مجلة الرسالة/العدد 238/بالرفاء يا فاروق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 238/بالرفاء يا فاروق

مجلة الرسالة - العدد 238
بالرفاء يا فاروق
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 01 - 1938


للأديب محمد فهمي عبد اللطيف

في الروضة الشريفة المطهرة، وإلى جانب المنبر النبوي الكريم، أخذ القوم مجلسهم كما تعودوا أن يجلسوا كل يوم؛ يجلس علي وعثمان وطلحة والزبير، وسعد وابن عوف وإخوانهم من المهاجرين في سبيل الله، يتباحثون فيما يتصل بشؤونهم، ويتحدثون بما يهم المسلمين وينفعهم؛ وكان لابد أن يوافيهم عمر في مجلسهم، وينقل إليهم ما انتهى إليه من أخبار الأمصار وسير الولاة في الناس، ويستشيرهم فيما حمل إليه من الآفاق، فيشيرون عليه، ولكن عمر لم يحضر اليوم كعادته، ولقد انتظره القوم أكثر مما يجب فما وافى إليهم، قال قائل منهم: ترى ما الذي تأخر بابن الخطاب عن مجلسنا، وأنا أعلم عنه صحة البدن وتمام العافية، وما أعرف أن عنده من رجال العرب أو أن هناك ما يشغله عنا، ويحمله على الخلف والتخلف؛ فلعله قد نسي مجلسنا اليوم، وما أحسبه قد نسيه من قبل!

قال عثمان: رفقاً يا قوم بابن الخطاب، فقد ألقيتم عليه أعباءكم كلها فنهض بها صبوراً أميناً لا يألو جهداً في تدبير أموركم، ولا يدخر وسعاً في سبيل راحتكم وراحة المسلمين كلهم. ولقد وسوس الناس منذ أيام فيما بينهم بأن عمر يريد أن يعرس لنفسه، وهو جاد في اختيار الزوجة الصالحة ليفرغ لأمور الحكم بكل جوارحه، وأحسب أن الله قد وفقه لما يحبه هو لنفسه، وما يحبه له المخلصون من صلاح الحال، وسعادة البيت، فقد انتهى إلى سمعي أنه اختار لنفسه أم كلثوم بنت أبي بكر، ومن كبنت الصديق حسباً ونسباً، وصلاحاً وجمالاً؟ فإن كان عمر قد تأخر عنا اليوم، فلعله قد تأخر لهذا الأمر ليتمه على نفسه، وليفرغ منه إلى غيره، فما بالكم تلومون الرجل على فترة انتهزها لنفسه، واغتنمها لتدبير بيته؟ على أنه قد وقف عليكم كل وقته، ومنحكم جميع تدبيره. . .

قال طلحة: ولكني أعرف يا ابن عفان أن عمر قد رُد في خطبة بنت أبي بكر، وقد كان من خبر ذلك أنه لما كشف عن رغبته لعائشة أجابته إلى طلبه ووعدته بتحقيق رغبته، وقالت له: إن الأمر كله لك ونحن طوع أمرك، فأنت أمير المؤمنين وصاحب الرسول، وخليفة أبي بكر، ولكنها إذ ذكرت الخبر لأم كلثوم رغبت عنه، وقالت: إن عمر رجلٌ خشن العيش ولا طاقة لي باحتماله، فتحيرت عائشة وأرسلت إلى المغيرة بن شعبة لعله يحتال في رد عمر بالخير، فالتقى به المغيرة وقال له: بلغني يا أمير المؤمنين أنك خطبت لنفسك أم كلثوم بنت أبي بكر، وهذا أمر أعيذك بالله منه، وأرى من الخير لك ولها ألا يتم، وما أقول هذا رغبة بك عنها أو رغبة بها عنك، ولكني أقوله يا عمر لأني أحبك وأبغي لك سعادة البيت، فأنت تعلم ويعلم الناس جميعاً أن بنت الصديق قد نشأت في كنف أبيها، وقد كان رحمه الله لين الجانب، طويل الأناة، رحب الصدر، كبير الرفق، فتعودت ابنته ألا تعامل إلا بلين الجانب وطول الأناة ورحابة الصدر وحسن الرفق. فلما انتقل أبو بكر إلى جوار ربه انتقلت ابنته إلى جناب عائشة، وعائشة كما تعلم امرأة، عندها من العطف واللين والرفق أكثر مما كان في نفس أبي بكر. وأنت يا عمر رجل شديد المراس، قوي الشكيمة، تأخذ الناس بالشدة والعنف، وأنت على النساء أشد، وفي معاملتهن أعنف، ونحن نهابك وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء فسطوت بها؟ لا جرم كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك، وأبو بكر مكانته في المسلمين كبيرة، وحرمته عندنا واجبة، فليس من صواب الرأي وسداده أن تكون لك ابنته على ما تعودت في حياتها ونشأت في تربيتها، وعلى ما أنت عليه من ميول وأخلاق شديدة. وإذا كنت قد كلمت عائشة، فأنا أكفيك أمر عائشة؛ وإذا كنت ترغب في الزوجة الصالحة، فأنا لك بأم كلثوم بنت علي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ. ولقد انتهى الأمر على هذا التدبير يا ابن عفان، وقد علمت أن مسعى المغيرة قد ارتاحت له عائشة، واطمأن إليه عمر، وطابت به نفس ابنة الصديق

