مجلة الرسالة/العدد 407/المسألة الاجتماعية في مصر والشرق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 407/المسألة الاجتماعية في مصر والشرق

مجلة الرسالة - العدد 407
المسألة الاجتماعية في مصر والشرق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 21 - 04 - 1941


بيني وبين الأستاذين

فكري أباظة وتوفيق الحكيم

للدكتور زكي مبارك

كنت توهمت أن طول عهدي بالصحافة السياسية والأدبية جعلني أعرف الناس بأساليب الجدال، وأقدرهم على الفهم لمذاهب الصحفيين في إقرار الحقائق وإزهاق الأباطيل

وكنت توهمت أيضاً أن الصحافة تهدي الجمهور، وإن كان الظاهر يلوح بأنها تستهديه، فقد كان مفهوماً عندي وعند أكثر الناس أن الصحافة قوة نورانية تبدد الظلمات، وتأخذ بيد المجتمع إلى درجات التقدم والارتقاء

كنت وكنت، إلى أن تلقيت عن الأستاذ فكري أباظة درساً لن أنساه، فما هو ذلك الدرس؟

كان الأستاذ توفيق الحكيم نشر مقالاً في مجلة المصور عن الإصلاح الاجتماعي، وقد صرح في ذلك المقال بأن المجتمع المصري سيظل في انحطاط مادام في مصر جماعة من الأغنياء يستأثرون بمصادر الخيرات؛ ثم قرر أنه لا نجاة لمصر إلا يوم تصبح (المسألة الاجتماعية) في قوة (المسألة السياسة): فتسبب إسقاط الوزارات، وتقدم وتؤخر في مراكز الأحزاب

وقد رأيت مقال الأستاذ توفيق الحكيم ضرباً من الحديث المعاد؛ فقد مضت أجيال والناس يتحدثون عن (اليوم الموعود): اليوم الذي توزع فيه أموال الأغنياء على الفقراء. وانتظارنا لذلك اليوم سيطول، فمن الخير أن نفكر في إسعاد الفقراء بطريقة عملية، فندرس أسباب الفقر لنقتلع جذوره من الأساس. ثم رأيت أيضاً أن الكلام عن (المسألة الاجتماعية) ليس إلا (بضاعة أجنبية) فهو منقول عن جماعة من الكتاب الأوربيين والأمريكان، وما يقال في الغرب لا يصلح دائماً لأهل الشرق

وسارعت فأرسلت مقالاً إلى المصور في تقرير هذه المعاني. وفي العدد الذي تلا ظهور المقال رأيت الأستاذ فكري أباظة يتبرأ مني، ويعلن أنه تلقى مئات الرسائل في تفنيد ما رأيت، وأنه سيتولى الرد علي في العدد المقبل؛ فكان رده تحريضاً للجمهور على الكاتب الذي توهم أن الأستاذ فكري أباظه رجل يحترم حرية الرأي؛ فرددت عليه بمقال أعلنت فيه أن (الفقر مرض، ولكل مرض أسباب)، فعاد فقرر أن الرسائل التي وردت في الرد علي بلغت الألف عداً. ثم وجه إلي كلمات لا يليق صدورها عن زميل كنت أراه غاية الغايات في رعاية أقدار الزملاء

واليوم، ماذا أريد أن أصنع؟؟

أريد أن أحرر الأستاذ فكري أباظة من الاستعباد للرسائل التي تعد بالمئات أو بالألوف، فقد يخاف على (المصور) من غضبات القراء، وأنا أحب أن تدوم عليه وعلى مجلة (المصور) نعمة العافية، فهو صديقي وهي صديق، وإن لقيت منه ومنها ما لقيت!!

أريد أن أختبر قدرة الأستاذ فكري أباظة على الأبحاث التي تحتاج إلى تعمق واستقصاء؛ فقد رأيته ينتقل تنقل الطير من فنن إلى أفنان، ورأيته لا يصبر على (الطعام الواحد) غير أوقات تعد بالآحاد، وهو يدرك مرد هذه الإشارة في الأدب والتاريخ

أما الأستاذ توفيق الحكيم فقد خرج بالصمت عن لا ونعم، ولكني سأعرف كيف أسوقه برفق أو بعنف إلى شرح مذهبه في الإصلاح الاجتماعي، إن كان في اعتناق ذلك المذهب من المؤمنين؛ فأنا أخشى عليه عواقب التودد إلى القراء بأساليب يغلب عليها الترفق المصنوع

وأنا لا أخاف على (الرسالة) كما خاف الأستاذ فكري أباظة على (المصور)، فالقراء لن ينصرفوا أبداً عن مجلة تواجههم بالصدق في تشريح الآراء والأهواء. ولو كنت أعرف أن مجلة المصور ستخذلني لطويت عنها رأيي، وتركتها تتودد إلى القراء، كما تشاء!

