مجلة الرسالة/العدد 272/ليوم الإسراء: يوم فلسطين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 272/ليوم الإسراء: يوم فلسطين

مجلة الرسالة - العدد 272
ليوم الإسراء: يوم فلسطين
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 09 - 1938


الثورة الفلسطينية ثروة ضخمة للنفس العربية

للأستاذ عبد المنعم خلاف

يا مريقي دمائهم لنا! عقوق ما بعده عقوق أن نقدَّم لكم كِفاءها من المداد الأسود!

وأنا أعلم أنكم في شغل بجمع أشلائكم وآرابكم المبعثرة في الطرقات والجبال والمدن، عن جمع هذه الحروف والألفاظ من الصحف؛ وفي شغل يدوي الرصاص عن هذه الأصوات من بني عمومتكم الذين يكتفون في جهادهم لكم بإنشادها وتزويقها وتزويرها أمام عيونهم العمياء وأسماعهم الصماء. . . فلست أسوقها لكم فأهين قضيتكم وعزائمكم التي تقول لنا: الآن فات أوان الكلام وقصائد التشجيع والإطراء. . . وإنما أسوق هذه الكلمة لأنبه القوالين هنا وفي كل مكان عربي إلى أن من العيب الفاضح والقصور الفاحش أن نصر على ألا ندفع في مقابل هذه الثروة النفسية الضخمة التي قدمها أهل فلسطين للعالم الإسلامي والعربي إلا الألفاظ العاجزة الذليلة، وأن نتلهى بإدارة أحاديث شقائهم، ونقنع لهم بدعاء العجائز. . .

إننا نحصل كل صباح ومساء من ثائري فلسطين - والكل فيها ثائر - على مقتنيات من معاني التضحية والأيمان والبسالة، ما حصلنا عليها من كتاب ولا تاريخ ولا مشهد من مشاهد الدنيا ولا حركة من ثورات الأمم

لقد اشترى الله منهم نفوسهم ثم وزعها على أمثالنا من فقراء النفوس! ففي كل نفس مسلمة وعربية الآن قطعة من نفوس مجاهدي فلسطين، وزعها الله القوي بيده ليعطينا خمائر الإيمان به وبالحق إيمان المجاهد لا إيمان الضعيف المستضعف. ولعل وراء هذه المحنة إرادة خفية للقدر في إيقاظ نفوس العرب والمسلمين وتوجيههم إلى الطريق. . . ولعلها رسالة جديدة من فلسطين أرض الرسالات والنبوات. . .

فالله - له العزة - يقترض من الأغنياء للفقراء، والغنى والفقر على سواء في الأموال والأنفس. . . فلنفهم هذا

ولقد تضخمت الثروة النفسية للعرب والمسلمين من هذا القرض الذي يعقده الله لنا من الشهداء والمجاهدين. وقد كنا نعيش في فقر مدقع من الأمجاد والمفاخر منذ عهد صلاح الدين، حتى أتى هؤلاء وجادوا علينا بأقصى غاية الجود فأصبحنا في غنى كبير

إن الله وحده هو الذي استطاع أن يشتري هذه النفوس الشابة من أسواق الحياة الناعمة وأن يرفعها على أعين المسلمين شهيدة كما ترفع الراية أمام الجيش المهزوم فتجمع فلوله، وتذكره بشرفه وترده إلى فكرة وطنه وأهله وذرياته ومصالحه

لقد أعطى الفلسطينيون أممهم الإسلامية والعربية قطعة من الزمن الخالد الذي يقف في مكانه من ذاكرة التاريخ جديداً عجيباً دائماً! مع الأيام الخالدات التي مضى الدهر وتركها للناس لأنها الساعات الفاصلة في وجود نوعهم على وجه الأرض. . . فهم يحتفظون بها في يقظة واعتزاز ويسلمونها كذلك إلى الذريات والأنسال

ولقد كتبوا بدمائهم وآلامهم براهين جديدة على صدق مولانا محمد، وأنه لن يزال مستطيعاً بحفنة من أبنائه أن يفعل في الدنيا الجديدة ما فعله في الدنيا القديمة بحفنة (بدر)!

