مجلة الرسالة/العدد 195/في الأدب المقارن

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 195/في الأدب المقارن

مجلة الرسالة - العدد 195
في الأدب المقارن
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 03 - 1937


الذاتي والموضوعي في الأدبين العربي والإنجليزي

للأستاذ فخري أبو السعود

تتأثر النفس الإنسانية بكل ما تحس من مظاهر الحياة، فإذا ما عبر المرء عن تأثره ذاك نثراً أو نظماً في لفظ نقي، كان تعبيره ذاك أدباً، فالأدب نتاج عاملين: مؤثر هو مظاهر الحياة التي تحفز الأديب إلى الإنشاء، ويتخذها موضوعاً لإنشائه، ومتأثر هو ذات الأديب التي يترجم القول المنظوم أو المنثور عن خوالجها، وليس يخلو عمل أدبي من آثار هذين العاملين ممتزجين، فكل عمل أدبي هو ذاتي وهو موضوعي، غير أن الأعمال الأدبية تتفاوت حظاً من هذا ونصيباً من ذاك، فإذا استرسل الأديب في وصف ما هو بازائه من مظاهر الحياة وشرح أحوالها على علاتها، مكفكفاً من عنان عواطفه محكماً دونها الفكر، كان العمل الأدبي موضوعياً، وإن أرخى الأديب العنان لعواطفه ملماً بالموقف الذي هو حياله إلماماً خفيفاً، كان عمله الأدبي ذاتياً.

فمظاهر الحياة المختلفة هي مادة الأدب لأنها مادة الإحساس والتفكير، وبدونها لا يتصور تفكير ولا شعور، ولا تكون النفس إلا خواء تاماً ولا الفكر إلا فضاء مطلقاً؛ والنفس الإنسانية هي العامل الفعال الذي يعكس صور مظاهر الحياة تلك، ويمنحها من الصفات ما يروق المرء حيناً ويطربه ويحببه فيها، وما يسوؤه حيناً ويؤلمه ويبغضه في بعض تلك المظاهر، والأديب مهما توفر على موضوعه الذي هو بصدده، ومهما كان موضوعه ذاك بعيداً عن نفسه وعن محيطه وزمنه، ومهما حكم فيه الفكر السليم والرأي المنزه، لا يخلو من أن يكون معبراً في عمله الأدبي عن ذاته، مصدراً عن طبيعته، وهي طبيعة يتفق فيها مع الآخرين إلى مدى، ويختلف عنهم في بعض نواحيها.

بل لا يعدو الحق من يقول إن الأديب لا يزيد مدى حياته على أن يعرض نفسه على قرائه، مهما تباينت موضوعاته وتعددت أشكال أدبه، فسواء راح مادحاً أو ذاماً أو واصفاً أو قاصاً، أو ملاحظاً لأحوال الناس أو متأملاً في ماضيهم ومستقبلهم، فهو لا يعدو محيط نفسه وتجاربه وعواطفه؛ بل إن بعض كبار الأدباء إنما بلغوا أوج نجاحهم الأدبي في العمل الأدبي الذي يصف كل منهم فيه قصة حياته، أو أهم تجربة من تجاربه، أو أزمة نفسية عبرت به، كما قص لامرتين قصة حبه في (رفائيل)، وكما وصف كل من شاتوبريان وأناتول فرانس نشأته في آثاره الأدبية، وكما وصف تشارلز دكنز قصة طفولته في (دافيد كوبر فيلد)؛ وبلغ القصصيون ذروة نجاحهم في قصصهم التي كان أبطالها صوراً من أنفسهم أو من بعض حالاتهم النفسية، كما كان جيته فاوست، وكما كان أناتول فرانس بعض أشخاص كل رواياته