أخذ الأستاذ فكري أباظة يبدئ ويعيد في التوجع لمصاير الصناع والعمال والفلاحين، كأنه يتوهم أن التوجع شفاء من كل داء!

نحن لا نريد أن نقيم الملاطم والمناحات على ما صرنا إليه، وإنما نريد أن ندرس جميع الظواهر الاجتماعية بصدق وإخلاص، وإن غضب علينا بعض من لا يفقهون

فهل يخرج الأستاذ فكري أباظة على مذهبه المألوف في تقييد الخواطر اليومية ليلقاني على صفحات الرسالة وقد استعد لنضال شريف سيعود على المجتمع بالنفع الجزيل؟

لقد نهاني الناصحون عن هذا الموضوع الشائك، وقالوا إن في مصر تياراً من الحقد على الأغنياء، وإن من العقل أن أساير ذلك التيار، كما يصنع الأستاذ فكري أباظة والأستاذ توفيق الحكيم

وأقول إني أقاوم ذلك التيار لمنفعة وطني، فالوطن الغالي يناشد أبناءه جميعاً أن يعيشوا في تعاون وتساند، وهو يدعو الفقراء إلى الفرح بسعادة الأغنياء، كما يدعو الأغنياء إلى البر بالفقراء. ولن يعطف الله على الفقير إلا يوم يفرح بحلول النعمة على جاره المسعود، والفقير الذي يفرح جاره الغني هو الصورة الصحيحة للأدب الذي دعانا إليه الأنبياء

أما بعد فما هو أصل الخلاف؟ يقول الأستاذ فكري أباظة: إني حملت على الفلاحين والفقراء. لا، يا صديقي، وإنما كان رأيي أن الفقر الذي يعانيه بعض الفلاحين والعمال والصناع له أسباب، لأن الفقر في الجيب كالعلة في الجسم، ولكل نتيجة مقدمات

فما وجه الخطأ في هذا القول؟ وهل من الصحيح أن جميع الفلاحين والعمال والصناع منزهون عن الأغلاط؟

إن كان ذلك فكيف يصيبهم الفقر وهو لا يصيب غير من حرموا قوة الأخلاق الاجتماعية والمعاشية؟

وكيف اتفق لجميع المصلحين أن يضعوا آداباً لطلب الرزق، وهي آداب موجهة إلى الفقراء؟

وكيف يحرم علينا أن ندعو فقراءنا إلى التخلق بالأخلاق الاجتماعية والمعاشية، وهي دعوة تلقيناها عن أسلافنا الأمجاد؟

وأهجم على الأستاذ فكري أباظه فأوجه إليه هذا السؤال:

إذا صح أم جميع الفلاحين والعمال والصناع على جانب عظيم من الأخلاق الاجتماعية والمعاشية فكيف جاز أن يعيشوا فقراء ونحن نعرف أن السلامة من الآفات الأخلاقية تضمن السلامة من آفات البؤس؟

ثم أوجه إليه سؤالاً آخر فأقول:

إذا صح أن جميع الفقراء في غاية من الأمانة والصدق فكيف جاز أن يقوم بينهم وبين الأغنياء حجاز سميك لا تنفذ منه بوارق التعاون إلا في أندر الأحايين؟

ثم اوجه إليه سؤالاً ثالثاً فأقول:

إذا صح أن الناس جميعاً بخير من الوجهة الأخلاقية فلأي غرض تنشأ الجرائد والمجلات؟ ولأية غاية تقام حدود الشرائع والقوانين؟

إن كان الأستاذ فكري أباظة راضياً عن أحوال الصناع والعمال والفلاحين ففي الدنيا أقوام يرون غير الذي يراه، ومن حق أولئك الأقوام أن يعلنوا آراءهم بلا تخوف ولا تهيب، لينقلوا المجتمع من حال إلى أحوال، وليخطوا في كتاب الإصلاح الاجتماعي صفحة جديدة يحفظها التاريخ

ثم ماذا؟ ثم يسألني الأستاذ فكري أباظة عن أهلي في الريف، وهو يؤكد أن أقدامهم الممزقة وأياديهم الخشنة وصدورهم المحروقة ووجوههم الملوحة تشهد بأنهم أشقى سكان العالم وأعنفهم عملاً وكداً وكدحاً

وأقول إن أهلي ليسوا كذلك، مع الأسف الموجع؛ فلو كنت أعرف أن لأهلي في الريف أقداماً ممزقة، ووجوهاً ملوحة، لطابت نفسي، وأيقنت أن الريف لا يزال بخير، وإنما أعرف أن أهلي وأهلك تسامعوا بأن القاهرة نشأ فيها رجال يبكون أو يتباكون لشقاء الفلاح، ويزعمون أن الفلاح الأوربي أو الأمريكي يعيش عيش السعداء، فلا يعاني صحبة الفأس والمحراث إلا وفي يده جريدة يطالع فيها أخبار الصباح أو أخبار المساء!!

