مجلة الرسالة/العدد 401/من وحي الهجرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 401/من وحي الهجرة

مجلة الرسالة - العدد 401
من وحي الهجرة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 10 - 03 - 1941


شكاة ونجوى. . .

(مهداة إلى الرجل الكبير الذي أخذ بيدي في الحياة. . . إلى

خالي)

للأستاذ شكري فيصل

- 1 -

. . . متى يا رسول الله متى. . . تكتحل عيناي بالتطلع إلى مقامك الكريم في أرض النبوة الطاهرة. . . ويقدر لي أن أقف بين يديك: أقرؤك السلام، وأبثك الحنين، وأَفني في لثمات أعتابك؟. . .

لقد طال بي الشوق، يا رسول الله، إلى التراب الذي لامس قدميك، والأرض التي وطأت ركائبك، والجو الذي نثرت فيه النعيم والسلام. . . فمتى يا رسول الله. . . متى؟. . .

إن الحنين ليحدوني، وإن الحب ليهزني، وأني لأجد في قلبي النور، وفي عيني الضياء، وعلى شفتي النغمات الحلوة. . . حين أراني في مقامك يا رسول الله: هادئ النفس، مطمئن الخاطر، كما يطمئن الإنسان إلى خيالات الأمل، ويهدأ إلى صور الخير، ويهيم في أودية من الجمال. . .

. . . متى يا رسول الله: ينسم عبق مكة، فأنتشي بهذا النسيم. . . وأعب منه ملء رئتي، وأذكر معه هذه البلاد التي كانت مثوى الضلالات، ففاضت بالنور. . . وكانت مثابة العصبيات، فتدفقت بالتسامح. . . وعاشت أبداً في ظلام الجهل وحماقة الهوى وسلطان الغرض. . . ولكنها بدلتها أنوار المعرفة ونعمة العقل وزينة العلم. . .

. . . إني لتستثيرني الذكرى يا رسول الله. . . يا أسمى من كل إنسان، وأرفع من كل بشر، وأكرم من كل مخلوق. . . فأصمت لنجواها العذب، وأنصت لحديثها الرطب، وأهيم في دنياها الرفافة التي تموج بالأمان، وتزدهر بالسلام، وتتسم بالحب. . . فمتى يا رسول الله. . . متى أمرّغ خدي بأعتابك الطهور وأقبل بشفتي أرضك الحلوة، وأغيّب وجهي في أطراف الستائر التي ترف حواليك رفيف الأمل في القلوب الآيسة. . . كأنما تنعش ف الموات، وتبعث فيها الحياة، وترد عليها التحية. . .

- 2 -

. . . متى يا رسول الله. . . يظلني المسجد النضر، لأحدثك حديث هؤلاء الذين تركتهم على بيضاء نقية لا يضل فيها السالك ولا يحار فيها الساري؛ فإذا هم قد ضلوا الطريق، وتنكبوا السبيل وتاهوا في بيد مظلمة. . . لا يجدون المخرج، ولا يلقون المنفذ، ولا تتراءى لهم إمارات الهداية. . .

هؤلاء، يا رسول الله، الذين خلفت فيهم القرآن، وأوضحت لهم الغاية؛ وحلقت بهم في أجواء السمّو، وآفاق المجد، ودنيا السيادة؛ قد ذّلوا. . . فضعفوا عن الحق، وسكتوا عن الواجب، واستخذوا لإرادة الناس الحقيرة. واطمأنوا إلى هذه الاستخذاء وهذا الضعف. . . فإذا قلوبهم غلف، وإذا آذانهم صم، وإذا الدعوات التي تستمد منك قوتها، وتستلهم من وحيك نورها. . . لا تفعل فيهم إلا ما تفعل النسمات المطلقة في الصخور القاسية!

. . . إن الألم ليغمر النفوس العامرة يا رسول الله فتقعد عن العمل، وإن اليأس ليملأ القلوب النقية ليفسد عليها الأمل؛ وأن الهجمات لتتري. . . فمن يذكرنا مواطن العظمة في حياتك وسر الخلود في دعوتك، وجمال الصبر في جهادك؟ من يبث ذلك في قلوبنا يا رسول الله؟. . . من ينثره في أذهاننا كما تنثر السماء سحب الرحمة؟. . . من يقول لنا هذا هو الطريق. . . بعد أن باعدت بيننا وبينك ضلالات فيها السحر، وصرفتا عنك فتن فيها الإغراء

. . . أين أنت يا رسول الله، لتشهد المسلمين اليوم وقد نكبوا بالفرقة، وابتلوا بالنزاع فإذا هم لا يد في حكم، ولا شأن في سيطرة، ولا رأي في مشورة، يعيشون في هامش الحياة كما تعيش النبتة الصغيرة في ظل الشجرة الضخمة في جو معتم من الولاء، لا يمتد لها غصن يقبّل النور، ولا يشتد لها ساعد يحي السماء!

