مجلة الرسالة/العدد 31/بين الشك والإيمان:

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 31/بين الشك والإيمان:

مجلة الرسالة - العدد 31
بين الشك والإيمان:
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 05 - 02 - 1934


(شيلر)

للأستاذ خليل هنداوي

حتى في ظلمات الشك التي رانت على قلبي، وفي الغم الذي غشى نفسي، تعلم - يا إلهي - بأنني قد تحريت النور. . . أراني - دائما - أكثر هدوءا. . .!

(شيلر)

بين كل شعراء الأدب الألماني تجد (شيلر) هو أشقى من طغى عليهم الشك. وبرح بهم التشاؤم المعذب.

درج (شيلر) من مهده، يغمره حنان أم هي رمز التقوى ومثال العطف. وأب دعا له حين احتضنه بذراعيه - (ربي! امنح طفلي هدى العقل، واهده السبيل الذي أخطه له) وهكذا كانت مظاهر طفولته محاطة بالإيمان العميق. وقضى الشاعر نشأته الأولى مولعا بالكتب. وهائما في الطبيعة يشيع ما يثور في نفسه من الأهواء الشعرية.

دخل المدرسة وأخذ العلم يطغى على شاعريته وإيمانه، ولكن (شيلر) كره العلم والعلماء، وكان يجد ألذ ساعاته ساعة ينفرد بنفسه ويتلو توراة (لوثر) أو (المسباد) ولكن روح الشك كانت تتسلل إلى نفسه من حيث لا يشعر. وفجأة تيقظت هذه الروح فيه فغدا صاحب شك وقلق - وظل في دوره الأول - بين عاملين يتساجلان الغلبة عليه، فطورا يقهر القلب المتردد روحه الصافية. وتارة تغلب روحه الصافية قلبه المتردد: فينشد متألما

(حتى في ظلمات الشك التي رانت على قلبي، وفي الغم الذي غشى نفسي: علمت - يا إلهي - بأنني قد تحريت النور.

أنت أردت لي هذه الأيام السوداء، التي تبرز فيها الأوهام المغرية من ناحية، ويبرز الإنكار - من ناحية أخرى - ضاحكا ضحكة الساخر

هانذا - تجأر فوق رأسي العاصفة! والقصبة سترتجف إذا لم ترحمني يا الهي!

احرس قلبي في هذا الهدوء، في هذا الهدوء المقدس وأنا سائر إلى الحقيقة. فالشمس لا تعكس أشعتها في اللجة الثائرة، ولا تبسط شعاعها إلا على صفحة الماء الرقراق.

إنني اسمع صلصلة الناقوس الذي يهتف بي إلى الهيكل: فأغدو إليه حاملا إيماني. . . .

ألا أفتح قلبي لإدراك الحقيقة، حتى أستطيع أن أعانقها، فأغدو سعيدا.)

في هذه المقطوعة الصغيرة يظهر لنا شك الشاعر، ومرارة قلبه، وتوقان روحه إلى الحقيقة، والطريق التي انتقاها ليستعيد الهدوء والإيمان. ولكن الله لم يجاور قلب شيللر كثيرا. لأن الشك تسرب إليه ظافراً وملك عليه نفسه ولما يتجاوز الثمانية عشر ربيعا، فعاد شاعر هذه المقطوعة الطافحة بالإيمان شاعراً شاكاً ما علمنا سر انقلابه! ولكن هل كانت المذاهب الفلسفية إلا تاريخ قلب الإنسان؟ وهل كان الشك والجمود والسلب إلا ثورة من ثورات النفس المتعطشة إلى معرفة المجهول. وإذا بشيللر يقول - متحديا الدين بلهجة من يؤله الطبيعة (إن الإله الواحد إنما هو كل الكائنات. الطبيعة والآلهة هما قوتان متساويتان. الطبيعة هي اله يتعدد ويتقسم إلى ما نهاية) وفي الاجتماع، يؤمن بمذهب (روسو) القائل: إن الإنسان يولد صالحا ولكن المجتمع هو الذي يفسده.

- 2 -

ليدرس الشاعر، نفسه وقلبه وعواطفه في رسائله وفي قصائده، لأنها هي صورة نفسه - إذا توخينا صورتها الصادقة.

