مجلة الرسالة/العدد 286/الكتب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 286/الكتب

مجلة الرسالة - العدد 286
الكتب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 26 - 12 - 1938


جان درك

تأليف برناردشو

وتعريب الدكتور أحمد زكي بك

الحقيقة بطبيعتها جافة ثقيلة على النفس، ولكنها إذ تمتزج بالفن يتجلى فيها الجلال والجمال، والقوة والأناقة، والبهاء والرواء، والصفاء والوضوح، فتهش لها النفس، وتهفو نحوها الروح، وينطلق العقل في رحابها الفسيح نشوان متيقظاً كالنحل يرف على رحيق الزهر

ولا غرابة إذ لم يكن للحقيقة من نفسها بعض هذا، وكان لها من الفن كل هذا، فإن مهمة الفن أن يجمل الأشياء، ويقرب الأوضاع، ويزين الواقع، ويصل الحقائق المجردة بالعواطف والأحاسيس، وغاية الرضا عند الإنسان أن يشبع ما فيه من العواطف والأحاسيس

لهذا نجدنا نجفو كثيراً من الحقائق إذ يسردها التاريخ، ولكنا نهش إليها إذ يرويها الفن، وأنا لنرددها كثيراً فلا تزيدنا إلا متاعا ولذة، ونكررها مراراً فلا تغمرنا إلا بالراحة والاطمئنان. وهانحن أولاء نحب أن نتغنى كثيراً بحروب طروادة، ونشغف بأخبارها وملامحها غاية الشغف ولكن لا كما رواها الرواة ودونها المؤرخون، بل كما أنشدها في القديم الغابر شاعر ضرير اسمه (هوميروس)

وهذه القصة التي نقدمها للقراء اليوم إنما هي حقيقة من تلك الحقائق التاريخية خرجت في إطار من الفن المهذب، فموضوعها (حياة جان درك) وهي أشهر مجاهدة قديسة في تاريخ النصرانية، وأغرب شخصية بين الكفايات الممتازة الشاذة الأطوار في القرون الوسطى، جاهدت أن تفرض نفسها ودعاواها على الناس فرضاً، فشاع اسمها وذاع في غرب أوربا، ولم تكن بلغت العشرين بعد، وقد نهضت من الحضيض إلى العلاء نهضة باغتة، فلم يكن للناس فيها إلا رأيان: رأي يقول: إنها آية من آيات الله، ورأي يقول: إنها امرأة ثقيلة الظل لا يطيقها إنسان أما واضع القصة ومؤلفها فهو (جورج برناردشو) وهو في الأدب الإنجليزي من أكبر شخصياته إن لم نقل أكبرها في القرن العشرين، وفي أحقاب خلت. . . والقوم هناك يقدسونه إلى حد كبير، فلن تجد بينهم اسماً في عالم الأدب والسياسة ترهف له الآذان كاسمه، ولا جدلاً يهرع الناس لحضوره كجدله، ولا لساناً أقذع في النقاش وألذع في الجواب كلسانه، ولا فكاهة تنم عن صاحبها كفكاهته، فهو شخصية قوية، وعبقرية متميزة بكثير من المواهب، وإن له في فن القصة آيات بينات.

وأما المترجم فهو رجل درس العلم، واتصل بالأدب، وعالج الترجمة، فأكسبه العلم الدقة في الأسلوب، والتعقل في الاختيار، وأفاده الأدب السلامة في التعبير، والأناقة في اللفظ، وكان له من علاج الترجمة خير مران مكنه في هذه الناحية وثبت قدمه، فهو أمين في نقل غرض المؤلف، فطن في فهم إشاراته ومراميه، واضح في التعبير عن ذلك كل الوضوح. وتلك درجة قل في المترجمين من يبلغها، وهي الفرق بين ترجمة وترجمة. . . وهي التي تثبت شخصية المترجم فيما ينقل، وأنا إذ أقول سلامة التعبير، فأنا أشهد بأن المترجم قد بلغ في ذلك الغاية، فقد قرأت الرواية وأنا أراقب الرجل في أسلوبه، وحاولت جاهداً أن أحصي عليه، فلم أقع إلا على (أصواتها الداوية ص71)، (كلما داهمهم ص234) (نقص نضوجها ص268). على أن تلك من الأخطاء الشائعة في الألسن والأقلام، فقليل في الأدباء من يفطن إلى الصواب في ذلك فيقول: (مدوية. ودهمهم. والنضج). على أن الأخيرة مما يصح في القياس وإن تثبت في السماع.