ليت أهلي في الريف حفظوا عهد جدي، فقد كان جدي رحمه الله يحدث أبناءه بأن الحقل يفرح بصاحبه حين يراه، وهم اليوم لا يرون حقولهم إلا في الحين بعد الحين، وأكثرهم يخجل من أن يسحب بقرة أو يركب جملاً! وكيف يسبحون البقرات أو يركبون الجمال وهم من أبناء الجيل الجديد، الجيل الذي ينشئ في سنتريس أكثر من سبع قهوات مع أن أهلها لا يجازون عشرة آلاف، ومع أن الآباء والأجداد في سنتريس لم يكونوا يشربون غير الماء القراح

أريد أن أرى بين أهلي رجلاً ممزق القدمين من آثار الكدح الموصول لأتقرب إلى الله بالثناء عليه، ولأنشر عنه مقالاً في مجلة مصرية أو شامية أو عراقية

أنا لم أفكر في (إحداث ضجة) تقع كارثتها فوق رأسي، كما يهددني الأستاذ فكري أباظة، وإنما أفكر في مصاير قومي، وأنا بشهادة خصومي أصدق الناس في الوطنية، ولله الحمد على هذا الميراث النفيس

وأهجم على الأستاذ فكري أباظة مرة رابعة فأوجه إليه هذا السؤال: هل تعرف، أيها السيد، كيف حرم أبناء الريف نعمة الشاعرية؟

ولكن ما هذه الشاعرية؟

إليك أسوق الجواب:

كان جميع أبناء الريف يتعلقون بمزارعهم إلى حد الفتون، فكان الرجل منهم يراعي مزروعاته بشغف وشوق، ويكاد يعرف كيف تطول الورقة الخضراء من ساعة إلى ساعة، بل من دقيقة إلى دقيقة، بل من لمحة إلى لمحة؛ وكان الرجل منهم يعطف على مواشيه كما يعطف على أبنائه الأعزاء؛ وكان الفلاح يعرف ملامح كل شجرة، ويأنس بكل نبتة، ويكاد ينظم قصيدة رثاء حين يرى سنبلة قصمتها الرياح

فأين أهلونا في الريف من هذه المعاني بعد أن سمعوا بقصة التمدن الحديث؟

أين أهل الريف من هذه المعاني، وما نشأ منهم ناشئ إلا وهو يرجو الرحيل إلى القاهرة، ليجد وظيفة تغنيه عن الأنس بمزارع القطن والقمح والفول؟

إن أسلافنا القدماء عبدوا مصادر الخيرات في بلادهم إلى الحد الذي سمح بأن يروا معنى الألوهية في البقرة الحلوب، والى الحد الذي سمح بأن يعتقدوا أن النيل اله معبود

فأين نحن من أولئك الأسلاف؟ وأين فينا من يتشرف بأنه فلاح وابن فلاح؟

لقد توهم الأستاذ فكري أباظة أنني من (سادة الصالونات الأرستقراطية التي تعيش في دنيا الجاتو والجيلاتين والجامبون والمارون جلاسيه). فليعرف أن هذه الألفاظ تحتاج إلى شرح يقربها إلى ذهني بعض التقريب، لأن بيتي لا يعرف هذه الأصناف، ولان من يتفضلون بدعوتي إلى بعض الولائم يطوونها عني، ولأني نسيتها نسياناً تاماً بعد فراق باريس، أن كنت ذقت في باريس غير أقذاء العينين تحت ضوء السراج

ماذا أريد أن أقول؟

أنا أريد القول بأن دنيا الناس في مصر قد أصيبت بالانحراف وإلا فكيف جاز أن تكون دعوتي إلى إصلاح أخلاق الفقراء كارثة لا تقع إلا فوق رأسي؟!

وكيف يجوز أن يكون الأستاذ فكري أباظة من خصومي، وقد اكتوت يداه بالانحراف الاجتماعي كما اكتوت يداي؟

بلادنا مهددة بالشقاء، بسبب سوء الفهم لعناصر النظام الاجتماعي، فما الذي يمنع من أن نتعاون على الإصلاح المنشود؟ ومتى ندرك أن تمزيق أقدام الفلاحين هو شارة من شارات التشريف، وليس باباً من أبواب الرثاء؟

من حق الأستاذ فكري أباظة أن يتوجع لمصاير الفقراء من العمال والصناع والفلاحين، أما أنا فلن أتوجع لمصاير أولئك ولا هؤلاء، لأني أومن بأن الله خلق منافع الوجود لجميع الناس ثم دعاهم إلى التسابق بقوة العزيمة والأمانة والصدق والإخلاص فربح من ربح وخسر من خسر، كما كان يعبر أستاذنا الشيخ مصطفى الطماوي

الله وحده هو الذي يعلم سريرتي في إثارة هذه المشكلة الاجتماعية، ومنه وحده استمد العون على من يعادونني ظالمين آثمين. والى اللقاء بعد أن اسمع حجج المناظر المفضال

زكي مبارك