مجلة الرسالة/العدد 265/للأدب والتاريخ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 265/للأدب والتاريخ

مجلة الرسالة - العدد 265
للأدب والتاريخ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 08 - 1938


مصطفى صادق الرافعي

1880 - 1937

للأستاذ محمد سعيد العريان

- 33 -

(سقط من المقالة الثانية والثلاثين المنشورة بالعدد الماضي من الرسالة، بعض عبارات خفي فيها بعض المعنى؛ كما وقع بها بضعة أغلاط مطبعية ابتعدت بها قليلاً عن النهج؛ فنعتذر من هذا وذاك إلى قرائنا، راجين ألا تلزمنا الضرورة مرة أخرى أن نعود إلى مثل هذا الاعتذار)

سعيد العريان

مقالاته للرسالة (4)

كان فيما تحدث به صديقنا المهندس الأديب محمد؟ إلى الرافعي من أسباب عزوبته أن الزواج عنده حظ مخبوء، فإنه ليخشى أن يحمل نفسه على ما لا تحتمل من العنت والمشقة في سبيل إعداد ما يلزم للزواج، ثم تكون آخرة ذلك أن يجلوا عليه فتاة دميمة لا يجد في نفسه طاقة على معايشتها ما بقي من حياته، أو فتاة فاسدة التربية لا يدخل بها على زوجته ولكن على معركة. . .

وقد ظل هذا القول عالقاً بذهن الرافعي يلتمس الوسيلة إلى تفنيده والرد عليه، حتى وقع على قصة أحمد بن أيمن (كاتب ابن طولون) فأنشأ مقالة (قبيحٌ جميل) وهي القصة الثانية مما أنشأ الرافعي لقراء الرسالة؛ وهي الحلقة الخامسة من سلسلة مقالاته في الزواج، وفيها توجيه معتبر للحديث الشريف: (سوداءُ ولودٌ خير من حسناء لا تلد!) يسلك هذه المقالة في باب (الأدب الدينيّ) الذي أشرتُ إليه في بعض ما سبق من الحديث.

ثم كانت الحلقة السادسة هي قصة (رؤيا في السماء)، وتتصل بما سبق من المقالات بأسباب، على أنها تتحدث عن الزواج بمعناه الأسمى، وتدعو إليه الدعوةَ الإنسانية تعتبر الزواج باباً من الجهاد لسعادة البشرية كلها. . .

في هذه المقالة؛ لا أعرف سببا خاصا من مثل ما قدمت ' دعاه إلى إنشائها، ولكنها جملة الرأي وخلاصة الفكر وأثر اشتغال الواعية الباطنة قرابة شهرين بموضوع الزواج؛ فهي من الموضوع كالهامش والتعليق، أو الحكم بعد المداولة، أو هي الصفوةُ الصريحة بعد ما يذهب الزَّبد وتنطفئ الرغوة. . .

وقد ترجم هذه القصة إلى الفرنسية الأديب الباحث الأستاذ فليكس فارس؛ وكانت هي أول الصلة بينه وبين المرحوم الرافعي ثم اتصل بينهما الود.

لما أنشأ الرافعي (قصة زواج) تحدث بها الأدباء في مجالسهم وتضاعفت رسائلهم إليه معجبين مستزيدين؛ وتضاعف إعجابه هو أيضاً بنفسه. . فاستزاد واستعاد، والتزم الكتابة على أسلوب القصة، فكان على هذا النهج أكثر رسائله من بعد

وجلست إليه ذات مساء نتحدث حديثنا، فقال وهو يدفع إلي طائفة من رسائل القراء: (اقرأ يا شيخ سعيد. . . أرأيت مثل هذا؟ أيحق لأحد أن يزعم لنفسه القدرة على خير مما أكتب في موضوعه؟ أيملك كاتب أن يردَّ عليّ رأياً من الرأي؟. . . ومضى في طرائق من مثل هذا القول عن نفسه وعن طائفة من خصومه؛ فعرفت أنه في لحظة من تلك اللحظات التي تتنبه فيها النفس البشرية إلى طبيعتها، فتؤمن بنفسها من دون كل شئ مما خلق الله، إيماناً هو بعض الضعف الإنساني في طبيعتنا البشرية وهو بعض أسباب القوة في النابغين من أهل الآداب والفنون! ذلك الإيمان الذي نسميه أحياناً صلفاً وعنجهية وكبرياء؛ ونسميه في النابهين والعظماء ثقة بالنفس وشعوراً بالقوة!

وكان يلذني في أحيان كثيرة أن أشهد الرافعي في مثل هذه الساعة من ساعات الزهو والإعجاب بالنفس، وأجد في ذلك متاعاً لنفسي وغذاء لروحي؛ لأن الرافعي بما كان فيه من طبيعة الرضا والاستسلام للواقع كان رفيقاً متواضعاً؛ فلا تشهده في مثل هذه الحال إلا نادرة بعد نادرة؛ فإذا شهدته كذلك مرة فقد شهدت لوناً طريفاً من ألوانه، يوحي إلى النفس بفيض من المعاني وكأنما هو يعدي سامعه من حالته، فيحس في نفسه قوة فوق قوته، وكأن شخصاً جديداً حلَّ فيه. . .

. . . وسرني أن أجد الرافعي كذلك في تلك الليلة، فأصغيت إليه ومضى في حديثه؛ فلما انفض المجلس ومضيت إلى داري، وسوس إلي الشيطان أن أعابثه بشيء. . . فكتبت إليه رسالة بإمضاء (آنسة س) أرد عليه رأيه في قصة سعيد بن المسيب وأعيب ما صنع الرجل بابنته، وعمدت في كتابة هذه الرسالة إلى تقليد أسلوب من أسلوب الدكتور طه، يعرفه قراء الرسالة ويعرفه الرافعي. . .

