مجلة الرسالة/العدد 420/جيل وجيل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 420/جيل وجيل

مجلة الرسالة - العدد 420
جيل وجيل
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 07 - 1941


إلى أين يسير الإنسان!

للأستاذ محمود البشبيشي

- 5 -

التعليل الروحي قيد الشخصية - التعليل العملي مطلق للمجموع - الميول والعواطف العامة تعمم التعليل الروحي - والتأمل الخاص يخصصه - الحيوان والتجربة! - التعليل الروحي والعملي والفكر الأدبي

. . . نصل نقاشنا اليوم بصورة من اتجاهات ولدنا الأديب (حسين) الفلسفية، فلا سبيل إلى إرضاء هذه الفورة الفكرية إلا بتشريح خواطرها المتدفقة، تشريحاً لا تنزل صوره إلا بمنزلة اليقظات الحسية، والأقباس الفكرية اللماحة

وحديث اليوم نسيج وحده، وجدت في مسايرته نشوة الفكر الحر إذا انكشفت أمامه مخبآت الفكر الإنسانية. . . ورأيت من الخير أن أتابعه إلى أقصى حدود المتابعة، وأتنقل معه من شاطئ فكر إلى شاطئ فكر، لأسبر غور اليقظة الحسية والفكرية في عقل متوثب من عقول الجيل الجديد، ولأرى كيف يمكن عقد صلة بين حياتنا الفكرية وبيننا

ولقد رأيت الكثير وعلمت الكثير ودفعني هذا العلم والتأمل إلى مواصلة النقاش، ففيه نشوة روحية ولذة فكرية ونوع من التعبير جديد عامر بنفائس المعاني وكرائم الاتجاهات، لا يمله القارئ الراغب في التسلية، وتجد فيه العقول الراجحة الوزينة أطايب وأطايب

- لاشك يا بني أن الإنسان بما ركب فيه من أحاسيس ومشاعر، وما اختص به من عقل متأمل له القدرة على تفهم ما يدور حوله وما يضطرب في أيامه من تغيرات معنوية ومادية. . . ولا شك أن قدرته على تفهم دقائق الأسرار تختلف كل الاختلاف وتتفاوت كل التفاوت تبعاً لقدرة الفرد على التغلغل في ظلمات الفكر، والتأمل في بدياتها ونهايتها، وإدراك الصلة بين هذه البداية وتلك النهاية. . . ثم تبعاً للقدرة على التعليل والوصول إلى النتائج

وكما اختلف الإنسان في جوهر العقل كان اختلافه في كل ما يصدر عن العقل وما يترتب على نتائجه

- جميل هذا، ولكني أعتقد أن مظهر التعليل أهم مظاهر الفكر التي يقع بينها التفاوت، بل إني لأعتقد كل الاعتقاد أن للتعليل الخطر الأكبر في كل ما تقوم عليه الحياة الفكرية والعلمية، يظهر أثره في الشروع في العمل وفي حالة القيام به، ويبدو واضحاً فيما تتكشف عنه النتيجة. . .

ففي استطاعة كل إنسان أن يشعر بوجود ما يثير التفكير من موضوعات معنوية أو مادية، خاصة أو عامة، طبيعية أو غير طبيعية، ذلك لأن جوهر العقل المدرك مشترك في المجموع.

ولكن التفاوت قد يقع، بل لا بد أن يقع فيما وراء مرحلة الإدراك من تصرفات فكرية، كشعور الإنسان بإحساس خاص نحو موضوع اعتراضه، أو رغبته القائمة على هذا الشعور في سلوك مسلك خاص نحو هذا الموضوع؛ وكما وقع الاختلاف في مرحلة الإحساس الخاص والسلوك الخاص يحدث في القدرة على التعليل لأن هذه المرحلة تصل معاني الإحساس الخاص والسلوك الخاص يحدث في القدرة على التعليل لأن هذه المرحلة تصل معاني الإحساس بمعاني ووسائل السلوك

