مجلة الرسالة/العدد 272/تذييل للحاشية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 272/تذييل للحاشية

مجلة الرسالة - العدد 272
تذييل للحاشية
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 09 - 1938


للأستاذ عباس محمود العقاد

الشاطئ قليل الزوار، مقفر أو وشيك الإقفار، وقد ظهرت الكروش في الحمامات، فكان ذلك علامة من علامات (التقويم) الذي اصطلح عليه رواد الشواطئ ومراقبوها، فلا تظهر النساء ذوات الكروش في الحمامات المشهورة إلا كان ذلك دليلاً على إقبال الخريف وانقضاء الصيف. إذ كان الزحام مغرياً بالتنافس في محاسن الأجسام، فإذا قل الزحام قل التنافس واجترأت على الظهور، من لم تكن قبل ذلك تجترئ على العبور

وقضى الله ألا يكون شيء من الأشياء نافعاً كل النفع ولا ضاراً كل الضرر. فمن محاسن الشاطئ الذي كثرت أضراره في رأي الوعاظ والمرشدين أنه يهدي إلى حاسة الجمال ويبثها في سليقة النساء والرجال. وهذا غرض كان الأقدمون يتوخونه بالرياضة، وكان الإسبرطيون يبلغونه بإقامة المواسم التي يتبارى فيها الفتيان والفتيات في مرانة الأعضاء ومرونة الأوصال. ولا ينحصر النفع بعد ذلك في تحسين الجسد أو تحسين الذوق أو تحسين الحركات، بل8 يسري إلى الأذهان والأخلاق والأعمال والمعاملات، فإن الذي تعود ملاحظة الجمال في تركيب الجسم وتوجيه حركاته خليق أن يتعود مثل ذلك في فهم الأمور وتقدير المناقب والصفات، ثم يقل اشتهاؤه للجسد من ناحية الغريزة الحيوانية، لأنه لا يستطيع أن يشتهي كل ما يراه، ولأنه يألف ما يراه ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم فينظر إليه نظرته إلى الصور والتماثيل، ويعرضه على مقاييس الفهم والتمييز، ولا يعرضه على مقاييس الشهوات واللذات

فالحسناء التي تبدو على الشاطئ عارية أو شبه عارية لا تثير من غريزة الناظر بعض ما تثيره وهي لابسة جلباب النوم في شرفة الدار، فإذا كان ما يراه مائة حسناء - ولم يكن فرد واحدة - فليس في وسع غريزته أن تنطلق في جماع شهواته ونزواته، ولا بد له من الإخلاد إلى التأمل والاكتفاء بالنقد والتمييز والتطبع بهذا الطبع والإعراض عن حكم الغريزة وحده في النظر إلى الأجسام

وعلى الشاطئ يعرف الناظر معنى الاصطلاح في قوانين الاجتماع، ويعرف أن مسألة الملابس أكثر ما تكون مسألة اصطلاح وعادة وتواضع بين الأمم كل أمة بما درجت عليه وجنحت مع الزمن إليه

فقد كنا نجلس في ديوان من دواوين الحكومة والى جانبنا نافذة تطل على الطريق، وأمام النافذة بيوت وشرفات، فظهر على إحدى هذه الشرفات رجل يلبس (البيجامة) أو المنامة كما سماها صديقنا المازني وأصاب في إحدى قصصه الصغار، فما راعني إلا تأفف لمحته على وجه الموظف الكبير الذي كنت أزوره، وإذا به يصيح في غضب واشمئزاز: أهذا أدب؟ يتعلمون لبس المنامات ولا يتعلمون كيف يلبسونها وأين يدارونها عن الأنظار؟

فخطر لي أن الدعابة هنا واجبة وأنها من الدعابات التي يجئ معها البحث وتحسن فيها المناقش،

فقلت:

أترى الفرق عظيما بين المنامة والملابس التي يلبسها الموظفون من أهل الهند في دواوين الحكومة؟ أليس السروال هنا أسبغ على الجسم وأدنى إلى الوقار؟

فسكت قليلاً كأنما كان هذا السؤال لا يخطر له على بال، وراح يقول في تلعثم: (ولكن الناس عادات، وما يجوز في الهند قد يعاب بيننا نحن المصريين، وهذه المنامة من ملابس الأوربيين فإذا اقتدينا بهم فيها فليكونوا قدوة لنا في مواضع لبسها وآداب الأزياء عندهم في جملتها. . .)