إن شقاء شيللر لم يكن شقاء شعريا خياليا فحسب، بل كان شقاء مصدره نفسه التي غشيها منه ما غشيها! فهو في بعض أحيانها يتنازعه عاملان: ثورة حواسه، وتعنيف ضميره له تعنيفا أراد أن يحطمه الشاعر فعجز عن تحطيمه، ويتمثل أنينه هذا في مقطوعة (القتال)

(لا لا. . . سوف لا أتحمل طويلا هذا القتال. . القتال الطاحن الذي يقوم به الواجب، فإذا لم تقدري على كبح أهواء قلبي أيتها الفضيلة، فلا تطلبي مني التضحية. . . هذا إكليلك ليظل - كل الأيام بعيداً عني. . .

خذيه. . . وذريني وحدي أتلاشى!)

وفي بعض أحيانه قد يجد الشاعر في نفسه جرأة على الفرار، الذي يتجلى فيه الانتصار. فيأوي إلى ملجأ (مانهايم)

(في حالة هم وغم، أكتب لكم - يا أصدقائي - بأنني لم أعد أستطيع البقاء هنا - فأنا خلال اثني عشر يوما أحسست مع نفسي كل مكان داخل نفسي وخارج نفسي، طالباً الخروج من هذا العالم، فالناس والسماء والأرض كلها غدت عندي قبيحة. أنا هنا فاقد نفسي. . .)

وهناك لحظات نرى وطأة الحاضر والمستقبل والعالم والناس تثقل عليه حتى تحطم قلبه، فيقول يائسا:

إنني عانقت الإنسانية بحرارة وشوق ملتهب ولكن - وآ أسفاه - لم أجد نفسي إلا بين ذراعي كتلة من جليد)

إن النفوس التي نشأت في كنف الله، تجد - عندما تنعتق منه - ما لا نجده غيرها من أصناف الألم، وضروب التوجع، لأن هذا الفراغ الذي كان يملؤه الله ينقلب إلى ظمأ شديد لا يرويه شيء ولا يطفئه شيء.

هذه هي المرحلة الأولى التي قطعها شيللر ومن ورائها مراحل، والآن أصبح يظهر تردده كمذهب في كتابه (رسائل فلسفية من جول إلى روفائيل) فما كان جول إلا الشاعر نفسه، وما كان روفائيل إلا صديقه الشاعر (كرونر). ففي (جول) تجلى نفس فتية ينتابها الشك، وهي لا تستطيع أن تفر من أسفها على إيمان فقدته!

قال: (يا لها من أيام سعيدة! تلك الأيام السمارية، حين كنت أتبع مورد الحياة بعينين مغمضتين، كنت مستسلماً لعواطفي وكنت سعيداً. علمني روفائيل أن أفكر. وهأنذا الآن أكاد أذري دموع الندم على هذا الاستكشاف. أنت سلبتني الإيمان الذي كان يودع الراحة في قرارة نفسي، وأوحيت إلى أن أزدري كل ما كنت أحترمه فكم من أفكار كانت عندي مقدسة فنزعت حكمتك (الحزينة) عنها رواءها. وأذهبت بهاءها.

كلما رأيت الناس وهم يرددون صلاة واحدة بلحن واحد قلت لله هذه الشريعة التي استمسك بها الناس! فبعثت في قلوبهم الراحة والسكون.

عقلك قد أطفأ هيامي النفسي. أنت قلت لي: لا تؤمن إلا بعقلك. ولا مقدس غير الحقيقة، ولا حقيقة إلا ما يتقبله عقلك - وهكذا أطعتك وصرفت عني أبهى أفكاري.

والآن عقلي وحده ظل معي ليكون وحده دليلي يحملني إلى الله. إلى الحقيقة والأبدية. فتعساً لي إذا وجدت ما يخالف تفكيره. أو عراني شك في معرفته، أو غزاه داء تركه مشلولاً)

فروفائيل يمثل أصحاب المذهب العقلي القائلين بأن لا حكم إلا للعقل كما يذكر جول: (أنت قلت لي: لا تقبل شاهداً غير العقل، إذ لا مقدس إلا الحقيقة. والحقيقي هو الشيء الذي تعرفه بعقلك , قد أطعتك وضحيت بإيماني وغدوت كالظافر اليائس الذي أحرق كل سفنه وقطن في الجزيرة الجديدة قاتلاً منه كل جاء بالرجوع. فعقلي هو الآن كل شيء وهو وحده يحملني إلى الله ويفتح لي أبواب الحقيقة والأبدية! ولكن تعساً لي إذا ضل دليلي الطريق فالعادة لا بد أن تغادرني. وويل لي إذا شاء القدر أن تتقطع أوتار هذه القيثارة، فتضطرب ألحانها، وتكثر أشجاني وأشجانها.)

