مجلة الرسالة/العدد 420/القيم الأخلاقية في الآداب الإنجليزية المعاصرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 420/القيم الأخلاقية في الآداب الإنجليزية المعاصرة

مجلة الرسالة - العدد 420
القيم الأخلاقية في الآداب الإنجليزية المعاصرة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 07 - 1941


للدكتور توماس جرينوود

أستاذ الفلسفة بجامعة لندن

لأجل أن نقف على وجهة النظر الأخلاقية في كتاب الإنجليز الحديثين يجب أن نعرف تلك الميول العامة التي دفعتهم إلى تلك الاتجاهات الجديدة وجعلتهم يثورون على نظم وتقاليد العصر الفكتوري. فإن عظمة الحكم الفكتوري قد انعكست في ذلك الإلهام الذي ألهم كتاب العصر ما كتبوا عن الفكرة العامة عن النظام والوجهة المنظمة للعالم، واحترام التقاليد، والخضوع للقانون الأخلاقي، واحترام الفضيلة والتسامي بها، وعدم ذكر الرذيلة إلا للتشهير بها، اللهم إلا بعض الكتاب الثائرين (كسوينبرن) الذي كان أوسع حرية في الأخذ بتلك الآراء. إن رسوخ الأخلاق في الآداب الفكتورية قد اختفى تماماً في الكتاب المعاصرين لأسباب منها الحرب العظمى، والنزعات العلمية والاجتماعية والاقتصادية الحديثة، وتدهور القيم الأخلاقية العامة، واتخاذ كل شيء شكلا جديداً

فكان (شو) و (ولز) كبار الرواد الذين سخروا من العصر الفكتوري وهدموا أسسه الأخلاقية. أن الضرر الذي لحق ذلك العصر من جراء هذين الكاتبين لا يوازن بتلك الأفكار الخيالية المثالية التي جاء بها ولز. وكان من آثار هذا الهدم العنيف أن ترك الجيل الجديد بدون مرشد، وأصبح يتعثر في سيره ويتخبط في عمائه واضطرابه. وهذا أوضح ما يكون في القصة. فعندنا نماذج خمسة من القصة: المخاطرات، ثم المواقف الغربية الشاذة (مع التناقض القوي بين الحوادث الحقيقية والمتخيلة)، ثم الاجتماعية والنفسية، ثم السير (وهنا يذكر الكاتب مثالاً لكل منها ليظهر كيف أن المؤلفين قد تأثروا بتلك الأسباب التي ذكرناها، وكيف أن القيم الأخلاقية قد أصبحت في عماء وفوضى). وهذا يظهر جلياً في قصص أولئك المؤلفين الذين كانوا أشد تأثراً بالنظريات النفسية الحديثة

وعندما يشير الكاتب باختصار إلى كتابات باري وولبول وبيريسفورد وبلا كوود وسنكلير وفيرجينا وولف وغيرهم يعرض لثلاثة من أشهر كتاب القصص وأبعدهم أثراً في الأدب الحديث وهم: جيمس جويس ولورنس وألدس هكسلي

ففي جويس نجد المسائل النفسية مشروحة على الطرق الحديثة، فهو يصف لنا بدقة فائ التطورات النفسية لأبطاله. وهو لا يقيم وزناً كبيراً للحوادث فهي متساوية الأثر لديه. فالحياة في نظره ليست أكثر أهمية في مكان منها في مكان آخر؛ وهو يكشف لنا في قصته (أهالي دبلن) و (صورة الفنان كشاب) عن مقدرة فائقة واستعداد أدبي ممتاز. ولكن (يوليسيس) أعظم قصصه التي تظهر لنا بوضوح فوضى أخلاق أبطاله. ومع أنه يدعى أن حوادث قصته تصل بأبطاله الذين أوجدهم في هذه القصة، إلا أن الناس أميل إلى الاعتقاد أن مستر بلوم مثلاً شخصية مألوفة في الحياة الإنجليزية. وليس هناك فن أوضح لوصف كل الأفكار المريضة للرجل العربيد من أن يصف حوادث حدثت في حجرة الاستقبال أو على مائدة العمل. فالإنسان في نظره ليس فاضلاً، وهو من أجل هذا يجب أن يكبح أهواءه الدنيئة مستعيناً بذكائه وعقله

وجويس مع ذلك لا يدافع عن أخلاق أبطاله، فإن معالجته لفن القصة وأسلوبه القوي النشيط ومادته الغريزة، كل أولئك يساعد على إظهار أبطاله كما يريد أن يبرزهم لا أن تخفيهم أو تستر بعض عيوبهم. وهذا ما عمله لورنس، فإن كل كتاباته لا تدور حول الجنس فحسب (مع استثناء بعض قصصه الوصفية الجميلة) ولكنه يدافع عن آرائه في حرية الحب وغياب الروحية وازدراء القيم الأخلاقية والثورة على النظم الثابتة والتقاليد القديمة في العلاقات الجنسية والاجتماعية

وهنا ذكر الكاتب بعض مقتطفات من قصته (قوس قزح) مدللاً على صحة هذه الآراء

أما هكسلي فإن دفاعه عن آراء لورنس في حرية الأخلاق قد اتخذ شكلاً فلسفياً، فهو يحاول (قصداً) أن يظهر أن هذه الفوضى الأخلاقية هي النتيجة العقلية لتحليل النفس الحقيقية.

لقد تعرضنا في هذه الإلمامة النقدية للقيمة الدبية لكتابات أولئك المؤلفين؛ وهذه القيمة نفسها تعرض أخلاقهم إلى خطر عظيم، فقد وقع الكتاب الثلاثة في أزمات نفسية خاصة وليست شائعة عامة بين الناس. وعلى هذا فمن الخطأ أن نعتقد أن هؤلاء الكتاب على أي حال أو في أي صورة المظهر الأخلاقي الحقيقي للعقل الإنجليزي

وأخيراً أظهر الكاتب أنه بالرغم من تأثير أولئك الثائرين فإن الأدب الإنجليزي المعاصر لديه مؤلفون عديدون يدينون بالآراء القديمة؛ فهم محافظون على تقاليدهم الموروثة؛ أمثال: ميروث وجولزورث وبنت وكونراد وجيروم وتشسترتن؛ حتى هاردي يمكن أن يعتبر أنه أميل، أو أكثر إخلاصاً وأمانة إلى الأخلاق والتقاليد القديمة، التي هي من الأسباب الجوهرية في عظمة الشعب الإنجليزي.

نظمي خليل