وبلغته الرسالة فقرأها، فنبهته إلى ما كان فيه من أمسه؛ ووقع في نفسه أن مرسلها إليه هو تلميذ أو تلميذة من تلاميذ طه موحَى إليه بما كتب فتحمس للرّد، وأنشأ (ذيل القصة وفلسفة المهر) وجعل أول مقاله رسالة (الآنسة س) وراح يسخر منها ومن صاحب رأيها سخرية لاذعة؛ ثم عاد إلى موضوع فلسفة المهر. . .

وقرأ الزيات المقالة فرأى فيها تعريضاً بصاحبه لم يرض عنه، فكتب إلى الرافعي يطلب إليه أن يوافق على حذف مقدمة المقالة، حرصاً على ما بين الرسالة وصاحبه من صلات الود. . . وكان له ما طلب، فنشرت المقالة في موعدها خالية من هذا الجزء ولكنها لم تخل من إشارات مبهمة إلى أشياء غير واضحة الدلالة وكذلك نشرت من بعد في وحي القلم. . .

ثم كانت قصة (بنت الباشا) وهي السابعة من مقالاته في الزواج، وقد ألهمه موضوعها صديقه (الزبال الفيلسوف) الذي تحدث عنه في هامش هذه المقالة. وهذه المقالة فيما ترمي إليه تعتبر متممة لموضوع (قصة زواج) فهي دعوة اجتماعية لآباء الفتيات إلى الانطلاق من أسر التقاليد في شئون الزواج، وفيها إلى ذلك شئ من الحديث عن (فلسفة الرضا) التي أسلفت القول عنها في (حديث قطين)

أما هذا الزبال الذي نوه به الرافعي في أكثر من مقالة، فهو من عمال قسم النظافة في (بلدية طنطا)، وكان عمله قريباً من دار الرافعي في الشارعين اللذين يكتنفانها، وكان إذا فرغ من عمله في الكنس والتنظيف اتخذ له مستراحاً على حيد الشارع تجاه مكتب الوجيه محمد سعيد الرافعي (المقاول)، فيقضي هناك أكثر أوقات فراغه، نائماً أو محتبياً ينظر الرائحين والغادين من أهل الثراء والنعمة، أو شادياً يصدح بأغانيه؛ فإذا جاع بسط منديله على الأرض فيأكل مما فيه، ثم يشعل دخينة ويعود إلى حبوته يتأمل. .

كان هذا الزبال صديق الرافعي، بينهما من علائق الود وصفاء المحبة ما بين الصديقين؛ وكان الرافعي يسميه (أرسطو الجديد). وأول هذه الصلة التي بينهما أن الرافعي كان يلذه أحياناً أن يجلس على كرسي في الشارع أمام مكتب أخيه، حيث اتخذ الزبال (محله المختار) فكان يوافقه في مجلسه ذلك على ما قدمت من وصفه، فيرفع يده إلى رأسه بالتحية وهو يبتسم، ثم يجلس؛ فكان يحادثه أحياناً في بعض شئونه يلتمس بعض أنواع المعرفة. . . ويكرمه ويبره. وأنس إليه الزبال، فكان يسأل عنه إذا غاب، وينهض لتحيته إذا حضر؛ وصار من بعض عادات الرافعي من بعد، أن يسأل عن الزبال حين يغيب، وأن يشتري له كلما لقيه دخائن بنصف قرش، مبالغة في إكرامه. . .

وكان الرجل أمياً ولكن الرافعي كان يفهم عنه من حركات شفتيه، وأحياناً يستدعي بينهما من يترجم له حديث الزبال مكتوباً في ورقة، وقد كنت الترجمان بينهما مرة. وكان الرافعي يحرص على هذه الورقات بعد نهاية الحديث كما يحرص الباحث على مطالعة أفكار من غبر عالَمه!

ومما كان يدور بين الرافعي وصديقه هذا من الحديث، عرف الرافعي طائفة من ألفاظ اللغة العامية كان يجهلها، وطائفة من الأمثال ونبهه ذلك من بعد ' إلى العناية بجميع أمثال العامة، فاجتمع له منها بضع مئات بمصادرها ومواردها، وأحسبها ما تزال محفوظة بين أوراقه. كما أفاد الرافعي من صداقة هذا (الفيلسوف الطبيعي) معاني وأفكاراً جديدة في فلسفة الرضا لم تلهمه بها طبيعته.

ولهذا الزبال صنع الرافعي أكثر من أغنية، أعرف منها الأغنية التي نشرها لقراء الرسالة في العدد 71 سنة 1934 وأغنية أخرى دفعها إلى الآنسة ماري قدسي معلمة الموسيقى بوزارة المعارف لتضع لها لحناً يناسبها.

وقد كان في نفس الرافعي أن يكتب مقالة عن هذا الزبال يتحدث فيها عن فلسفته الطبيعية العملية، وكان محتفلاً بهذه المقالة احتفالا كبيراً، حتى إنه همّ بموضوعها أكثر من مرة ثم عداها إلى غيرها حتى تنضج؛ وقد هيأ لها ورقة خاصة كان يجمع فيها كل ما يتهيأ له من الخواطر في موضوعها ليستعين به عند كتابتها، ولكن الموت أعجله عن تمامها، وأحسب أن هذه الورقة ما تزال بين ما خلف من الأوراق.

سيدي بشر

محمد سعيد العريان