وفي فترة ثانية يكتب جول هذه الرسالة لروفائيل:

(إن مذهبك قد خدع كبريائي، كنت سجينا وأنت جذبتني من عجلتي لتقودني إلى ضوء النهار. فالنور الذهبي والفضاء الفسيح قد لامسا جفوني. بالأمس كان يرضيني من المجد الوضيع ان أكون ابنا صالحاً وصديقا فاضلا ورجلا نافعاً لبلده، أما أنت فقد صيرتني رجلاً إنسانيا.)

قال لي روفائيل: المملكة الوحيدة في العالم الروحاني هي مملكة العقل

وفجأة ترى الشاعر يحس حقارة الإنسان إزاء عظمة الوجود فيجعله إحساسه هذا في شك من نفسه فيقول:

في أي مكان حيثما حولت أنظاري يا روفائيل يبدو لي الإنسان محدود العقل، وان هوة عظيمة تفصل بين تأملاته وبين الحقيقة لا تغبطه على النوم الذي يستريح فيه ولا توقظه! فالعقل هو مشعل في عجلة ينير لحظة فوق رأس السجين ثم يتركه في ليل أكثر حلوكة. إن فلسفتنا هي رغبة (أوديب) في المعرفة رغبة يحوطها الألم. ولا تنتهي من الإلحاح والسؤال حتى يجيبها مجيب (هل تستطيع أن تعلمني من أنت؟) ولكن الشك أخذ يحز في قلب جول وجول يصيح ويتألم فتخمد جذوته المشتعلة، فيقول مؤنبا (روفائيل) بلهجة النادم:

(هل تعيد إلى حكمتك ما سلبته مني؟ وإذا لم يكن - لديك - مفتاح تفتح لي به السماء فلماذا طردتني من الأرض؟ وإذا كنت تعلم أن سبل الحقيقة وراء حفائر الشك المخيفة فلماذا ألقيت صاحبك في هذه الشعب الملتوية؟

أنت هدمت كوخا حقيرا لتشيد على بقاياه قصرا منيعا ولكنه قصر فارغ ويا للأسف!

روفائيل!! أطلب منك نفسي، فأنا لست بسعيد.

قد فقدت شجاعتي، ويئست من قوتي. ويدك وحدها تستطيع أن تشفي جراحي.) وروفائيل يجيبه: (عزيزي جول:

أتريد أن تنصب عليك السعادة من السماء بدون انقطاع؟ هذا كثير على نصيب الإنسان. داء الشك الذي وقعت فيه لن تشفى منه إلا بنفسك، وبرغم أن يقظتك تعسة فإنني لا أملك علاجا أنقذك به من خيالك واحلامك؛ أنا لم أضع شيئا للنفوس التي هي أمثال نفسك إلا أنني لقحتها بالاضطراب الذي لا مفر منه

أيها الجاحد! قد لعنت العقل ونسيت النعم التي حباك بها.)

وها هو ذا روفائيل يحاول أن يقود صديقه إلى الحقيقة فيكتب له:

(ما الشك - يا صديقي - إلا حدة العقل الإنساني في ثورته. على أن الهزة الشاذة التي تصيب النفس النامية يجب إلا تؤول بها إلى تأييد صحتها، وتثبيت وجهتها، وكلما كان الخطأ بعيدا كان الظفر بالحقيقة أكثر خطراً. وكلما كثرت عوامل الشك في الإنسان كان أكثر لجاجة في تحري اليقين)

وكتاب روفائيل الأخير يقر بتأثير مدرسة (كانت) الفيلسوف. وفي تلك الأثناء كان شيللر يقف أجدر ما كتبه (كونسبرغ) بالمطالعة من تصانيف فلسفية. فقرأ فيها بان أفكارنا وآراءنا التي نراها، قد يمكن إلا يكون لها خارج عقلنا حقيقة مدركة. ومثل هذا المذهب يوافق كل الموافقة مذهب شكه، بل يذهب شيللر إلى أبعد من ذلك، فبينما كان (كانت) يحرص على شيء من الحكمة في (العقل المكتسب) إذا بشيللر يسلخ عن (الكانتيسم) هذه النتيجة التي تجعل الواجب شيئاً مجرداً والفضيلة حلماً.