وأناتول فرانس نفسه يقول إننا لا نكتب إلا عن أنفسنا، ويزيد فيقول إننا لا نقرأ حين نقرأ إلا أنفسنا. ولا غرو فالمرء لا يدمن إلا قراءة الضرب الذي يعجبه من القول ويصادف هوى في فؤاده، ولا يصطفي من الكتاب إلا من يشاكله نفساً، وهو حتى حين يقرأ موضوعاته الأثيرة من آثار أدبائه المختارين يصبغ كل ما يقرأ بصبغة نفسه ويؤوله على حسب إدراكه وطبعه، ويستخلص منه ما قد لا يستخلصه غيره، وما لعل المنشئ نفسه لم يقصده، والناس إنما يقرأون الشاعر أو الكاتب وهو يتحدث عن نفسه لأنهم يرون في نفسه صورة من أنفسهم، وفي ذاته صدى من ذواتهم، فإذا ألفوه قد أغرب وباعد بين ما يصف وما يحسون نبذوه واستهجنوه، ولم يعنهم مما يصف من أحوال ذاته التي لا يحسونها في ذواتهم، أكثر مما يعنيهم من أحوال معيشته الخاصة ومطعمه وملبسه

والذاتي في أدب اللغة أسبق ظهوراً من الموضوعي: يبدأ الأدب في عهده الأول بتعبير الإنسان عن خواطره العاجلة وأحاسيسه السانحة وتجاريبه الحاضرة، يرسل ذلك على سجيته وبديهته قولاً سائراً أو أبياتاً شاردة، لم يعد لها العدة ولا تكلف فيها عناء طويلاً، ويرقى الأدب رقياً كبيراً وما تزال الصبغة الذاتية هي السائدة فيه، وتظل له هذه الصبغة مادام قريباً من البداوة غير آخذ أهله بشيء من الثقافة أو مقيدين لآدابهم بالكتابة؛ فإذا ما انتفع الأدب بالثقافة والتدوين ظهر فيه الضرب الموضوعي، إذ تتسع أفكار الأدباء ويمتد أفق نظراتهم ويقصدون التأمل في شؤون الحياة قصداً، غير منتظرين التجارب التي تسنح عرضاً، ويطلبون من مناحي الحياة ومذاهب التفكير الأبعد فالأبعد، فتزاحم الصفة الموضوعية الصفة الذاتية

فغزارة الضرب الموضوعي في الأدب من لوازم رقيه ووصوله إلى الطور الفني، بيد أن العنصر الذاتي لا يمحى ببلوغ الأدب هذا الطور، بل يبقى ويزداد رقياً وحرارة وعمقاً، ويظل صدقه وعمقه وحرارته خير مقياس لصدق الأدب ورقيه، ويقترن ضعفه وتلاشيه بضعف الأدب وفتور العاطفة فيه وتغلب اللفظ على الشعور الصحيح؛ ففي عصور تدهور الأدب يسود الضرب الموضوعي، وتنفق موضوعات بذاتها يصطلح الأدباء على طرقها على أساليب مخصوصة لا يعدلون عنها، ويكفكفون عواطفهم الذاتية، فلا يكاد يتميز واحد منهم عن الآخر في السمات والميول؛ فالضرب الموضوعي يظهر متأخراً عن الضرب الذاتي في الآداب، ثم يبقى متخلفاً عنه عند اضمحلال الأدب، يبقى على حال من الضعف والتكلف والإبهام

ولما كان الضرب الذاتي من الأدب أسبق إلى الظهور في تاريخ الأدب، كان مقترناً بالشعر الذي هو أسبق إلى الظهور من النثر الفني فالأدب في عهوده لا يكاد يزد على أن يكون شعراً ذاتياً، فإذا دخل الأدب طوره المتحضر الفني ظهر فيه النثر وظهر الضرب الموضوعي في الشعر والنثر معاً، بيد أن الشعر يظل دائماً متعلقاً بالضرب الذاتي، بينما يستأثر النثر منذ نشأته بالجانب الأكبر من الأدب الموضوعي؛ فالشعر لما له من مزايا الموسيقى والخيال أقدر على التعبير عن الوجدانيات، والنثر لما له من مزايا الرحب والدقة والتحرر من قيود الوزن والقافية أقدر على تتبع الوصف لموضوع الإنشاء، والإسهاب في شرح دقيقه وجليله؛ فإذا جمع أديب بين الصناعتين رأيته يندفع اندفاعاً تلقائياً إلى النظم، إذا حفزته ثورة نفسية متدفقة، وينساق بداهة إلى النثر إذا أراد التأمل الهادئ والتوسع في الشرح والاستقصاء؛ على أن هذا ليس بمانع أن يحتوي النثر أحياناً على بدائع من آثار الضرب الذاتي، وأن يشتمل الشعر على لطائف من آثار الضرب الموضوعي

