مجلة الرسالة/العدد 379/دولة الأدب في حلب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 379/دولة الأدب في حلب

مجلة الرسالة - العدد 379
دولة الأدب في حلب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 10 - 1940


سيف الدولة بن حمدان

للدكتور محمد أسعد طلس

ما نعرف أن حلباً أو الشام كله قد أصاب عهداً أحفل بالعلماء والأدباء والشعراء والحكماء والأطباء من عهد سيف الدولة أبي الحسن علي بن عبد الله بن حمدان عظيم الدولة الحمدانية؛ فقد كان بنو حمدان (ملوكاً أوجههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم للرجاحة؛ وسيف الدولة مشهور بسيادتهم وواسطة قلادتهم، وكان رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مأواه غرة الزمان وعماد الإسلام ومد به سداد الثغور وسداد الأمور، وكانت وقائعه في عصاة العرب تكف بأسها، وتنزع لباسها، وتفل أنيابها وتذل صعابها وتكفي الرعية سوء آدابها. وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال ومحط الرحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء. ويقال إنه لم يجتمع قط بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ العصر ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها، وكان أديباً شاعراً محباً لجيد الشعر شديد الاهتزاز لما يمدح به وكان علي عالماً وفقيهاً يناقش العلماء ويطرب لمحادثتهم ومناظراتهم كما كان شاعراً له الشعر الجيد والتشبيه الملكي، ولم يبق لنا الدهر من شعره إلا نحو خمسين بيتاً ذكرها من ترجم له وأكثرها مذكور في اليتيمية، ومن أجود شعره قوله:

أقبله على جَزَع ... كشرب الطائر الفَزعِ

رأى ماءً فأطعمَه ... وخاف عواقبَ الطمعَ

وصادف فرصة فدنا ... ولم يلتذ بالجُرعِ

وهو كما ترى شعر لطيف يدل على خفة روح ورشاقة خاطر لما تضمنه من صور سريعة وجميلة. ومن أجمل شعره أيضاً بل من أجمل الشعر العربي في موضوعه قوله في وصف ساعة من ساعات اللذة زانها ساق صبيح وقوس قزح رائع:

وساق صبيح للصَّبوح دعوته ... فقام وفي أجفانهِ سنة الغَمض

يطوف بكاسات العُقار كأنجم ... فمن بين مُنفضْ عليها ومنقض

وقد نشرت أيدي الجنوب مطارقاً ... على الجو دكناً والحواشي على الأرض يُطرزها قوسُ الغمام بأصفر ... على أحمر في أخضر تحت مبيضِّ

كأذيال خَوْد أقبلت في غلائل ... مُصبَّغة والبعض أقصر من بعض

هذا والله الشعر المرقص لما فيه من صور حية ومعان جميلة، ولا سيما تلك الصورة الفنية الرائعة للقوس بألوانه الجذابة واستدارته الرائعة. وقد كنت أود أن أجمع هنا ما انتثر من شعر أبي الحسن في بطون كتب الأدب ولكني أرجئ هذا إلى أن أظفر بشيء أكثر مما جمعت.

أما عناية أبي الحسن بالعلم فما كانت أقل من عنايته بالأدب ورجاله فقد كان مغرماً بنفائس الكتب وجياد الآثار العلمية. وقال الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام: (كان بجامع حلب خزانة كتب كان فيها عشرة آلاف مجلدة من وقف سيف الدولة وغيره). وكان معنياً أيضاً بجمع الأطالس والآلات الفلكية، فقد ذكر الأستاذ أحمد تيمور باشا أن في دار الكتب المصرية نسخة مصورة من أطلس قيم ينتظم أشكال الكواكب وأطوالها وهي مما ألف للأمير العالم سيف الدولة بن حمدان. وكان يستكثر من الحكماء والأطباء والفلاسفة ويقربهم من مجلسه ويشجعهم على التأليف والترجمة ونشر العلم. . . قالوا: وكان إذا أكل الطعام وقف على مائدته أربعة وعشرون طبيباً، وكان فيهم من يأخذ رزقين لتعاطيه علمين، ومنهم من يأخذ ثلاثة لتعاطيه ثلاثة علوم، وفي دائرة المعارف الإسلامية: (أن الفضل الذي ناله سيف الدولة بنشر العلم والأدب واللغة لهو مجد عظيم لا يقل عن مجده في أعمال السياسة والحروب).

وأما عطاياه التي كان يغدق على أهل العلم والأدب فحدث عنها ما شئت. وقالوا: إنه صنع دنانير خاصة للهبات والعطايا زنة كل دينار منها عشرة مثاقيل، وكان على هذه الدنانير اسمه وصورته وقد عقد الثعالبي فصلاً في انفجار ينابيع جوده على الشعراء. قال أبو الحسن الحمداني: كنت واقفاً في السماطين بين يدي سيف الدولة بحلب والشعراء ينشدونه، فتقدم إليه أعرابي رث الهيئة فأستأذن الحجاب في الإنشاد فأذنوا له فأنشد:

أنت عليُّ وهذه حلب ... قد نفد الزاد وانتهى الطلبُ

بهذه تفخر البلاد وبالأ ... مير تزهى على الورى العربُ

وعبدُك الدهرُ قد أضرَّ بنا ... إليك من جور عبدك الهرب فقال سيف الدولة: أحسنت، والله أنت، وأمر له بمائتي دينار، ومن هذا الإسراف والعطاء بلا حساب ما رواه صاحب اليتيمة من أبا فراس كان يوماً بين يدي سيف الدولة في نفر من ندمائه فقال لهم سيف الدولة: أيكم يجيز قولي وليس له إلا سيدي (يعني أبا فراس):

لك جسمي تعُله ... فَدَمِي لِمْ تحِله

لك من قلبي المكا ... نُ فَلِمْ لاَ تحُله

فارتجل أبو فراس:

أنا إن كنت مالكاً ... فلي الأمر كله

فاستحسنه سيف الدولة وأعطاه ضيعة بمنبج تغل ألفي دينار وقصص ينابيع جوده على الشعر أكثر من أن تحصر فقد كان يغدق على من يقصدونه المال الجسيم ويبعث إليهم بالثياب والماشية والوصفاء.

كان من نتيجة هذا العطاء الراجح واليد الطولي أن اجتمع لدى أمير حلب جمهرة من العلماء الفحول أمثال: ابن نباتة، وابن خالويه، والفارابي، وأبي على الفارسي، وكشاجم، والخالديين أبي بكر وأبي عثمان، والصنوبري، والمتنبي، والوأواء، والببغاء، والناشئ، والنامي أبي الحسن السميساطي، وأبي الطيب اللغوي، والسري الرفاء، وأحمد البازيار، وأبي فراس، وعلي بن عبد الملك القاضي، وأبي سلامة القاضي، والطبيب عيسى الرقي. . . وغيرهم من رجال الأدب والعلم الذين سنقف عند كل منهم وقفة نبين فيها آثاره من علم وأدب إن شاء الله.

لم تقف حركة سيف الدولة الأدبية والعلمية على الشام فحسب بل تعدته إلى العراق وفارس، فهذا أبو الفرج الأصفهاني يأتيه من العراق، فيستظل بظله الوارف، ويفيد من عطاياه حين يقدم إليه أول نسخة من كتابه الفريد. وهذا أبو الفرج عبد الواحد الببغاء يأتيه من نصيبين فيصيب عنده مالاً وجاهاً.

وممن أفادوا من رعايته من شعراء بغداد ابن نباتة السعدي، وله في سيف الدولة شعر رائق جزاه عليه أفضل الجزاء، ومن أدباء فارس أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي، وكان يقول: (ما فتق قلبي، وصقل ذهني، وأرهف حد لساني، وبلغ بي هذا المبلغ إلا تلك الطرائف الشامية واللطائف الحلبية التي علقت بحفظي وامتزجت بأجزاء نفسي، وغصن الشباب رطيب ورداء الحداثة قشيب) ونحن إذا رحنا نتتبع الفضلاء الذين أموا حلب وأفادوا من سيدها وأميرها وعالمها في القرن الرابع للهجرة ذكرنا العدد الجم مما لا مجال لسرد طرف منه في مقال كهذا.

ظلت بقايا هذه الحركة الحمدانية في حلب بعد أن انقرضت دولة بني حمدان؛ فنحن نجد في القرن الخامس للهجرة - على اضطرابه السياسي والاجتماعي - حركة علمية قوية أفاد منها أبناء الشام كافة. وليس أدل على ذلك مما حفظه لنا أبو عبد الله الكاتب الأصبهاني في (جريدة القصر وجريدة أهل العصر) من الشعراء والأدباء الحلبيين والشاميين في القرن الخامس ممن لم نسمع بذكرهم ولا يعرف عنهم الأدباء المعاصرون شيئاً، فان نظرة واحدة إلى ما احتواه هذا السفر القيم من تراجم الأدباء الشاميين تؤيد ما نريد الذهاب إليه من أن الحركة الأدبية التي قام بها سيف الدولة ظلت تنتج حتى أواخر القرن الخامس، وممن أفاد من هذه الحركة أبو العلاء المعري، فقد ذكر ابن العديم المؤرخ الحي في رسالته (الإنصاف والتحري) أن أبا العلاء بعد أن تلقى العلم واللغة والنحو بمعرة النعمان على والده. . . دخل وهو صبي إلى حلب، فقرأ بها على محمد بن عبد الله بن سعد النحوي راوية أبي الطيب المتنبي وعلى أبي بكر محمد بن مسعود النحوي. . . وممن أفاد من هذه الحركة أيضاً ثابت بن أسلم الشيعي قيم خزانة حلب وكان من كبار النحاة والقراء، ومنهم علي بن منصور بن طالب المعروف بابن القارح وهو الذي كتب إلى أبي العلاء رسالته المشهورة فأجابه أبو العلاء برسالة الغفران.

أما بعد فهذه صفحة من صفحات تاريخ حلب الأدبية الخالدة التي خلفها ابن حمدان فرفع اسم حلب عالياً وخلده في سجل الدب العربي، وما يضير ابن حمدان أن يأخذ عليه بعض المؤرخين أنه كان جائراً على رعيته فإنه ما كان يجور عليها إلا ليحارب العدو بأموالها أو لينفقها في سبيل تعليمها وتأديبها.

محمد أسعد طلس