ولقد كثرت الترجمة في هذه الأيام، وملأت فجاج الأرض وزادت على حاجة القراء خصوصاً في الأدب الروائي، ولكنها في الواقع ترجمة مبتذلة، لا تتصل بفن، ولا تقوم على وضع ولا تزيد في الثروة الأدبية ولكنها نقص وتدهور، فهي لا تعنى إلا بالقصص الداعر، والغراميات الحيوانية، وحوادث الإجرام واللصوصية، والسفك والانتحار، وكل ما هو على الأخلاق وقلب للأوضاع، واستهانة بالتقاليد. أما الترجمة القويمة التي نحن في أشد الحاجة إليها لتنهض بنا في مناحي العقل والتفكير والشعور والإحساس والحب والعطف والخير والكمال فذلك عندنا شيء قليل نادر كالكبريت الأحمر، وما ترجمة (جان درك) إلا من هذا الشيء القليل النادر، المفيد النافع، فهي ليست من القصص الفارغ الذي يطلبه القارئ لقتل الوقت وتزجية الفراغ، ولكنها أثر أدبي جليل حي بموضوعه وبفنه، فترجمتها إلى العربية يد جليلة وفكرة رشيدة قد أسداها الدكتور الفاضل إلى اللغة العربية والفكرة العربية

وقد تقول: إن قصة (جان) أليمة في وقائعها قاسية على العواطف بفجائعها، وأنا أقول: أجل ولكنها مع ذلك سائغة محتملة بالفكاهة الطريفة والنكتة المستملحة، والنادرة الساخرة، والبادرة البارعة، يحرص (شو) على ذلك في كل مواقف الرواية وحوادثها، وناهيك بفكاهة (شو) وبراعته في ذلك، ولقد زاد في قوة الرواية الفنية تلك الحياة التي خلقها (شو) في كل أشخاصها فكل منهم متحرك في عمله، وكل منهم ظاهر بنفسه في تأدية دوره، فلا ظهور لشخص على حساب شخص معطل كما يفعل ذلك كثير من القصصيين، ولا نبو ولا شذوذ ولا إغراق كما صنع مارك توين في قصته عن (جان) ولكنها الحوادث تجري على الوضع الطبيعي، وتستقر على النهج المألوف

ومما يزيد في قيمة الرواية ويرفعها تلك المقدمة الحافلة التي تناول فيها المؤلف شخصية (جان درك) الغريبة، فنظر إليها من جميع جهاتها، وأبدى رأيه صريحاً في كل مظهر من مظاهرها وقارن بينها وبين الأشخاص الذين هم على شاكلتها، وأنت تعلم أن جان فرنسية، وشو إنجليزي، وجان كاثوليكية، وشو نشأ في بيئة بروتستنتية، وجان روحانية في تفكيرها وفي آرائها، وشو رجل يحترم عقله ويقدس العلم والفكر الحديث، ولكنه فيما كتبه عن جان وضع الحق فوق كل اعتبار فكان حراً صريحاً، وكان باحثا مخلصاً ينظر إلى الواقع بعقله وقلبه وروحه وشعوره وعلمه وخبرته، وقد استعرض (شو) أقوال الكتاب والروائيين الذين كتبوا عن (جان) من قلبه، فانتقد ما فيها من التهافت والإغراق، وحاول أن يظهر جان في شخصيتها الطبيعية مرتفعاً بها عن المبالغات قوم قدسوها فطاروا بها إلى مسبح الأفلاك، وتحامل قوم حقروها فانحطوا بها إلى مجرى الأسماك، وعندما يقف عقل (شو) فلا يجد له منفذاً للتأويل والتخريج تجد الرجل لا يواري ولا يداري ولكنه يصارحك بالحقيقة التي في نفسه كما يقول وهو يتحدث عن أصوات جان وأطيافها: إن العقيدة تتحصل للإنسان فيما تتحصل من أنماط عيشه وعادات بيته، فأما أنماط عيشي ففكتورية، وأما عادات بيتي فبروتستنتية، فمن أجل عاداتي وأنماطي هذه أجدني عاجزاً عن التملص من نفسي لأحكم حكماً مجرداً بأن أطياف جان كانت أطيافاً حقة)

ففي قصة جان وفي مقدمتها اجتمع فن (شو) وعقله، وتجلت عبقريته وبراعته، وإن الدكتور أحمد زكي بك خير من يؤدي ذلك بدقته وأناقته، فلا غرابة إذا قلنا إن القصة قد جاءت في موضوعها وفي تأليفها وفي ترجمتها آية القوة والبراعة والدقة

محمد فهمي عبد اللطيف