ولما كان الشعر أشبه بالضرب الذاتي من الأدب، والنثر أقرب إلى الموضوعي، كان الشعراء بطبيعتهم أدباء ذاتيين أو أنانيين كما قد يلقبهم بعض المنكرين عليهم، وكان الكتاب أدباء موضوعيين، يتناولون من مجالات القول ما لا يمس أنفسهم وشخصياتهم إلا قليلاً، بينما لا يكاد بعض الشعراء يخوض في غير شؤون نفسه، من طرب وشجن وغضب ورضى وحب وبغض، حتى تلوح دواوين بعضهم كأنها صخب مستمر مزعج، أو بكاء طفل مدلل وضحكه يتتابعان بلا انقطاع، والبكاء أظهرهما جلبة والسخط والنقمة والشكوى أبين أثراً، فإذا فرغ الشاعر من صخبه وثورانه جاء الكاتب من بعده هادئاً وقوراً، بصرف في شعره نظر الحكيم الخبير، ويحكم على شعره وخلقه وحياته وفهمه للدنيا حكم القاضي المتمكن، فلا يزال الشعراء يلوحون كأنهم فريق من المتهورين الأغرار، ولا يزال النقاد يظهرون في مسرح الراشدين الأكبر منهم سناً وخبرة بالأمور.

ولا يقتصر التفريق على الشعر والنثر في هذا الصدد، بل هناك أشكال من الأدب هي أصلح للذاتي وأخرى هي أوفق للموضوعي: فالقصة والترجمة والتاريخ والملحمة كلها ضروب موضوعية يتحدث فيها المنشئ عن غيره من رجال الحقيقة أو الخيال، ومن أبناء الحاضر أو الماضي، ويدرس حوادث لم يساهم فيها ولم يختص بها، وإن تكن لذاته في كل ذلك آثار تقل أو تكثر، والرسائل الإخوانية والمذكرات، والتراجم الشخصية والاعترافات وما جرى مجراها، كلها أشكال من الأدب ذاتية يخصصها الأديب لتحليل ذاته وعرض صور من حياته، وإن خالط ذلك شتى النظرات الموضوعية، أما المقالة فيتراوح حظها من كل من الضربين.

وكما تفترق أشكال الأدب وتتميز في هذا الصدد، كذلك تفترق وتتميز موضوعاته: فالوصف والمدح والهجاء والحكمة أقرب إلى الضرب الموضوعي من الفخر والحماسة والنسيب والشكوى، أما الرثاء فيجمع إلى وصف خلال المرثي وهو أمر موضوعي، وصف مشاعر الراثي وهي أشياء ذاتية؛ على أن مواضوعات الأدب هذه قلما ترد في أثر الأديب خالصة مستقلاً ذاتيها عن موضوعيها، بل يتمازج الضربان كما أن الأشكال الأدبية كثيراً ما تختلط، فيتصل بالأثر الأدبي الواحد الترجمة بالقصص مثلاً، ويمتزج الوصف بالنسيب، وتبدأ القصة أو القصيدة بوصف منظر وتنتهي بخواطر وجدانية، ومن ثم تمتزج الذاتية والموضوعية في أكثر الآثار الأدبية.