قال ابن عوف: ألا تقصرون من حديث عمر؛ فها هو ذا مقبل علينا يقتصد في مشيته، وإني لألمحه منبسط الأسارير مفتر الثغر، فلا بد أن يكون وراءه بشرى حميدة، تطيب لها القلوب وتطمئن بها النفوس، وما أتوقع من ذلك إلا الخبر فيما تتحدثون به، فانتظروا. . . وأقبل عمر على القوم بالسلام وأخذ مجلسه بينهم وهو يقول: رفئوني يا أصحاب الرسول، رفئوني يا أبناء العشيرة. قالوا جميعاً: قد رفئناك ولكن بمن يا أمير المؤمنين؟ فما انتهى إلينا في أمرك خبر قاطع، ولا صح عندنا نبأ صادع

قال عمر: إنه لخير وبركة إن شاء الله، فقد سمعت النبي ﷺ يقول: كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي، وأنا والحمد لله قد وصلت به السبب ما استطعت، فصحبته على الجهاد في سبيل الله، باذلاً في ذلك وسع الجهد وطاقة النفس. وقد أحببت أيضاً أن أتصل بنسبه فأتصل به من الجهتين وأجمع إلى نفسي الفضيلتين، وأوثق رباطي بعروته التي لا انفصام لها، وقد رأيت أن تكون وصلتي في ذلك ورباطي أم كلثوم بنت علي ابن أبي طالب، فأبوها ابن عم النبي وصاحبه، وأمها فاطمة ابنته الحبيبة، فلعلي أكون قد وفقت إلى ما أردت، ولعل الله بفضله وكرمه يجعلها لنا خيراً وعلينا بركة

قال قائل: نعم ما اخترت يا أمير المؤمنين، وحبذا ما رأيت فإنه الرأي الجميل، وأم كلثوم من الحسب والنسب في المقام الكريم، والمكان الرفيع، ولكنا نعلم أن علياً قد حبس بناته على بني جعفر، وإنه ليشتد في ذلك ما وسعته الشدة، فهل أجابك إلى خطبتك، وحقق لك رغبتك، ووصلك بنسب النبي كما تحب؟

قل عمر: إن لذلك قصة يا أخي، لو تعلمونها جميعاً لقلتم معي حيا الله ابن أبي طالب وجزاه خير ما يجزي به الرجل الكريم، والعبد الصالح، فإني إذا مددت له اليد في ذلك قال: يا أمير المؤمنين نعم إني حبست بناتي على بني جعفر، ولكني لا أعدل بك آل جعفر جميعاً، وأنت ما أنت في صحبة النبي ونصرة الإسلام والجهاد للحق؛ غير أن أم كلثوم صبية حدثة، أحسبها لا تقوم لك بحق الزوج، ولا تستطيع أن تصبر على شدتك، وربما تحملت من ذلك فوق طاقتها. قلت: هون عليك يا ابن أبي طالب، فوالله ما على ظهر الأرض رجل يرصد من حسن صحابتها ما أرصد، وأنا إن نقلتها من كنف أبيها فسأنقلها إلى كنف ألين وأرحب. ألا تعلم أني سأرعى فيها حق الله، وحق جدها الرسول، وحق أمها فاطمة، وحقك أنت يا علي؟ وإذا صح لي أن أستهين بحقك أو حق فاطمة، فما يصح لي أن أسخط الله وأغضب الرسول

ومع هذا كله فقد انطلق عني علي وما أجابني إلى شيء، ولا وقفني على نهاية يصح أن أنتهي إليها. وانقضت فترات قضيتها في تقليب الرأي وتدبير الأمر، والحدْس بما سيكون من أمر ابن أبي طالب معي، وإذا بأم كلثوم تحضر عندي، وإذا هي واقفة بين يدي على يدها بُرد مطوي، تقول: إن أبي يقرئك السلام، ويقول لك: إن رضيت البرد فأمسكه، وإن سخطته فرده عليه. قلت لها: بارك الله فيك وفي أبيك يا سليلة الرسول، أبلغيه أنا قد رضينا بالبرد غاية الرضا، فإن رأى أن يسبغه علينا فله الفضل. ثم انطلقت عني وقد علمتُ أن أباها قد قبل خطبتي، وحقق رغبتي، ثم مال عليّ علي - وكان إلى جانبه - وقال: أليس كذلك يا ابن أبي طالب؟

قال علي: هو كذلك يا أمير المؤمنين، فبارك الله لك فيها، وبارك لها فيك. واعلم يا ابن الخطاب أنه إذا كانت الرغبة منك دعتك إلينا، فإن الرغبة فيك أجابتك منا، وقد أحسن بك ظناً من أودعك كريمته، واختارك ولم يختر عليك، وقد زوجتك ابنتي على كتاب الله، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد جعل الأصهار صلة للأرحام المتقطعة والأنساب المتفرقة، فابتهل إليه أن يزيدنا بهذا الإصهار تمكينا وصلة على ما يحبه ويرضاه.

قال عمر: وأنا قد أمهرتها أربعين ألفاً. . . وإني لأقول ما قال النبي في ذلك: اللهم بارك لي في أهلي وبارك لأهلي فيّ، وارزقني منها وارزقها مني، واجمع بيننا ما جمعت في خير، وإذا فرقت بيننا ففرق في خير، اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني

قال الجالسون جميعاً: وإذن فبالرفاء والسعد يا أمير المؤمنين، وبالرفاء والسعد يا فاروق

محمد فهمي عبد اللطيف