أين من يقول لهؤلاء المسلمين يا رسول الله إنك كنت تجاهد للحياة التي تحل الضعف، وتستهجن الصمت، وتكره الهدوء؟

أين من يقول لهم إن هذا الهدوء الذي يطمئنون إليه أول نذر الموت، وأدلة الفناء

لشد ما نحتاج إلى هديك يا رسول الله. . . لندرك أن الدنيا ليست دنيا الشهوات التي نقبل عليها، والغايات التي نسعى إليها، والمنافع التي نتكالب في سبيلها. . . ولكنها دنيا الحياة الحرة التي لا تستعبد فيها نفوس، ولا تحني رؤوس، ولا تبذل كرامات.

. . . لقد ضل القوم يا رسول الله. . . وزين ذلك في قلوبهم. . . فمن يكشف لهم عن وضح الحق؟. . . من يرفع علمهم حجب الضلالات؟ ومن يصرف هذه السحب القاتمة من فوق رءوسهم، ومن بين أيديهم تشوه فيهم العقيدة، وتفسد عليهم الإيمان

- 4 -

يا رسول الله إلى الناس. . . لقد عمى الناس عن الخير، لا يفقهون معناه ولا يحسون جماله، وإنما يتخبطون في ظلمات الشر وفي دياجير الخصومات. في أيديهم حراب، وفي أيمانهم قذائف، وعلى وجوههم أقنعة. . . يتراشقون السهام ويتبادلون القذائف، ويصطرعون في هذه الكهوف المعتمة من المادة، وهذه الأجواء الضيقة من الطيش. . . فهلا انتبه أنصارك يا رسول الله في هذه الفترة من الزمن، فانتهزوا الفرصة البارقة، ينشرون أردية السلام، ويبعثون دعوة الحق، ويهتفون بالصيحة الكبرى!. . .

. . . حبذا يا رسول الله. . . حبذا الساعة التي ينشدون فيها نشيد اليقظة ويرددون صرخة الحق، ويحققون أروع ما جئت به من مبادئ السلام، وتتموج على حاشية الأفق راياتهم التي تذكر الناس أكرم ما دعوت إليه وما جاهدت من أجله. . . وتتلألأ في صفحة السماء آياتك الغر، تهدي السالكين، وتأخذ بيد الحيارى، وتزرع في النفس معاني الحب والطمأنينة والغبطة

- 5 -

ألا هل في قوانا طاقة، وفي وسعنا جهد. . . فنحمل هذا العبء يا رسول الله؛ وننهض بهذه الصرخة، ونوقد المصباح: زيته من دمائنا، وذبالته من نفوسنا؛ ونجعل من أجسامنا مغرز الراية ومغرس العلم؟. . . وهل في أعمارنا آجال فنرى هديك فوق كل هدى، وكلمتك فوق كل كلمة، وتنعم أعيننا بالإنسانية المطمئنة إلى الحياة الآمنة التي تختطها، والسبيل السوي الذي ترسمه؟. . .

. . . إن العالم يا رسول الله ليموج في حالك من الظلمة، وإنه ليسبح في جاهلية من الهوى. . . كهذه الجاهلية التي بددت ظلماتها، وكشفت غياهبها، ونشرت في جنباتها الهداية. . . فهلا أهبت بأنصارك ليتأسوا بك. . . وليهاجروا إليك. . . وليبدءوا دعوتهم بمثل ما بدأتها من قوة وعزيمة وجلد؟!

. . . ركب الإنسانية يستغيث بك يا رسول الله إلى الناس. . . فاسأل الله له السلامة في مهمة الغرائز، والخلاص من ربقة الأهواء، والنجاة من حرب الغل والضغائن. . . وخذ بزمامه إلى ساحل النجاة، فقد سئم صراع الموج، وزمجرة الغضب. . . وضاق بفوضى المذاهب، وخداع المظاهر، وتناحر الآراء. وأسلم وجهه إلى الله. إلى الله وحده يؤمن به، ويعمل له، ويتكل عليه. . . هذه حالنا يا رسول الله. . . فمتى ينبثق الفجر من خلال الضباب الكثيف، ومتى تبصر العين وجه الحياة: لا تغطيها الدموع، ولا تخدعها المظاهر. . . ومتى يجد المدلجون في سفين الزمن شعاعات الرحمة وأنوار الهداية؟

- 6 -

إن الحديث يا رسول الله ليفجر ينابيع الألم، وإنه لينشر صفحات كابية: في إطار سواد، وفي جنباتها حزن، وفي رحابها تاريخ يشهد بالضعف والخور. فما أحوجنا أن نهاجر إليك فنملأ صدورنا من روحك الندي ونطهر عزائمنا بعبقك العطري، وندفع هذا الصدأ الذي يأتكل نفوسنا بالتمرغ في أعتابك الطاهرات

إني لأرنو يا رسول الله إلى هذه الساعات؛ وإني لأهيل عليها الصور، وأريق عليها الزخارف. . . فلا أبلغ بها معشار ما يكتنفها من روعة، وما يحوطها من جلال. . . فمتى أشهد هذا الجلال، في مسجدك المتألق، وروضتك الطاهرة، وضريحك الحي؟!

آه يا رسول الله. . . ما أشد حنيني إلى نسمات الصحراء، ولفحات الشمس، وجرعات زمزم

والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله

شكري فيصل