مجلة الرسالة/العدد 388/أخلاق القرآن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 388/أخلاق القرآن

مجلة الرسالة - العدد 388
أخلاق القرآن
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 09 - 12 - 1940


الصبر

للدكتور عبد الوهاب عزام

الصبر خلق يعصم النفس من اليأس إذا طال بها الطريق إلى غاياتها، ويمنعها من الارتداد إذا سدّت العقبات سبيلها، ويكبر بها عن الجزع إذا نزلت بها من أحداث الزمان نازلة.

في الحياة أعمال شاقة لا يستطيع الاضطلاع بها إلا الصابرون، وفيها غايات بعيدة لا يبلغها إلا من صبر على مشقة الطريق وبعد المدى.

والأخلاق الفاضلة تنأى بصاحبها عن شهواته، وتعلو به عن سفاسفه، وتكبر به على الهوان، وتسوم النفس ضروبا من الصدود عن الهوى، والعفاف عن الشهوة، ولا يتخلق بهذه الأخلاق إلا أهل الصبر. وفي الحياة عقائد حق ومذاهب خيّرة ينفر منها الناس أول عهدهم بها، وينال الدعاةَ إليها السخرية والأذى والألم في النفس والنقص في المال. فلولا الصابرون ما دعا إلى هذه العقائد داع، ولا ذهب هذه المذاهب أحد.

الصبر توطين النفس على المشاق والمكاره، والإباءُ على الخطوب، والاستكبارُ عن الخنوع للمصائب، والثباتُ في الموقف الضنك، والمقام الهائل، أو المسير إلى الغاية المخوفة حتى يستوفي العملُ أطواره، ويبلغ نهايته، ويُنجح الطلب، ويحمد الدأب.

والصابرون رواسي الأمم كلما زلزلتها الخطوب، وسكينتها إذا طارت من الذعر القلوب. إذا طاشت الأحلام في مآزق الحرب صبروا حتى يتبلج النصر، وإذا خارت العزائم في معارك الحياة دأبوا حتى يشرق الحق. والصابرون قادة الأمم إلى الحق والخير والظفر يسلكون إليها الأهوال حين ينكص غيرهم فزعاً، ويستقيمون على الطريق حين يحيد غيرهم بأساً، ويواصلون المسير حين يقف مَن سواهم عجزاً، ويحتملون المكاره حين تنوء بكل عاجز، ويبسمون للمصائب حين تزلزل كل رعديد. هم الذين يصلون مبادئ الأعمال بغاياتها، ومقدماتها بنتائجها وإن شق العمل وطال الطريق. هم الذين ينصرون كل دعوة إلى الحق، وكل مذهب في الخير وإن عظم ما يلقاهم من المحن، وما يعترضهم من المكاره.

ومن الكلام المأثور: الصبر على الطلب عنوان الظفر. والصبر في المحن عنوان الفرج.

والصبر هو تجلي النفس الإنسانية في أكمل صفاتها وأشرف درجاتها، تجلي النفس الإنسانية في عظمتها تعتز بقواها، وتستكبر على الأحداث، ولا تبالي الغضب والعنت، ولا تخشى الهلاك حتى تبلغ دعوتها واضحة وتؤدي واجبها كاملاً.

ولست أعرف فضيلة أكد القرآن الدعوة إليها توكيده الدعوة إلى الصبر، إذ كان عماد كل نجاح، وقوام كل جهاد، ونظام كل عمل صالح، وقرين كل خلق فاضل.

الصبر في القرآن قرين الحق لأن الحق لا ينصر إلا بالصبر. قال: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

والصبر قرين العمل الصالح إلا صبر النفس عما يزيَّن لها من الشهوات، وإقامتها على منهاج الفضيلة الذي يحرمها كثيراً مما تودّ. يقول القرآن: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير).

وقد جعل القرآن الكريم الصبر وسيلة إلى الإمامة والهداية فمن لم يصبر لم يقوم نفسه، ولم يستطع الدعوة إلى الحق والمسير إليه والجهاد في سبيله، قال: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).

وقد أعلى درجة الصابرين وأبان فضل الصبر أعظم إبانة إذ قال: (واصبروا إن الله مع الصابرين) وحسبك بمن كان الله تعالى معه يسدد قوله وعمله وينصره، قد ذللت له كل الصعاب وضمن له كل ظفر. إن الله مع الصابرين لأنهم بصبرهم يستجيبون لدعوة الله ويسيرون في سبيله على قوانينه حتى يبلغوا ما وعدهم به، ومن سار في سبيل الله إلى دعوة الله فأحرِ به أن يوقن بالنجاح وأحر به أن ينال النجاح غير منقوص.

