مجلة الرسالة/العدد 518/على هامش النقد

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 518/على هامش النقد

مجلة الرسالة - العدد 518
على هامش النقد
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 06 - 1943


الأدب (المهموس) والأدب الصادق

للأستاذ سيد قطب

قلت في كلمتي السابقة عن اللون المفضل من ألوان الأدب الذي يدعو إليه الأستاذ مندور

(من جميع النماذج التي اختارها حتى الآن - والنموذج كما قلت أكثر دلالة من الشرح العام - أستطيع أن أسمي هذا اللون باللون (الحِنَيّن) حسب تعبير أولاد البلد من القاهريين! الذي تحس فيه (بالحنية) أو بالهمس والوداعة الأليفة حسب تعبيره هو)

ولست أحب أن أظلم الأستاذ (مندور) ولا أن أشوه صورة اللون الأدبي المفضل لديه. فليس في الأمر ما يدعو إلى هذا العناء، أو هذا الالتواء. فأنا أسجل له هنا - في الرسالة - بعض الشرح لما يريده نقلاً عن (الثقافة). قال في أحد الأعداد:

(الهمس في الشعر ليس معناه الضعف، فالشاعر القوي هو الذي يهمس، فتحس في صوته خارجاً من أعماق نفسه في نغمات حارة؛ ولكنه غير الخطابة التي تغلب على شعرنا فتفسده، إذ تبعد به عن النفس، عن الصدق، عن الدنو من القلوب)

ثم قال في عدد آخر:

(وبعد، فهناك شعر صادق جميل، وهناك نثر صادق جميل، سميتها مهموسة لأعبر عما يثيره التعبير الفرنسي - الذي نستطيع ترجمته حرفياً بـ (نصف الملفوظ) والمعنى في نفسي ليس واضحاً تمام الوضوح، لأنه في الحق إحساس أكثر منه معنى، وإنما أستطيع أن أوحي للقارئ بشيء منه. إن قلت إنني أقصد إلى ذلك الأدب الذي سلم من الروح الخطابية التي غلبت على شعرنا التقليدي منذ المتنبي)

ثم يقول في نفس المقال:

(لست أدري أأفصحت أم لا. ولكني في الحق أعتمد على نفاذ روح القارئ، لأني يائس من أن أحمل إليه ما في نفسي حملاً تاماً، ولهذا أترك له دائماً مشاطرتي التفكير والإحساس. عليه أن يصل ما أقطع، وأن يفصل ما أجمل، وأن يضفي على الإشارة كل ما خلفها. . .

وقد عنيت أن أسجل هذه الفقرات، ولعلها أقوى وأوضح ما يصور فكرة الأستاذ مندور - أو إحساسه بتعبير أصح - وهذا اللون الذي يدعو إليه في الأدب، لون حبيب، ما في ذلك شك؛ ولكنه ليس اللون الوحيد الذي نعادي كل ما سواه، لأنه ليس الصورة الوحيدة للحياة

ولم يكن خطأ الأستاذ مندور في هذا التضييق وحده - عند رسم آفاق الأدب - ولكنه كان كذلك في رسم صورة واحدة لهذا اللون الواحد عند اختيار نماذجه - والنموذج الواحد هو الذي يكشف عن الصورة الباطنة في نفس المتحدث - فإذا جاز لي أن أعد النماذج التي جاء بها صورة اللون الذي يدعو إليه، لم أكن حينئذ ظالماً له، ولا مشوهاً لغرضه حين سميت الأدب المهموس بالأدب (الحنين)!

وأحب أن أطمئن الأستاذ مندور على أنني أحس ما في نفسه مما لا يستطيع أن يحمله إلى القارئ حملاً تاماً - كما يقول - ولا أرى في استنجاده بإحساس القارئ لتكملة ما يريد وتفصيله، عجزاً ولا قصوراً - كما رأى البعض - فالحس الفني لا تستطيع الألفاظ دائماً أن تحمل معانيه كاملة بوضوح، وحسبها أن تشير إليه وأن تستثير في نفوسنا المعاني والأحاسيس والذكريات الخاصة به