- حسن هذا يا بني، وجميل أن نتأمل (التعليل) تأملا أوسع نطاقاُ، ونحاول أن نستشف أسراره. . . عرفنا سر اختلافه فما هي صوره؟ وإلى أي مدى تتأثر الحياة بتلك الصور؟ ورأى مظهر من مظاهره أجدى على المجتمع؟

التعليل نوعان: تعليل روحي وتعليل عملي. أما الروحي، فهو وليد الفكر، يسير على ضوء أقباسه وتكون نتائجه صوراً فكرية أساسها التصور والتخيل؛ والعملي وهو في حقيقته صورة لتعليل روحي انطلقت من قيود التخيل والتصور ووجدت الوسيلة القادرة لتتجسد بالعمل أو بالقياس، ووسيلة الإتقان في العمل والصدق في القياس هي التجربة

- وعندي يا والدي أن التعليل الروحي قيد من قيود الشخصية! لأنه مختلف متفاوت، ومن اختلافه وتفاوته تتميز الشخصيات

فهذا رجل قاتم الروح، تخرج نظراته إلى الأشياء من ألوانها القاتمة، فما من فكرة له وعمل إلا وفيه صورة من صورها، وإنه لسالك السبيل حتى يصبح سمة يعرف بها ولون تتكون منه شخصيته، وباختلاف ألوان الروح تختلف الشخصية

ولما كان التعليل صورة من صور الروح والعقل، ومظهراً من مظاهر الشخصية، كان طبيعياً انه إذا اشتد وتمت له الغلبة على الشخصية نفسها، وعلى سائر مكوناتها، أو تخطى حدود التوازن بينه وبينها. . . انتقل بالإنسان من قيد الشخصية الفردية إلى أفق الإنسانية العامة. . . فإذا به قد صب في قوالب من صور المجتمع، واستطاع أن يغالب نوازع النفس الفردية بعد أن كان الحكم والغاية فيه للتصور والتخيل والذوق الخاص، لا للميول الاجتماعية والخير العام

- رأيتَ يا بني أن التعليل الروحي من مكونات الشخصية، وإنه في أول أمره يكون من سمات الفردية، فإذا تمت لها الغلبة على سائر مكونات الشخصية، انتقل بها من نطاق الفرد ومنافعه الخاصة إلى أفق المجموع ومنافعه العامة، هذا حق ولكن يحسن أن نجلي عنه قليلاً فنقول: إن التعليل الروحي إذا غلب عليه التأمل الخاص أصبح صاحبه محباً للأثرة؛ أما إذا مسه شعاع من أقباس الميول العامة والعواطف، كان طريقاً ممهداً إلى مسايرة منافع المجتمع الإنساني وملابسة تقلباته وتطوراته، أو كان سبيلاً إلى معارضة تلك المنافع ومحاربتها. . .!

فهذا رجل نبيل الروح تظهر روحه النبيلة في مظاهر تعليله، ويقف تأثيرها في أول الأمر أو في حالة التوازن بينها وبين شخصيته عند منفعته الخاصة. إما إذا قهر هذا التعليل الروحي النبيل سائر مكونات شخصيته جعل منه صحاب ميول اجتماعية إنسانية سامية؛ فهو بما فطر عليه من نبل يعمل على إسعاد المجتمع وتقويم أوده. . .

وذاك رجل غلفت روحه بالأثرة والطمع، وطغى ذلك على مذاهب تعليله؛

فهو يتخبط في ظلمات أثرة محدودة بأطماع مقيدة في أول أمره؛ ثم إذا تمت الغلبة لتعليله الروحي وقهرت شخصيته، انطلق انطلاق الطائر الحبيس تفتحت أمامه آفاق السماء، فراح ينتهب من هنا وهناك، ويحلق هنا وهناك، وكان في جميع أموره مقدماً منفعته، معارضاً الخير العام

- وأرى يا والدي أن التعليل العملي سبيل من سبل إسعاد المجتمع. فما كانت الآلات ووسائل العلاج المختلفة إلا وليدة تعليل عملي، تأمل في أحوال الكون، وقارن بين ما فات وما هو آت، وربط التجاريب القديمة بالنظرات الحديثة، ووقف عند كل ظاهرة من ظواهر الحياة وقفة الفكر العملي الذي لا يقنع بزاد التخيل، ولا يرضى بعتاد التصور!

