مجلة الرسالة/العدد 438/فضل الصفر على المدنية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 438/فضل الصفر على المدنية

مجلة الرسالة - العدد 438
فضل الصفر على المدنية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 11 - 1941


للأستاذ قدري حافظ طوقان

قد يعجب القارئ الكريم من هذا العنوان. وقد يتبادر إلى ذهنه أسئلة عديدة؛ ما علاقة الصفر بالمدنية؟ وهل للصفر قيمة ليكون له أثر في تقدم المدنية؟ أليس الصفر صفراً يعني الفراغ والعدم؟ إذن فكيف يوضع هذا العنوان ويصرف له بعض الاهتمام؟

ولكن مهلا. . . لقد فكرنا في هذا الموضوع، ورجعنا إلى الكتب الرياضية وغير الرياضية، فتبين لنا أن للصفر خصائص وأفضالا. وما يكون لنا أن نقتحم هذا الموضوع لولا أن البحث قادنا إلى ذلك. وفي هذا المقال سنحاول تباين الفوائد التي تجنيها المدنية من الصفر، كما سنأتي على التسهيلات التي قدمها للبحوث الرياضية وغير الرياضية، والتي لولاها لما تقدمت العلوم الرياضية تقدمها المشهود، ولما استطاع العلماء أن يتقدموا بالجبر خطوات واسعة، وبالتالي لما استطاعوا أن يتقدموا بالتي تعتمد على الرياضيات في كثير من مباحثها كالفيزياء والفلك والكيمياء.

نبذة تاريخية

وقبل ذكر شيء عن الصفر وخصائصه وفوائده نرى أن نذكر أولاً نبذة عن تاريخ الترقيم واستعمال الصفر. إن النظام الذي نتبعه الآن في الترقيم مبنيّ على أساس القيم الوضعية، وبواسطته يمكن ترقيم جميع الأعداد وإجراء الأعمال الحسابية بسهولة كبيرة. ولقد بقيت الأمم في القرون الخالية كالمصريين والبابليين واليونانيين وغيرهم محرومة من هذا النظام؛ وكانوا يجدون صعوبة في إجراء الأعمال الحسابية، حتى أن عمليتي الضرب والقسمة كانتا تقتضيان جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً. ولو قدّر لأحد علماء اليونان من الرياضيين أن يبعث فقد يعجب من كل شيء، ولكن عجبه يكون على أشده، إذ يرى أن أكثر سكان الأقطار في أوربا وأمريكا يتقنون عمليتي الضرب والقسمة ويجرونها بسرعة ودون عناء.

ولما نهض العرب نهضتهم العجيبة ودوّخوا أكثر أقطار المعمورة، اتصلوا بالهند فاقتبسوا منها الأرقام الهندية وقد قدروا النظام الترقيمي عندهم (عند الهنود) ففضلوه على حساب الجمل الذي كانوا يستعملونه قبلاً. ومن الغريب أن في بلاد الهند أشكالاً متنوعة ومخت للأرقام، ولكن العرب بعد أن اطلعوا على أكثر هذه الأشكال كونوا منها سلسلتين عرفت إحداهما باسم (الأرقام الهندية) وعرفت الثانية باسم (الأرقام الغبارية). ففي بغداد والجانب الشرقي من العالم الإسلامي عم استعمال الأولى أي الأرقام الهندية، وهي التي لا تزال شائعة ومستعملة في بلادنا. وشاع استعمال الثانية، أي الأرقام الغبارية في القسم الغربي - في الأندلس وأفريقيا والمغرب الأقصى - وهذه الأرقام هي المستعملة الآن في أوربا والمعروفة باسم الأرقام العربية ولم يتمكن الأوربيون من استعمال هذه الأرقام في الأعمال الحسابية إلا بعد انقضاء قرون عديدة من اطلاعهم عليها، أي أنه لم يعم استعمالها في أوربا والعالم إلا بعد انتهاء القرن السادس عشر للميلاد

ولم يفطن أحد قبل الهنود إلى استعمال (الصفر) في المنازل الخالية من الأرقام؛ وقد أطلقوا عليها لفظة (سونيا) ومعناها (فراغ) واستعملوا النقطة (.) لعلامة الصفر؛ وقد أخذها العرب عنهم واستعملوها في معاملاتهم. ويقال إن الهنود لم يلبثوا أن عدلوا عن استعمال النقطة وأخذوا يكتبون الصفر بصورة دائرة