أتقرءون أيها القراء أخبار ثورة فلسطين كما تقرءون بقية الحروف السوداء في الصحف؟

إني أقسم أني أراها حمراء نارية، صارخة، مطاردة، متربصة، لها وجوه وأجسام تسعى على الصحف كما تسعى وتحيا معانيها ومدلولاتها في الجبال والوديان والكهوف والمدن والقرى!!

إنها أول ما أبادر إلى قراءته كل يوم قبل الوضوء والصلاة لأغسل قلبي بالدم الكريم الذي يفيض من حروفها على نفسي. . ولأتلوها صلاة قبل الصلاة المكتوبة التي أقف فيها بعدئذ بنفس تشعر أنها ذليلة طريدة لم تدخل إلى الله كما دخل هؤلاء المجاهدون، وتشعر أنها في آخر الصفوف حين تكتفي في خدمة الله والحق والمجد بتزويق الحروف!

وقد أصبحت حريصاً على أن أدخل إلى نفسي في صباحها ومسائها أخبار هذه الزلزلة والتحطيم ومصارعة عوامل قوة الضعف لعوامل ضعف القوة، لأرى كيف تترك النفوس المؤمنة الشريفة حياة اللذة والرفاهية وتعيش في الجبال مشردة كالصقور والنسور. ولا ريب أن هذا يفتح أعيننا اللاهية على آفاق في الحياة رؤيتها ألذ من اللذة بألوان النعيم المعهود

ولقد أصبحت أكرر دائماً هذه الجملة:

لابد من جنون أيها العقلاء! وهي جملة أوحاها إلي قلمي مصرع الشهيدين عز الدين القسام وفرحان السعدي: الشيخين اللذين فتحا باب الثورة في فلسطين بتدبير جنوني في رأي من يستعبدهم واقع الحياة، وليس لهم إلهام العقيدة الذي يمتد بالملهمين إلى ما وراء عالم الأعين والحواس. . .

ولكن هذا التدبير أنتج صميم العقل والمنطق لأنه دفع بالقضية الفلسطينية إلى الموقف الفاصل بعد أن سئم المحقون الجدل مع (الثعلب) و (الأسد) في الحق الذي ينادي على نفسه وأصحابه. . .

وسواء انتهى النضال في فلسطين بفوز العرب أم بفوز أعدائهم لا قدر الله، فإنهم أعذروا وأقاموا الحجة وشفوا نفوسهم ونفوس العرب وخلوا أنفسهم من تبعات التقصير، والتبعة الكبرى بعد ذلك على بقية العرب والمسلمين

وآفتنا في قضايانا الوطنية هي هؤلاء العقلاء المناطقة الذين لا يعرفون الفرص التي يجب على الإنسان فيها أن يجن! وأول درجات جنونه ألا يفكر في نفسه، وأن يذهل عنها. وحين ينحرف لهذا عقله وطبعه يفعل الأعاجيب، ويحصل بالجنون من الحياة التي لم تنصفه العقول فيها على كل ما يطلب. . .

انظر إلى المنطق الذي يقعد المسلمين عن الموقف الحاسم في المشكلة الفلسطينية: إنه يتمثل في هؤلاء الأفراد الذين لا يدينون إلا بالفردية ويسخرون من الأشخاص السائرين وراء كلمة الشرف أو (الوطنية) أو (العقيدة) وهؤلاء مقيدون بواقع منافعهم وخصوصياتهم ولذاتهم وحماقات نفوسهم وأجسامهم، وليس عليهم وراء ذلك مسئوليات وتبعات

وهؤلاء هم الذين يقعدون دائماً بأممهم عن الوثبات والقفزات لأنهم غلف القلوب عمي العيون عاجزو الأقدام