وهو في شرحه للأدب المهموس، كان أوسع أفقاً وأرحب صدراً، من الأمثلة التي جاء بها جميعاً من لون واحد، ولو كانت المسألة مسألة علمية أو فكرية لكان هذا الشرح هو كل شيء. ولكنها مسألة فنية، فالمثال هو الأصدق والأصح في تصوير الشرح العام

وإذا قلت: كان أوسع أفقاً وأرحب صدراً، فإنما أقيسه إلى نفسه في فهم الأدب. ولا أحتاج أن أقول: إن ذلك الأفق ليس وسيعاً، وهذا الصدر ليس رحيباً، بالقياس إلى الفهم العام الذي يجب أن تعنيه جميع الألوان الصادقة من الفنون، لا لون واحد قد يكون أفضل الألوان، وقد لا يكون!

وقد قلت في الكلمة السابقة: (إنه كان موفقاً في اختيار بعض النماذج، غير موفق في اختيار بعضها، فقصيدة (يا أخي) لميخائيل نعيمة، وقصيدة (ترنيمة سرير) لنسيب عريضة يعدان نموذجاً طيباً لهذا اللون بذلك القيد. ولكن ماعداهما من مختاراته كان نماذج رديئة للشعر عامة، ولهذا اللون من الشعر كذلك، لا في الأداء وحده، ولكن في حقيقة الشعور)

فأحب أن أفصل هذا القول بعض التفصيل

يقول الشاعر (نسيب عريضة) بعنوان (ترنيمة سرير):

ظلام الليل قد جنا ... وبوق الهمِّ قد رنَّا فنم يا طفل لا يهنا ... غني بات شبعانا

قتام اليأس غطَّانا ... فَنمْ، لا عين ترعانا

إذا ما صبحنا حانا ... حسبنا الصبح أكفانا

ألا يا همُّ يكفينا ... لقد جفَّتْ مآقينا

لو أن الدمع يغذونا ... أكلنا بعض بلوانا

فتنال هذه القطعة إعجاب الأستاذ (مندور) وحبه، وهي حقيقة أن تنال هذا منه، ومنا نحن أيضاً - بوصفها لوناً من ألوان الأدب، لا بوصفها اللون الوحيد الذي يحب -

ولكن الشاعر يقول قطعة أخرى بعنوان (يا نفس) لا تبلغ أن تكون في هذا المستوى، ولا أن تكون نموذجاً شعرياً، فتنال إعجاب الأستاذ مندور كذلك لأسباب سنذكرها بعد. وهذه بعض مقطوعاتها:

يا نفس مالك والأنين ... تتألمين وتُؤلمين

عذبت قلبي بالحنين ... وكتمته ما تقصدين!

قد نام أرباب الغرام ... وتدثروا لحف السلام

وأبيت يا نفس المنام ... أفأنت وحدك تشعرين؟

والليل مر على سواك ... أفما دهاهم ما دهاك

فلم التمرُّد والعراك ... ما سور جسمي بالمتين

ولا يعلو مستوى بقية القصيدة عن هذا المستوى، الذي لا شعر فيه ولا حرارة. وأحسب أن وضع القصيدتين متقابلتين - وهما لشاعر واحد - يكفي للإحساس القوي الواضح بما بين مستواهما من فروق. ولكن الأستاذ مندور يصب إعجابه عليها جميعاً، ورائده في ذلك أمران:

الأول: أن القصيدتين لشاعر من شعراء المهجر. وهو يحب شعراء المهجر، لأنه حين ذهب إلى أوربا كان يحمل بعض أدبهم، وبعد أن عاد إلى مصر لم ينفسح له الوقت ليقرأ الشعراء المصريين المحدثين!

والثاني: أن في كلتا القصيدتين نغمة أسى دفين متهالك. وهو لا يحوجنا في هذا إلى التخمين إذ يقول عن القصيدة الأولى: (أعود أنصت إليه - أي إلى نسيب عريضة - يهدهد طفله في (ترنيمة سرير) حزينة بموسيقاها المطردة!) وكان قد قال عن المقطوعة الثانية: (وهانحن منذ المقطوعة الأولى في جو الشعر فالنفس تئن)

يكفي إذن عند الأستاذ (مندور) أن تكون القصيدة لأحد شعراء المهجر، وأن يكون فيها حزن وأنين، لتنال منه الحب والاستحسان! ومرد هذا كما قلت إلى (مزاج خاص) هو إلى الحالات المرضية أقرب فيما أعتقد

