مجلة الرسالة/العدد 453/نظرة عاجلة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 453/نظرة عاجلة

مجلة الرسالة - العدد 453
نظرة عاجلة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 03 - 1942


في ديوان الشبيبي

للدكتور عبد الوهاب عزام

حسبت، وديوان الشبيبي في المطبعة، أني سأسبق الكتّاب إلى الكتابة عنه حين ينجز طبعه؛ ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه. فقد لبثت حقبة أتربص فرصة بين الأشغال المتتابعة، وأرتقب فترة من المسرعة، وكلما صرفتني الشواغل عن مقصدي أنشدت قول الأنوري الشاعر الفارسي:

أكَر محوّل أحوالِ جهانيان نه قضاست ... جرا مجاري أحوال برخلاف رضاست

ويمكن أن يؤدي معناه في العربية بهذا البيت:

لماذا يخيب رجاء البشر ... إذا لم يكن أمرهم للقدر

وكانت عطلة عيد الأضحى، ودعيت إلى المشاركة في المؤتمر الطبي العربي الذي اجتمع في مدينة أسوان فقلت هي فرصة: أصحب ديوان الشبيبي في القطار كما صحبت ديوان البحتري في سفري من حلب إلى استانبول قبل أربع سنين. ورحم الله أبا الطيب الذي قال: وخير جليس في الزمان كتاب.

عبرت ديوان الشبيبي عبرة وعزمت على أن أبادر بالكتابة عنه حينما أعود إلى القاهرة. ثم سارت الأيام سيرتها، وجرت الأمور مجراها، فإذا شهر ونصف يمضيان من الزمن الطيار الذي قال فيه المعري:

وأصغر كون تحته كل عاَلم ... ولا تدرك الأكوانَ جردٌ صلادم

وقال عبد الحق حامد شاعر الترك الأكبر:

كجمز، صانيرم، بوردز كاري ... سر عتيلدر أو لقدرَ كَذارى

(وترجمته:

ويسرع هذا الزمانُ المرورَ ... إلى أن أُرى أنه لا يمرّ)

ثم تسنت لي جلسة خالية مختلسة من بين المشاغل التي تعبدنا وتستبد بعقولنا وقلوبنا فاستطعت أن أخط كلمات قليلة عن ديوان الشبيبي، وما هي إلا نظرة عاجلة غير شاملة حاولت جهدي، حين الكتابة، أن أتجاهل السيد رضا الشبيبي، وأقدر أنني لا أعرفه وأني أكن له في نفسي وداً وإعجاباً ليتيسر لي أن أزن الكلام بقيمته لا بمكانة قائله. ولكن كان كل بيت تقع العين عليه يذكر بأن بيت الشبيبي تتمثل فيه الأديب الوقور جالساً جلسته، متحدثاً حديثه؛ فلم أستطع أن أخادع نفسي عن الشبيبي ساعة واحدة أصف فيها الديوان. قلت لنفسي كيف الحكم وقد قال النقاد ينبغي ألا يكون لمعرفة الإنسان وميله أثر في حكمه؟ قالت: قد حكمت ولم تشعر. قلت كيف؟ قالت: ألست تقول إن كلام الشبيبي يذكر به، ويصدق الحديث عنه؟ وخير الكلام ما شف عن صاحبه ومثله لقارئه.

- 1 -

يفيض قلب الشبيبي بحب قومه العرب، وينطق شعره بالغضب لهم والتوجع لما أصابهم والفخر بماضيهم والثقة بمستقبلهم. وحسبك بقصيدته القافية التي يتناشدها أهل الشام:

ببغداد أشتاق العراق وإنني ... إلى الكرخ من بغداد جمُّ التشوق

فما أنا في أرض الشام بمشئم ... ولا أنا في أرض العراق بمعرق

هما وطنٌ فرد وقد فرقوهما= (رمى الله بالتشتيت شمل المفرق)

وشد ما يعجبني ويطربني قوله فيها:

وما الأرض - لولا أربُع عربية - ... سوى عطنٍ بالعبقرية ضّيق

وقد ذكرني قوله في حلوان العراق:

فيا ليتها كانت رباً عربية ... مكرّمة منهن رضَوى وثهلان

بقصيدة أبي الطيب في شعب بوان حينما افتقد وجه العربي ويده ولسانه ثم قال:

ولو كانت دمشق ثنى عناني ... ليبقُ الثرد صينيّ الجفان

وكذلك يذكر بأبي الطيب قوله:

وافت عجائبُ أجيال وأعجبها ... إذا تأملت، جيلٌ عُربه عجم

واقرأ قصيدته: (دمشق وبغداد)، وقف على هذا البيت الذي فاضت فيه أنهر العرب الأربعة:

برَدَى وأودية الفرات ودجلة ... والنيل غصَّ بمائكِ الوُراد

ويتبين الإباء العربي حتى في غزله:

تعفّف بعد العجز قوم فما حكموا ... خلائق أقوام متى قدروا عفّوا وأشقى الهوى ما كان غاية أهله ... وُعقباهم منه الخلاعة واللهوا

ومن خير ما يقرأ في هذا قصيدته الحب الطاهر.

- 2 -

وأما العراق فقد وهبه الشاعر عقله وقلبه. ما يذكره إلا يجب قلبه ويفيض دمعه، أو تثور نفسه، حزنا لما يرى وطموحا إلى ما يبقى له من العزة والسؤدد والسعادة:

أي دمع يفيض من أي مقله ... لوقوف بين الفرات ودجلة

ما أخال الخرير والماء إلا ... صوت حزن وعبرة مستهلة

يا خليلي إن تشاءا أسعداني ... في شجوني فالخل يسعد خلَّه

عللاني بذكر نهضة قومي ... قبل ألا أرى لقلبي تعلّه

أين ذاك العراق؟ أين بنوه؟ ... ليتهم أبصروا العراق وأهله

وقوله:

نظرت بني الدنيا فأصررت أنها ... على الشر لا تنفك تجري النحائت

هم أضمروا حب المظالم فاستوت ... دخائلهم والظاهر المتفاوت

سوائم يرعى بعضها دم بعضها ... شتاتاً وهل تحمى السروح الشتائت؟

- 3 -

وللأستاذ الشبيبي نظرات في الحياة تعرب عن ضيقه بها وانقباضه وارتيابه في الناس، وتذكر أحيانا بأبى العلاء المعري:

من الناس خافي أيها النفس واحذري ... ولا تأمني إن المخافة في الأمن

وكأنك تقرأ للمعري حين تقرأ القطعة التي سماها (من لزوم ما لا يلزم):

حياتي هذه ليل ... إذا متّ غدا يُجلى

وما آسى على شيء ... من الدنيا وإن جلاّ

- 4 -

وللأستاذ شعر فلسفي يسمو إلى النظر العالي في الكون والإبانة عن جلاله وجماله. اقرأ قصيدته على ضفاف دجلة: يد لدجلة عندي لست أجحدها ... إلا إذا جحدت سلسالَها الهِيمُ

حلقت ليلة تعريسي بشاطئها ... ألا يميل برأسي عنك تهويم

إذ كل زمزمة في الكون هينمة ... بل كل ما فيه تغريد وترنيم

لي في الرياض إذا أمْرَ عن فلسفة ... وحكمة ملء مرآها تعاليم. . الخ

وبعد فقارئ ديوان الشبيبي يمر بصور صادقة، صور إنسانية عالية وأخرى قومية رائعة. ويرى من آمال الحياة وآلامها، وسعادتها وشقائها، وجمالها وقبحها، ما يحسن الشاعر الإبانة عنه، ويصدق التصوير فيه، حتى تحسب خياله حسا ومجازه حقيقة.

والخلاصة أن شعره يصدق قوله في الشعر:

إذا أنت كابرت الحقيقة عبَّرت ... فصاحة قُسّ عن فهاهة باقل

إذا قلتُ إن الشعر بحر غبنته ... متى يستقيم البحر من غير ساحل؟

قرائحنا منه بحور خضارم ... ومنها - إذا جربت - رشحُ الجداول

وأجمع أقوال الرجال أشدها ... معان كبار في حروف قلائل

ولله ما أبصره بالشعر الحر العالي حين يقول:

ما من بصير بحق الشعر يحفظه ... كن شاعر الوقت أو كن شاعر الزمن

زن قبل لفظك معنى البيت تُنشِئه ... فرُبَّ بيتٍ بمعنى غير مُتزن

ولعل لنا نظرة أخرى شاملة مفصلة في الديوان إن شاء الله.

عبد الوهاب عزام