ولقد كان الإنسان في فجر أيامه تيهان هائماً، وكان موقفه من مشكلات الأمور موقف العجز المطبق أو القدرة المقيدة تغيم الدهشة في رأسه إذا طوقته الحادثات، وتضطرب الحيرة في فكره إذا بدهته الملمات!

كل أعماله تنم عن نقص في التدبير، وكل تصرفاته تدل على قصور في التفكير، وما من طريق سلكه إلا هتك عن جهل بمغالبة الأمور

ولقد ظلت أموره إلى عهد غير بعيد مشدودة إلى ماضيه بقيود من المنافع الخاصة والنظرات الروحية! أما اليوم فقد تحول تحولاً كبيراً، وانقلب انقلاباً خطيراً. . .

أفلم يساير الزمن في تقلباته، ويلابس التقدم العقلي في تصرفاته؟ أو لم يناوص ويصاول حتى أدرك أسراراً لم يكن ليستشفها إلا الفطن الذي تحفزه فكرة وعقيدة؟!

ولقد ملك اليوم ناصية فكرة وعقيدة مهما يكن مكانها من الخير أو الشر فهي من علائم اليقظات الحسية! وجماع القول في تدرج الإنسان، ومسايرته للزمن، وملابسته للتقدم العقلي، إنه كان روحي التعليل فاصبح عملي التعليل، وانتقل من لا نهاية التخيل والتصور إلى حدود التجربة والعمل

وكان في انتقاله هذا إدراك لما لا يناله غوص التخيل وتحقيق لما لا يسبر غوره تغلغل التصور، ولم يعد الإنسان ذلك المكدود المجهد اللاغب المدلج الحائر

ولكن هذا التطور جلب شراً خطيراً كما حقق خيراً كثيراً

وأكبر الظن أن الإنسان سيظل مندفعاً في سبيل التعليل العملي وحده والتجربة خاصة، حتى يصل إلى غاية تنقلب فيها الأمور إلى أضدادها! وما ذلك ببعيد. وهل كانت هذه الحرب الضروس إلا صورة لفساد المذهب التجريبي العملي التعليل؟

تلك صور الإنسان، فما صور الحيوان؟ عندي أن الحيوان عملي التعليل يسير على ضوء التجربة وينهج نهج الخبرة السابقة، فكل أعماله غير الغريزية لا تكمل صورها إلا بالتكرار والتجربة ولذلك الاعتقاد عندي علل وأسباب

فهو محروم من التعليل الروحي الكامل المعاني، لحرمانه من صور العقل الكامل وهذا أمر لا يحتمل الجدل؛ ثم هو عاجز كل العجز عن ملائمة نفسه بالبيئة التي تحيط به، والقدرة على الملائمة من قواعد الحياة الثابتة، التي تقوم على ضوء أقباس العقل الكامل، وإشعاع التعليل الروحي!

ثم إني لألمس هذا القصور عن بلوغ مواطن التعليل الروحي عند الحيوان، حتى فيما يرتكز على غرائزه الثابتة؛ فهذا حيوان يأكل العشب الأخضر، تراه يلتهم ما أمامه بغير تأمل، فهو لا يميز بين الضار وغير الضار، لحرمانه من التعليل الروحي؛ ولكنه بالتكرار والتجربة، يستطيع أن يدرك أن هذا النوع الذي أصابه منه ضرر جدير أن يبتعد عنه، وهو حتى في هذه الحال بطيء الإدراك، بطيء الفهم لوسائل التكرار والتجربة، فلو غيرت ظروف البيئة الأولى لوقع فيما وقع فيه أولاً!