وكان جوابه في الحقيقة مقطع القول وفصل الخطاب في مثل هذا الموضوع، لأن المسألة مسألة اصطلاح وتقدير، فإذا كانت البيجامة لباساً للنوم والتبذل فهي لا تحسن في غير مواضعها من البيت أو مواضعها من رفع التكليف، ولا محل للمقابلة بينها وبين أزياء أهل الهند في دواوين الحكومة لأن الهندي الذي يلقاني بالقميص الطويل والسروال الواسع لا يعتقد ولا أعتقد أنا أنه يلقاني بثياب التبذل أو بثياب النوم، وهذا هو الفارق الذي يفصل بين زي وزي في مشارق الأرض ومغاربها، ولا فارق سواه في اعتبار الثياب والأزياء

إن لاعب الكرة لا يغطي من جسمه نصف ما تغطيه المنامة، ولكنه يظهر بين مئات الألوف في ميدان لعب الكرة ولا يقدر على الظهور بالمنامة لواحد من الزوار غير من يعاشرونه في البيت ويرفعون بينهم وبينه التكليف، وقد بلغ من تحرج بعض الأوربيين أنه لا ينتقل إلى حجرة الاستقبال في داره بغير ملابس الاستقبال، ولو لم يكن هنالك أحد من الزائرين

فالمسألة كلها مسألة اصطلاح حسب الوقت وحسب المكان وحسب السكان

ومن أجل هذا جاز أن يمشي الرجل والمرأة على شاطئ الحمام كالعاريين، ولم يجز لهما في عرف الشرطة أو عرف السابلة أن يصعدا السلم بهذه الحالة إلى عرض الطريق. ولقد يكون الشاطئ حافلا بالمئات من النظارة مستحمين أو غير مستحمين، ويكون الطريق خلوا من عابر واحد في تلك اللحظة، ولكن الاصطلاح وحده هو الذي يمنع هنا ما يجيزه هناك

ليست المسألة إذن مسألة طول (القماش) ولا مسألة شكله ولا مسألة تفصيله أو الجانب الذي يبديه أو الجانب الذي يخفيه، ولكنها كما أسلفنا مسألة المعنى الذي يوقعه في روع الناظر والشعور الذي يبعثه ويوحيه. ومن ثم يأتي اليوم الذي يغلب فيه الاصطلاح المتبع على الاصطلاح المهجور، وتخف وطأة الحكم الذي نحكمه على المستحمين والمستحمات ونحن صادرون عن معنى سابق وشعور قديم

على الشاطئ يعرف الإنسان هذا جميعه ويعرف معه سلطان الإرادة على تكوين الأعضاء، وتكوين الأذواق

فالأجسام الحسان التي ترى هناك لم تولد كلها ولا ريب على هذا الصقل وعلى هذا الهندام، ولعلها لم تكن كذلك قبل عام أو عامين، ولم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بفعل العلاج في الغذاء والعلاج في الحركة والعلاج في سائر الأعمال

وبهذه المثابة نفهم سلطان الإرادة، ونفهم أن الإرادة مسخرة لشعور الجمال حين يستعصي تسخيرها لشعور العقائد والفرائض والعادات

فهذه الحسناء اللعوب التي تحرم نفسها القوت والراحة وتنظر أمامها مشتهيات الطعام على المائدة فلا تقربها، وتصبر على يد الحلاق ساعات، وعلى يد الطبيب شهوراً وسنوات - كم تطيق من كل هذا أو بعض هذا في شهر رمضان؟

وكم تطيق من كل هذا أو بعض هذا إن كانت مسيحية وفرض عليها الدين أن تجتنب اللحوم والأسماك في بعض الأيام؟

بل كم تطيق من كل هذا أو بعض هذا إن قيل لها إن خطراً على الحياة يوجب عليها الصيام عن هذا الطعام أو التدثر بهذا الكساء على غير أحكام المساهر والأزياء؟ لا تطيقه كله ولا بعضه، ولا معنى لذلك إلا أن الإرادة تصوغ الأجسام، وأن شعور الجمال يصوغ الإرادة كما يشاء حين يستعصي أمرها على العقائد والفروض. ومتى علمنا ذلك فليس هو بالعلم الهين اليسير، ولا هو بالعلم الذي يأتي في عرض الشاطئ ويذهب في عرض الطريق، لأنه علم أصيل نستفيده ونستفيد به في التربية والتعليم: تربية الأفراد وتربية الجماعات

عباس محمود العقاد