والآن فلنتل بعض مقطوعاته نر فيها هذا الشك بارزاً بألوان مختلفة يفيض على جنباتها، ونرى الجمال الفني أسمى صفاتها. أما المثل الأعلى فأنت مجهد نفسك باطلا لتقف عليه. لأنه هو حلم , يقول: (لقد خمدت تلك الشمس التي كانت تضئ أيام فتوتي. وذهبت رسوم ذلك العالم الكامل الذي كان يهجس به ضميري. وضاع إيماني الجميل بتلك الأشياء التي كانت تخلقها لي أحلامي الوادعة الإلهية.)

كان الشاعر يسأل. ما هو الوجود؟ وأين يذهب؟ وما يحول؟ والإنسان نفسه ما هو؟

هو في بعض أحيانه:

(كحاج في ربيع أيامه، وقف في الطريق يستخفه الطرب فسمع صوتا يهتف به: سر وثابر على سيرك حتى تبلغ الأفق، حيث يغدو ما هو أرضي ترابي سماوياً لا نهائياً. هذه كانت أنشودة الفجر:

ولكن - وا أسفاه - قدم المساء وحالت الجبال والأنهار دون سيره، فترامى على البحر لكي يبلغ غايته! ولكن الغاية كانت تفر دائما دون أن يدركها.

وقف الحاج في النهاية قائلا! (وا أسفاه! لا طريق تقودني إلى الغابة، والسماء لن تلتقي مع الأرض. والمكان الذي أنا فيه ليس هو بالمكان الذي يجب أن أكون فيه.)

وهو في بعض أحيانه الأخرى (كالهارب) الذي يسأل نفسه. (أين يجب علي أن أمشي حتى أجد الهدوء؟ أنا متكئ على عصاي! والأرض الضاحكة بربيع شبابها ما هي - لي - إلا كالضريح.

فاصعد يا لون الصباح! ولون الشفق والقبل الملتهبة هذه الإحراج والغابات. وانزل أيها المساء، وسكن بهمسك الجميل هذا العالم الذي سكنت منه الحياة

أنت أيها الفجر لا تنير إلا حقلا للأموات، وأنت أيها المساء لا تهز بهمسك الجميل إلا نعاسا طويلا.)

ولكن أية أحلام يريدها الشاعر في قصيدتة (آلهة اليونان) ففي هذه المقطوعة يظهر الهدف الذي سعى إليه، ووضعه نصب عينيه. فهو يتغنى بالشك ويتباهى به، لأنه يقدس من اليونان الأقدمين ما يريد أن ينشره من عبادتهم الوثنية فهو يعظم خلقهم البسيط، وبكرم أساطيرهم الحساسة. بل هو يأسف على ذهاب العصر الذي كانت تحكم فيه مجموعة آلة لطيفة تسيطر على العالم. وتقود الناس وراءها إلى إلهات اللذائذ والمسرات ويختم هذه القصيدة بقوله:

(سرعان ما تبدل كل شيء! في كل الخليقة يجري سلطان الحياة المطلق

أما النبات القديم، والوقار الحزين فقد طردتها من عبادتك الصافية. وكل القلوب يجب أن تخفق سعيدة مغتبطة لأن السعداء كانوا حلفاءك، ولا شئ إذ ذاك مقدس غير الجمال) أما وقد قطع هذه الرحلة فليدن خطوة أخرى! أليس هو معتنقاً مذهب الشك وناصراً مذهب اللذة فلماذا لا يؤمن بالعدم ويتغنى به؟ وهذه قصيدة (الخضوع للقدر)

إن إنسانا مخلوقا للسعادة يتمثل لنا في يومه الأخير. كان زاهداً في كل طيبة من طيبات دنياه، راجيا منه العالم الثاني أن يحتسب له هذه التضحية. سفك الدمع الكثير ولم يتمن إلا وعداً إلهياً حتى يكمل إلى النهاية غلبته على قلبه، وأخيرا دنت الساعة التي ينال فيها ثوابه. فانتصب الرجل الأمين أمام عرش الله ليذكره بالوعد الذي ضحى في سبيله بكل ملذة.

فكان الجواب:

إنني احب كل أبنائي على السواء. أنت تأملت فكان التأمل ثوابك، وآمنت فكان الإيمان سعادتك، أنت تستطيع أن تستفهم العقلاء وهم سيقولون لك (أن الأبدية لن تعيد إليك ما فرطت في ملذاتك.)

(البقية في العدد القادم)