أما أثر التعليل الروحي في الأدب فيبدو واضحاً جلياً في خطرات النفوس الشاعرة، ونظرات القلوب الفنانة الساحرة، وإنه ليكون اكثر وضوحاً في نفاث الشعراء الغزليين، ونغمات الكتاب الوجدانيين، وفي كل أثر من أثار الفكر السابحة في سماء من الخيال المجنح الذي لا يعرف القيود، ولا يعترف بالحدود! ومثل هذا التعليل لا يقوم إلا على التصور والتخيل، فهو من شواهد اليقظة الروحية، ولكن أثره لا يمتد إلى آفاق التعليل العملي، القائم على التجربة والقياس، وإن كان أصحابه من الشعراء والكتاب يحلقون في سماء الخلود الفكري. فغاية التعليل الروحي تغلب عليه الشخصية وتكسوها الفردية. فالشاعر الوجداني إنما يُشرح خواطر قد انبعثت من تقلبه في غمرات من الآلام الخاصة، واضطرابه في طوارق من الأوجاع والأسقام، فأثاره مقيدة بقوة تأثير ما يضطرب في حياته

والشعراء والكتاب الذين ينهجون نهجاً وسطاً بين الروحي والعملي هم بناة صروح الحياة، فما كانت الإنسانية في حاجة إلا للثبت الذي يستطيع المجانسة بين قوة التعليل الروحي وانطلاقه وقوة التعليل العملي وقدرته، وخير المصلحين من جمع بين فلسفة الفكر وفلسفة العمل والتجربة

- رائع هذا يا ولدي ولكني أميل إلى جعل التعليل الروحي شديد الصلة بالشعر وسائر أنواع الفنون كالرسم والنحت والموسيقى، فما سمعت مرة قطعة موسيقية روحية إلا وأحسست بأنغام سماوية تكاد ترتفع بي من عالم الأرض إلى عالم السماء، وتطهرني من معاني التراب الحقيرة، وتكسوني معاني الروح التي لا تعرف الحدود. . .

ويا سحر الشعر الروحي الوجداني. . . يا سحره!

استمع إلى المعاني كيف تنطق وكيف تتراقص من سحر الفن ونور الروح وشفافية الوجدان! تأمل الألوان النفسية الساحرة تسطع من أزاهير قول الشريف الرضي:

أينعت بيننا المودة حتى ... جللتنا والزهر بالأوراق

نحن غصنان ضمنا عاطف الوج ... د جميعاً في الحب ضم النطاق

في جبين الزمان منك ومني ... غمرة كوكبية الائتلاق!

وتأمل قول القائل وقد فاض به الوجد:

أيامنا جدول والحب زورقنا ... هيهات يحفل بالأمواج ترتطم!

لا يدرك القلب ماضينا وحاضرنا ... وفي نعيم الهوى أيامنا عدم

نعيش في عالم ألوانه حُلُم ... في شارد من خيال الفن ترتسم

قد كان صفو الهوى دنيا منمقة ... وكان في بهجتينا الحب يبتسم

ولّى فيا لوعة ألقت بعاصفة ... على فؤاد ترامت حوله الظلم!

وانظر قول الشاعر:

حدثتني الرياض عن لفتاتك ... وحكت لي النجوم عن لمحاتك

وطيور الغدير بحت من الشدو (م) ... بلحن الجمال من صدحاتك

وسمعت الأمواج تهمس للشط (م) ... حديث المجنون عن قسماتك

وضمير الجمال جن من الوجد (م) ... وذاب الهوى على زهراتك

اذكريني يَعُدْ ضميري للنور (م) ... ويحيى الفؤاد في ذكرياتك!

ويا سحر قول الشاعر محمد عبد الخالق الجبار يصف الشباب:

أنغامه الأيام وقعها الهوى ... والصمت من أصدائها تغريد!

ملك على عرش المعاني جالس ... من حوله للساريات عبيد!

إطراقة التاريخ حول جبينه ... تكبيرة يجثوا لها داود!!

محمود البشبيشي