصريون. . . أيها العرب أجمعين. . .

إن مأساة 4 فبراير هي مأساة الضمير البريطاني. ومأساة الثقة العمياء بهذا الضمير.

أيها المصريون. . . أيها العرب أجمعين. . . إن مأساة 4 فبراير يجب أن تنقش بحروف من نار لتبقى في قلوب الأبناء والأحفاد تذكرهم بمأساة الضمير البريطاني، ومأساة الثقة العمياء في هذا الضمير.

وهذا ما يجب أن تكتبه الصحف عامة ولو أغضبت جميع الأحزاب في عصر الأقزام!!!

سيد قطب