هناك عقدتان نفسيتان لعلهما تلتقيان عند عقدة واحدة. فالأستاذ - كما لمحت في أحاديثي القصيرة معه - حاد المزاج، سريع التأثر، شديد الحنين والألفة، وهي صفات إنسانية تحب، ولكنها لا تصلح للناقد ولا يستقيم معها النقد. وهو يقول في إحدى مقالاته:

بلغني أن (أمين مشرق) قد قتلته سيارة بأمريكا، فحزنت وراجعت نفسي في سر ذلك الحزن، وهذا رجل ما رأيته قط، ولا حدثني عنه أحد، وإنما هي مصادفات الحياة ساقتني وأنا طالب، إلى كتاب به مختارات لشعراء المهجر، فتفتحت لنغماتهم نفسي، واصطحبت الكتاب إلى أوربا سنوات، وعدت (بكتابي) القديم كما ذهبت به، وإن تكن جلدته قد ضاعت، وأوراقه الأولى قد تآكلت، وأصبحت لا أعرف له عنواناً. ولكنني أفرغ إليه كلما ضاق الصدر أو عض الألم، فأجد بين صفحاته من عبير الروح ما يحيي الإيمان

(أمين مشرق، بين من يضمهم (كتابي). له فيه صفحات من الشعر والنثر. كم آنست من وحشتي ورفعت من قلبي. إنه صديق قديم)

هكذا كتب الأستاذ (مندور) وأنا (أحب) هذه النغمة منه. ولكني من أجلها لا أثق بأحكامه الأدبية - وبخاصة في الشعر - ومن أجلها كذلك أحذر القراء من الاطمئنان إلى هذه الأحكام!

في (مندور) حنان وألفة، وهو قد (هاجر) إلى أوربا وحمل معه إلى المهجر كتاباً يضم مختارات لشعراء (المهجر) وكان هذا وحده يكفي لأن يحب هذا الكتاب وشعراء هذا الكتاب. ولكنه كان كذلك كتاب الصبا الذي رافقه وهو (طالب)، وجلدته قد ضاعت، وأوراقه قد تآكلت. ولكنه عاد (بكتابه) القديم كما ذهب به، فزاده ذلك إعزازاً لديه وأثارة عنده. وصار يفزع إليه كلما ضاق الصدر أو عض الألم. وكان (أمين مشرق) بين من يضمهم كتابه فاستحق لقب (الصديق القديم) وكان سواه من شعراء المهجر كذلك. فكل منهم إذن هو (صديق قديم)!

ولقد قلت إنني (أخشى أن تكون حادثة ما أو عدة حوادث كامنة في ماضي الأستاذ مندور، تتحكم في نفسه دون شعور) فهذه حادثة من تلك الحوادث التي افترضتها ومن يدري فلعل وراءها من نوعها الكثير!

على أن هناك عاملاً آخر تتأثر به أحكام صاحب (الميزان الجديد)؛ فقد عاد إلى مصر قريباً، ولم يتسع له الوقت بعد ليقرأ الشعراء والأدباء المصريين؛ إذ كان مشغولاً في الوقت القصير الذي تلا عودته بكتابة رسالة يتقدم بها إلى الجامعة. فهو - كما فهمت من حديث سريع معي - كان يحسب الشعر المصري هو ذلك الذي تنشره الأهرام في بعض (المناسبات)، فأصدر عليه حكماً جازماً سريعاً. كما أنه عندما تحدث عن (بيجماليون) لتوفيق الحكيم، لم يكن قرأ كل مؤلفاته فأصدر عليه حكماً جازماً سريعاً. وهكذا كان أمره - فيما أحسب - مع شعر العقاد وشعر سواه: نظرة خاطفة سريعة، وحكم جازم سريع! وليس هكذا يصنع (أصحاب الموازين)!

وبعد فلقد كان اليوم موعدي مع القراء لعرض نماذج من الشعر الهامس الصحيح؛ فمعذرتي إليهم أن الفرغ المتاح قد استغرق كله. والى اللقاء القريب

(حلوان)

سيد قطب