مجلة الرسالة/العدد 517/بيفردج والمرأة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 517/بيفردج والمرأة

مجلة الرسالة - العدد 517
بيفردج والمرأة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 31 - 05 - 1943

َّ

للأستاذ عباس محمود العقاد

قال لي صاحبي وهو يوشك أن يلقى بالصحيفة من يده: وما شأن بيفردج بهذه المسألة؟ ما شأنه بالمرأة وما يقوله الحكماء والشعراء في النساء؟

بيفردج والمشاكل الاقتصادية مفهوم؛ أما بيفردج والمشاكل العاطفية فغريب غير مفهوم، لأنه يبدو للأكثرين في هذه الحالة كمدير المصرف الذي ينظم ديواناً من الشعر على هامش الميزانية! أو كالسياسي الذي يسوق العواطف في خطاب رسمي من خطب الأزمات والمعضلات! وكل ذلك غريب أو (نشاز) كما يقال في لغة الفنيين

كان الذين يعرفون بيفردج قبل هذه السنة يعرفونه قطباً من أقطاب الاقتصاد السياسي ولا سيما في مسألة البطالة ومسائل التأمين الاجتماعي والتموين على الإجمال. فلما ظهر بمشروعه المشهور منذ بضعة شهور ظهر في ثوبه الذي يعهده الناس، وعرفه الأكثرون في أنحاء الأرض كما كان يعرفه الأقلون في البلاد الإنجليزية، رجلاً من رجال الحساب أو الإصلاح المبني على الحساب

أما صاحبي الذي كان يقرأ الصحيفة وأوشك أن يلقيها من يده دهشة فقد خيل إليه أنه يراه في غير زيه ويلتقي به في غير مكانه؛ لأنه رآه في كتاب عجيب صدر قبل ثلاثين سنة ولم يحفل به أحد غير قراء الأدب يومذاك. وهو كتاب جمع فيه المصلح الكبير طائفة مختارة من أقوال الحكماء والأدباء والمفكرين من أقدمين ومحدثين. . . في أي موضوع؟. . . في موضوع لا يتخلله رقم واحد من أرقام الحساب، وهو موضوع المرأة والحب والعاطفة والمناجاة!

قلت لصاحبي: الرجل على حق. . . وأنت المخطئ في هذه الدهشة التي فوجئت بها كما يفاجأ المرء بالمتناقضات. وليس فيها من التناقض شيء على ما أعتقد. بل هي أدل الدلائل على طبيعة الإصلاح المتأصلة في هذا الرجل من أوائل عهده بالاشتغال بالمسائل الاجتماعية، لأنه جمع الإصلاح الاجتماعي من يمينيه وشماله، واحتواه في جميع أحواله وأشكاله. فاهتم بمسألة الرجل والمرأة، كما اهتم بمسألة الفقر والغنى، وهما هما الإصلاح الاجتماعي بحذافيره من قديم الزمان، وفي كل ما تنزل من الأديان أو المذاهب والدعوات العظات التي نسمعها من عشرة آلاف سنة يبدأها الواعظون ويعيدونها من جديد عصراً بعد عصر وجيلاً وراء جيل، على أي شيء تدور وفي أي معنى تقال مع اختلاف الكلمات والأساليب؟ على العلاقات المشروعة أو غير المشروعة بين الرجل والمرأة، على البيوت والآباء والأمهات، على الرحمة والإحسان أو على الإنصاف في توزيع الأرزاق

وهذه هي خلاصة الإصلاح كله، وهذه هي المسائل التي شغل بها صاحبنا بيفردج واهتم بها وهو يلهو في شبابه كما اهتم بها وهو يعالج المعضلات في مشيبه، كأن أعصابه موصولة بأعصاب المجتمع الإنساني فهو يهتدي إلى المواضع الحساسة بإلهام البداهة

وأعجب من إحساسه البديهي بأصول الاصطلاح دقة إحساسه في اختيار الحكماء والشعراء ثم دقة إحساسه في اختيار ما يقولون. فيخيل إليك أنه لا يختار من الحكماء والشعراء إلا الذين لمسوا مشكلة المرأة في حياتهم الخاصة، ولا يقع من كلامهم إلا على الكلمة التي تمثلهم في الصميم