وجعل القرآن الصبر وسيلة إلى إدراك آيات الله في خلقه. وهل كشف الباحثون عن الحقائق إلا بالصبر على الطلب والدأب في البحث؟ قال القرآن في أكثر من آية: (إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور).

وبين القرآن أن الصبر عُدَّة المؤمنين في جهادهم في هذه الحياة إذ قال: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) أمرهم أن يفزعوا إلى الله فيما ينوبهم من النوائب، فيتوجهوا إليه بالصلاة ويصبروا به على المكروه. ونِعمَ هذان عوناً على كل خير.

كما جعل الصبر في آخر درجات الفضائل حين عددها في آية البر فقال: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون).

وبين القرآن أن الله سبحانه يحب الصابرين الذين يثبتون على الشدائد، ولا يهنون لما يحزُ بهم من النوائب: (وكأيِّن من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) وحسبك بمحبة الله نجحاً وفلاحاً وسعادة.

والصبر قوة أعظم من قوة العدد، تغلب به الفئة القليلة الفئة الكثيرة. قال في قصة طالوت وجالوت: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة اليوم بجالوت وجنوده. قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فهزموهم بإذن الله). وكذلك أمر القرآن المسلمين أن يلقوا عدوهم الأكثر عدداً وهم صابرون، وبشرهم بأن الجماعة منهم تغلب عشر أمثالها بالصبر، وجعل الصبر أكثر من تسعة أمثال العدو غَناء في الحرب. قال في سورة الأنفال: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال. إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون).

ولما أراد أن يخفف عن المسلمين هذا التكليف أمرهم بأن تلقى الجماعة منهم مثليها فقال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين). فأقل مراتب الصابرين أن يغلبوا ضعفهم. والحق أن العدد لا يثبت للصبر، وأن كثرة العدد فاشلة إذا خذلها الصبر، وأن قلته ظافرة إذا أيدها الصبر. وربما تغلب الفئة الصابرة مثليها، وربما تغلب عشر أمثال أو مائة مثل. وحوادث التاريخ على ذلك شاهدة.

وأما في غير الحرب فالواحد الصابر يدعو إلى طريقته، ويصبر على دعوته، ويحتمل في سبيلها ما يلقى من عنت وأذى وسخرية حتى يغلب بصبره الأمة الكبيرة ويقودها إلى الخطة التي يدعو إليها.

وأما جزاء الصابرين فالظفر في الدنيا والطمأنينة التي تلقى الشدائد ثابتة راضية ورضا الله تعالى وحسن الثواب في الآخرة. يقول القرآن الكريم: (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). وقال: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا). وقال: (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وقال في جزاء الآخرة:

(والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية، ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار).

وللصوفية من المسلمين تعليم في الصبر وتربية عليه جديران بأهل القرآن الذين استمعوا له واهتدوا بهديه، وقد كانت أقوالهم وأفعالهم أمثلة في الصبر.

يقول الجنيد: الصبر تجرع المرارة من غير تعبيس. وقال ذو النون المصري: الصبر التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة. وقال ابن عطاء الله السكندري: الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقال أبو عثمان: الصبار الذي عود نفسه الهجوم على المكاره. وقال عمرو بن عثمان: الصبر هو الثبات مع الله تعالى وتلقي بلائه بالرحب والدعة. وقال أبو محمد الجريري: الصبر ألا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما، والتصبر هو السكون مع البلاء مع وجدان أثقال المحنة. وقالوا: تجرع الصبر فإن قتلك قتلك شهيداً، وإن أحياك أحياك عزيزاً.

وقد كانت سيرة الرسول صلوات الله عليه وسير أصحابه والمسلمين من بعدهم امتثالاً لأمر القرآن، وتصديقاً لبشارته، وإكباراً لتربيته، فغلبوا العدد الكثير والخطوب المتزاحمة بإيمانهم وصبرهم، ولم يعسر عليهم مطلب، ولا أملّهم دأب، ولا فاتت عزائمهم غاية، ونالوا جزاء الصابرين في الدنيا طمأنينة وظفراً وغلبة؛ والله ولي جزائهم في الآخرة.

وما كان صبرهم استكانة للمصائب ولكن استخفافاً بها، ولا ذلاَّ للخطوب ولكن كبراً عليها، ولا خنوعاً للقوة ولكن ثباتاً لها، وتصميماً على صدمها، والظفر عليها. يقول القرآن الكريم: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون. وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين).

صدق الله العظيم

عبد الوهاب عزام