فوائد الصفر

مما لا جدال فيه أن نظام الترقيم الذي نعرفه والمنتشر بين أكثر أمم الأرض هو من المخترعات الأساسية القيمة ذات الفوائد الجلّى التي توصل إليها العقل البشري، وهذا النظام لم ينحصر - كما لا يخفى - في تسهيل الترقيم وحده، بل تعداه إلى تسهيل جميع أعمال الحساب. ولولاه لما رأينا سهولة في الأعمال الحسابية، ولاحتاج المرء إلى استعمال طرق عويصة وملتوية لإجراء الضرب والقسمة. ومما لا شك فيه أيضاً أنه لولا الصفر واستعماله في الترقيم لما فاقت الأرقام العربية والهندية غيرها من الأرقام، ولما كان لهما أية ميزة، بل لما فضلتهما الأمم المختلفة على الأنظمة الأخرى المستعملة في الترقيم. والنظام المستعمل والشائع الآن يقضي بجعل قيمة الرقم تتغير بتغير منزلته، أي أنهم أوجدوا منازل للأرقام تكسب الرقم الواحد قيماً مختلفة إذا نقل من منزلة إلى أخرى؛ فالرقم الذي على اليمين يدل على الآحاد، والذي يليه على العشرات، والذي يليه على المئات، وهكذا. . . وإذا أردنا أن نكتب العدد (ثلاثة وأربعين) فإننا نضع الثلاثة في المنزلة الأولى، أي منزلة الآحاد والأربعة في المنزلة الثانية، أي منزلة العشرات. وهنا نجد أن الثلاثة دفعت الأربعة إلى المنزلة الثانية إلى اليسار وأعطتها قيمة الأربعين. ولكن إذا أردنا أن نكتب بالرقم العدد (أربعين) فمعنى ذلك أنه علينا أن نجد رقماً يدفع الأربعة إلى المنزلة الثانية إلى اليسار. وبذات الوقت لا يزيد في المجموع شيئاً، ومن هنا استعمل الصفر ووضع علماء الهند علامة لتملأ المرتبة الخالية، فجاءت مكملة لطريقة كتابة الأعداد بالأرقام

وللصفر فوائد أخرى هي من عظم الشأن في مكان عظيم لا يقل خطرها عن التي ألمعنا إليها؛ فلولاها لما استطعنا أن نحل كثيراً من المعادلات الرياضية من مختلف الدرجات بالسهولة التي نحلها بها الآن. ويمكن القول بأن الرسم البياني لم يتقدم خطواته الواسعة إلا باستعمال الصفر. والرسم البياني من أهم البحوث الرياضية، وعليه ترتكز الهندسة التحليلية، وحلول كثير من المعادلات الصعبة، بل هو الركن الأساسي للموضوعات التي تحتاج إلى استعمال علم الإحصاء. وهل تقدمت المثلثات تقدمها المعروف إلا بمعادلاتها؟! وهل يستطيع الرياضي أن يتقدم خطوة في حلها إلا إذا استعمل إشارة (الصفر)؟!

قد يدهش القارئ إذا قلنا إن حساب التمام والتفاضل لا يستغني في بحوثه عن استعمال الصفر، بل إن الصفر عامل مهم جداً في تسهيل حل كثير من مسائله العويصة الصعبة. وعلى كل حال يمكن القول بأن (الصفر) ضروري ولازم في البحوث الرياضية الحديثة والعالية، إذ جعل كثيراً من الأوضاع والمعادلات قابلة للحل غير ملتوية المسالك يمكن الأخذ بها والاستفادة منها، واستعمالها في فروع المعرفة من فلك وطبيعة وكيمياء وهندسة وما يتعلق بهذه من صناعة وفن

علاقة الصفر بالمدنية

ألا تشاركني أيها القارئ في الإعجاب بالأرقام التي نستعملها ويستعملها الأوربيون وبالنظام الذي يستولي عليها؟ أليس عجيباً ومثيراً للدهشة ألا تجد أقل صعوبة في كتابة أي عدد شئت - مهما كان كبيراً - من أرقام لا يتجاوز عددها عدد الأصابع؟ ألا ترى معي أن هذه الأرقام العجيبة قد سهلت الأعمال الحسابية كثيراً؟! ألا تعتقد أنه لولاها لما تقدمت المعاملات التجارية تقدمها الحاضر، ولولاها أيضاً لوجدنا صعوبة كبيرة جداً في إجراء أبسط الأعمال في الضرب والقسمة!! أرجح أن كل هذا معروف لديك وتوافقني عليه، ولكن قد يزيد عجبك إذا علمت أن إشارة (الصفر) هي التي أوجدت أكثر التسهيلات التي تراها في الترقيم، وهي التي أعطت بعض الخصائص الممتازة للأرقام. لقد ظهر لك المقام العالي الذي يشغله (الصفر) في البحوث الرياضية، وأنه عامل مهم في ترقيتها وفي تسهيل الصعب منها، ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنه لولا الصفر لما تقدم العلماء تقدمهم الغريب في العلوم الرياضية. وهنا قد يحلو للبعض أن يتساءل ويقول: قد يكون للصفر هذا المقام في الرياضيات، وقد يكون له هذا الأثر الكبير في ارتقائها؛ ولكن ما علاقة ذلك بالمدنية؟ وهل المدنية تقوم على الرياضيات؟!