فمن حكمائه تولستوي الفيلسوف الروسي المشهور الذي خانته امرأته فوصف هذه الخيانة في قصة من أشهر قصصه الصغيرة، وراحت امرأته تبرئ نفسها بعد موته فتصدت لها بنته تكذبها وتأخذ بناصر أبيها وترثى له مما لقيه من خيانة أمها

ومنهم رسكن الناقد الفيلسوف الفنان الإنجليزي الذي سرح امرأته بيديه لتتزوج من عشيقها

ومنهم هازليت ملك النقاد في العالم الذي فشل أفجع الفشل في حبه كما فشل في زواجه

ومنهم روسو ورابيليه وسقراط وأمثالهم من حكماء الأمم الذين عرفوا هذا الجانب من الحياة بالذكاء والفطنة كما عرفوه بالخبرة والمحنة، وهم كثيرون

فالفيلسوف الروسي تولستوي يقول: (إن النساء يعرفن جيداً أن ما يسمى حباّ علوياً أو حباً شعرياً لا يتوقف على الفضائل الأخلاقية كما يتوقف على المقابلات الكثيرة، وعلى (تسريحة الشعر) وألوان الملابس وطريقة تفصيلها)

وروسو يقول: (إن الذكر إنما يكونّ ذكراً في بعض أوقاته. أما المرأة فهي أنثى في جميع حياتها أو على الأقل في جميع أيام شبابها. فكل شيء يذكرها ولا يزال مذكراً لها بجنسها)

وهازليت يقول: (النساء لا يعتمدن على التفكير أو القياس المنطقي أبداً، وإنما يحكمن بالغريزة على ما يشعرن به مباشرة ولا يشغلن أنفسهن بالعواقب البعيدة. فإذا فاتهن العثور على الأفكار العظيمة فهن أيضاً لا يتورطن في السخافات الضخمة، وإنما هو العقل وحده - أو القياس المنطقي - الذي يجعل الإنسان مثلاً في أصالة الرأي أو مثلاً في الحماقة)

وشسترفلد الذي كتب رسائله المشهورة إلى ابنه غير الشرعي يقول: (اثنتان من النساء يحسن تمليقهما بوصف الذكاء واللباقة، وهما المرأة التي لا شك في جمالها، والمرأة التي لا شك في قبحها. أما المتوسطات بين الجمال والقبح فهن اللواتي يخدعن بوصف الجمال أو على الأقل بوصف الملاحة)

وهولمز يقول: (الإفراط في قلة الكلام من المرأة التي نحبها خير من الإفراط في كثرة الكلام. فإن الطبيعة تعمل لها وتغنيها عن العمل لمصلحتها وهى ساكتة، ولكنها إذا تكلمت فهي تعمل لنفسها (ولن تدرك في ذلك شأو الطبيعة) والحب على ألسنة الرجال عسير الذوبان فهم يكثرون من الكلام فيه، ولكن الكلمة الواحدة تقولها المرأة قد تذيب منه ما يعجز قلب الرجل عن احتماله)

وديوجين - الكلبي - يقول: (إياك أن تأمن المرأة ولو ماتت!)

أما سيجوس فيقول: (لنكن للنساء منصفين، فإنهن لا يزلن على طول الزمن مصدر العزاء الصحيح لجنس الإنسان. إنهن أقدر منا على الشعور بحاجة من يرونه محتاجاً إلى العزاء)

ويقول رسكن مثله: (في المجتمع الذي يبلغ فيه الرجال والنساء غاية المقدور لهم من الكمال تتولى النساء رسالة الهداية والتطهير. أما في المجتمعات الهمجية أو المتأخرة فهن يعانين الظلم جهرة كأنهن من العجماوات، ثم هن يعانينه خلسة - مضاعفاً - في المجتمعات التي يشيع بينها الفساد والسقوط)