فلو فكر الفلسطينيون (بالعقل الوضعي) و (الواقع العملي) في قوة إنجلترا وغنى الصهيونيين، مقارنين ذلك بضعفهم وفقرهم أكانوا أقدموا على عمل شيء من هذه المعجزات التي يقومون بها الآن؟

لقد انطلقوا من كل قيد وصاروا قوة تفكر بالرؤوس والأرجل والأيدي كما توحي الساعة وتلهم الظروف وتحتم الحياة. وصاروا قوة من قوى الطبيعة الغاضبة كالأعاصير والزلازل والبراكين أولى بساستنا وجماهيرنا أن يشعروا حلفاءنا الإنجليز في موقف حاسم تتجمع فيه كل الإيرادات بما في طويتنا من أننا لا يمكن أن نسلم بأن تخرج فلسطين من أيدينا.

والواقع أن هذا هو ما سيكون. ولكن ترددنا وتفرقنا وعدم إظهار مكنون صدورنا في الوقت المناسب هو الذي أطمع اليهود وأوهم الإنكليز أننا سنخدر بالتدريج ونخدع عن مصير فلسطين.

وأؤكد أن الفلسطينيين والمسلمين لو أبدوا من ابتداء ظهور القضية الصهيونية ما يبدونه الآن من الثورة العملية في فلسطين والثورة النفسية المنذورة بالشر في كل بقاع العرب والمسلمين. .

ما سارت فلسطين إلى مطمع لليهود. ولكن ترددنا وانقسامنا وعدم النظر البعيد إلى المستقبل هو الذي أطمعهم في أن يكون لهم حق فيها وان يصير هذا الحق مكتسباً بتوالي الهجرة.

يا أهل فلسطين المعذبين! وحق العزة والشرف لأنتم أسعد المسلمين الآن، وأغناهم وأكثرهم أمنا!

أسعدهم، لأنكم تركتم نحس الذلة وكآبة العبودية، وتحررتم من كل شهوة دنيئة إلى الحياة الحقيرة المحدودة التي يرومها لكم المتآمرون عليكم

وأغناهم؛ لأنكم ملكتم دنياكم وظروفها إذ ملكتم أنفسكم الرحبة العظيمة وصرَّفتم مقدرات وطنكم بها ولم تبيعوا منها شيئاً بشيء من أوساخ الدنيا وأثمان الناس. . بل جعلتموها وقفا محبوسا لله يأخذ منها ويوزع على المسلمين الفقراء إلى النفوس. .

وأكثرهم أمناً؛ لأنكم لكم ما تخافون عليه من الموت بعد أن صار الفداء مشتهى أحدكم. ومتى ما صارت المنايا أماني فالأموال والثمرات والأولاد تسقط من موازين التقدير وحساب الموجود والمعدوم. والنفس تنطلق كما ينطلق الإعصار لا يبالي أن يقع بجسمه على مطرح لين رخو كماء البحر، أو على مطرح قاس كوجه الصخر! إنه قوة مسلطة جائحة، قيل لها من إرادة الحياة العليا: كوني طائعة في يدي. . . ثم هُبي ثائرة جارفة كما أريد فكانت. . .

فالنفس الثائرة لحق الله وحق الحياة، آمنة غاية الأمن ولو طبخت بالنار. . . ولو زلزلت من تحتها الأرض. . . ولو وقع عليها سقف الدنيا!

أيها المسلم!

أيها العربي!

أدفع ثمن ما تأخذ من أهل فلسطين كل يوم من المعاني الكريمة التي تخلقك خلقاً آخر. . . أدفعه للأرامل والأيتام والعجزة المنكوبين في سبيلك وفي سبيل مقدساتك

أدفعه لنفسك إذا كنت ذا نفس!

وإذا كنت أثيراً أنانياً لا تفهم هذا الكلام فافهم وتعلم أن تطفئ النار التي في بيت جارك قبل أن تمتد إلى دارك

(القاهرة)

عبد المنعم خلاف