وجواباً على هذا السؤال، ليسمح لنا القارئ أن نعطي الجواب أولاً فنقول: نعم، إن المدنية في أساسها وجوهرها ترتكز على العلوم الرياضية.

إن كل فرع من فروع المعرفة يتقدم ويتناوله التغيير والتبديل، وكلما اقترب من الأرقام زاد دقة في التعبير ونحا نحو الكمال ونحو الذروة في الحقيقة. قال كانت (يكون العلم دقيقاً إذا استعمل العلوم الرياضية في بحوثه) ولم يستطع العلماء أن يستفيدوا من بحوث الضوء ومن انكسار النور إلا بعد أن أفرغوا قوانين الانكسار في قالب رياضيّ، وبذلك استطاعوا أن يستعينوا بالمعادلات والأرقام في العدسات التي تستعمل لإصلاح عيوب العين

إن علمي الفلك والفيزياء وصلا إلى درجة كبيرة من الدقة والكمال، وما ذلك إلا بفضل الأرقام والمعادلات. جرد هذين العلمين من رياضيتهما بل جرد الكيمياء الحديثة من معادلاتها وقوانينها وحينئذ لا يبقى إلا تعريفات ومبادئ لا يمكنك بحال من الأحوال أن تستفيد منها أو أن تطبقها فيما يعود على البشرية بالنفع والخير. ولن يستطيع العالم مهما كان قوي العقل خصب الفكر أن يقف على أسرار الطبيعة والكون. ولن يستطيع الغوص في بحارهما ليقف على كنوزهما وعجائبهما إلا إذا ألمَّ بالرياضيات وكانت عنده خبرة بها، وأن الكيمياء الحديثة لفي حاجة إلى الرياضيات حاجتها إلى التجربة والاختبار، وناهيك بالكيمياء فهي الأساس الذي شيد عليه صرح الصناعة في هذا القرن وجعلها تزدهر هذا الازدهار العجيب. إن هذا العصر لهو عصر الهندسة وعصر الآلة، وكل هذه في حاجة إلى الرياضيات ولا يمكن الاستفادة منها أو تطبيقها على مقتضيات العمران إلا بذلك. قال البروفسور فوس (إن مدنيتنا التي ترتكز على الاستفادة من الطبيعة والسيطرة على عناصرها مبنية على أسس العلوم الرياضية)، والهندسة وأنواعها والملاحة والصناعة كل هذه تحتاج إلى الرياضيات، ولا يمكنها أن تستغني عنها، بل إن أسس إنشائها تقوم على الأرقام والمعادلات. وما يقال عن هذه يمكن أن يقال عن علوم أخرى إلى حد ما، فإن هذه كلما تقدمت واستطاعت أن تدخل الأرقام في بحوثها اقتربت من الدقة والكمال. فالعلوم على اختلافها إذا اقتربت من الكمال فإنها لا بد محلقة في سماء العلوم الرياضية، وفي جو من الأرقام والمعادلات

ومن هنا تظهر لنا الفوائد التي تجنيها المدنية من العلوم الرياضية وفي استعمالها في العلوم والفنون الأخرى، وقد ظهر أيضاً كيف أن الحضارة الصناعية مبنية على أسس من الأرقام والمعادلات، وقد سبق أن أبَنَّا مكانة الصفر في العلوم الرياضية وفضله في تسهيل المسائل والأعمال، ومن هذه النقطة يتبين للباحث فضل الصفر على المدنية والصناعة

وقبل الختام أود أن أوجه نظر القارئ إلى أني أخشى أن يُساء فهم هذا القول فيظن أن الصفر هو الكل في الكل في العلوم الرياضية وبالتالي في المدنية، ومع استبعادي لذلك أرغب في القول بأن الصفر - ولا شك - عامل مهم في البحوث الرياضية لا يستغني عنه، وهو لازم وضروري لها ولتسهيل المعاملات والأعمال الحسابية، وينتج من ذلك إلى أنه عامل مهم في الصناعة والأعمال الإنشائية التي تحتاج إلى استعمال الأرقام والمعادلات. فاعجب لصفر يشغل هذا المقام السامي وتجني منه الحضارة فوائد هي أعظم جانب من خطر الشأن

(نابلس)

قدري حافظ طوقان