ويعود رابيليه فينقض هذا الرأي وما شابهه حيث يقول متهكماً: (يزعمون أنهم قلما يعثرون بحسناء يقيدها العرف أو القانون بقيد الواجب المفروض)

ويتعرض كولردج الشاعر الإنجليزي غريم نابليون للملكات الفنية في المرأة فيقول: (إن النساء روائيات مجيدات ولكنهن شاعرات مخفقات، وذلك لأنهن يفرقن نادراً - أو لا يفرقن أبدا - بين الواقع والاختلاق)

أصحيح هذا؟ الأمثلة المتواترة أمامنا تدل على أنه صحيح كل الصحة. لأننا عرفنا كثيراً من النساء النابغات في كتابة القصة والرواية، ولم نعرف قط شاعرة عظيمة نبغت في أمة من أمم العالم قديمها وحديثها

فهن روائيات مجيدات وشاعرات مقصرات، ولكن لغير السبب الذي يراه كولردج فيما نرجح، وهو قلة التفرقة بين الواقع والاختلاق أو التأليف

والذي نرجحه أن المرأة تحسن كتابة القصة لأنها مطبوعة على الفضول والاستطلاع والخوض في أسرار العلاقات بين الرجال والنساء والإطالة في أحاديث هذه الأسرار مع الاشتياق والتشويق. وهذا كله هو معدن القصة التي تصاغ منه، وهو جوهر من جواهر الرواية قد يغنيها عن المزايا الأخرى من تحليل وتعليل وإبداع في الوصف والتمثيل

أما الشعر فهو ابتكار واقتدار على الإنشاء، وليست المرأة مشهورة بالابتكار حتى في صناعتها الخاصة بها كالطهي وصناعة الملابس والتزيين

والشعر - وأساسه الغزل - هو وسيلة الرجل لمناجاة المرأة، وقد تعودت المرأة بفطرتها أن تكون مطلوبة مستمعة في هذا المجال. فهي لا تحسن الشعر كما يحسنه الرجل، وعلى هذه السنة تجرى جميع الذكور في أنواع الحيوان حين تسترعى أسماع الإناث بالغناء أو الهتاف والنداء

ولا عجب لهذا أن يخلو تاريخ الإنسان من شاعرات مجيدات بل من شاعرة واحدة مجيدة بغير استثناء في جميع اللغات. وحتى (سافو) الشاعرة اليونانية التي ذاع صيتها في الزمن القديم لا تحسب بين الطراز الأول في الشعراء. وإن حسبت من الطراز الأول فهي في شعرها - المعكوس - تمثل الرجال أكثر من تمثيلها النساء، لأنها كانت تنظم الغزل في البنات

هذه طرائف من الآراء التي حام بينها بيفردج لتصوير المرأة بألسنة الحكماء والشعراء في الأمم كافة. ثم لم يمنعه ذلك آخر المطاف أن يلتمس لها المعونة والعذر والإنصاف. وهكذا تكون رحمة العليم ومعذرة الحكيم

قبل في نقد مشروعه الاقتصادي الكبير أنه لم يأت فيه بجديد ولم يجاوز أن يستقصي فيه ما تقدم من خطط الإصلاح مع قليل من التنقيح والزيادة هنا وهناك ويمكن أن يقال في فلسفته عن المرأة أنها على هذا النحو فلسفة الجمع والتوفيق بين مختلف الآراء

وعلى هذا وذاك يجب أن يقال إنه قد أفاد وأعان على فهم جوانب الإصلاح

ويجب أن يقال بعد هذا وذاك أنه كان مثلاً من أمثلة عدة في الحرب الحاضرة على اتساع آفاق الحياة عند الغربيين. فهم على قدر أعباء الحياة التي ينهضون بها يقابلونها بما يكافئها ويلاقيها في كل ناحية من نواحيها، لا يشغلهم اليوم عن الغد، ولا الجد عن اللهو، ولا العظيم عن الصغير، ولا أحاديث الأزمات والمعضلات، عن أحاديث المساجلة والمناجاة.

عباس محمود العقاد