ومن التعسف تفضيل ضرب من الاثنين على الآخر: فللذاتي من آثار الأدب محاسنه، وللموضوعي مزاياه، كما أن الشعر لا يفضل النثر ولا الأخير يرجح الأول، بل لكل فضائله ومواقفه ودواعيه؛ فالعمل الأدبي الذي ترين عليه مسحة الذاتية يروع بحرارته وإخلاصه وصراحته، ويشوق بكشفه عن نفس صاحبه وتحديده لشخصيته، كما تحد خطوط المصور شكل الصورة وجوانبها، ويروع بقدرة صاحبه على التأمل في نفسه وتوضيح خلجاتها، والضرب الموضوعي يسر إذ يعكس في صفحة الفن ما نشهد ونحس في عالم المشاهدة والخبرة ويروع بقدرة الأديب المنشئ على الملاحظة والتقصي والتجرد من أهواء نفسه والتوفر على ما هو بصدده، لكل من الضربين مكانته وروعته ما اتفقت له صفتان: الصدق والعمق.

وكل من الأدبين العربي والإنجليزي حافل بآثار الذاتية والموضوعية في مختلف نواحيه) ترين هذه أو تلك على بعض آثاره أو تغلب على أدبائه، أو تظهر في بعض عصوره، أو تتجلى في أشكال منه وموضوعات دون أخرى، بيد أنه لاختلاف تاريخي الأمتين واختلاف ظهورهما في عصر الحضارة والثقافة، يحتل الطور الذي كان الأدب فيه ذاتياً عهداً مهماً من عهود تاريخ الأدب العربي قبل أن يظهر الضرب الموضوعي ويشيع في الأدب، على حين لم يتخلف في الأدب الإنجليزي من ذلك العهد شيء ذو بال، وإنما يبدأ تاريخ الأدب الإنجليزي الحديث من عهد اليزابث، والضربان الذاتي والموضوعي فرسا رهان في حلبته، بل كاد الضرب الموضوعي أن يستأثر بالصدارة في ذلك العصر.

ففي عهد الجاهلية وحقبة من الإسلام كان الأدب العربي - إذا استثني القرآن الكريم والحديث الشريف - أغلبه ذاتي الصبغة، وكان للشعر فيه المكانة العليا، وكان الشعراء دائبين يبدأون القول ويعيدونه فيما خالج أنفسهم من خواطر، أو مس حياتهم من قريب من حوادث، فامتلأ قصيدهم بالحماسة والنسيب والمنافرة والمهاجاة والفخر والتمدح بكريم السجايا، فلما توطدت الحضارة وشاعت الثقافة اتسعت جوانب الشعر وتعددت مجالاته، وظهر بجانبه النثر الفني، وتناول كلاهما موضوعي الشؤون بجانب ذاتيها، فكان من الفنون التي جدت في الشعر أو توسعت فيه الوصف المسهب والمدح المطنب، وتناول النثر رسائل الأمراء، كما جال الجاحظ والبديع وغيرهما في نواحي الحياة ومذاهب التفكير وأحوال الماضي وخصائص الأحياء وأخبار الأمم ووجوه النقد الأدبي، فغزرت في الأدب العربي منظومه ومنثوره في هذا الطور آثار الذاتية والموضوعية. يتحدث المتنبي مثلاً عن عظمته وفتوته ومطامحه وأشجانه، فيجيء شعره ذاتياً صادقاً رائعاً، ويمدح سيف الدولة أو سواه ويصف مآثره ومواقعه فيميل إلى الموضوعية؛ والأرجح أن الموضوعية كانت أظهر في هذا العصر، لرواج ضربين من القول موضوعيين عج بهما الأدب: عج الشعر بمدح الأمراء، وعج النثر برسائل الدواوين.

ذانك هما الطوران الأولان من أطوار الأدب العربي من جهة الذاتية والموضوعية: الطور الأول هو عهد نشأة الأدب الذي كانت الذاتية فيه غالبة، والثاني طور نضج الأدب الذي فيه اجتمع الضربان؛ أما الطور الثالث هو عهد اضمحلال الأدب تدريجاً، وهو طور تغلب الضرب الموضوعي وتلاشى الضرب الذاتي تدريجاً: جمد الأدب على موضوعات خاصة اصطفاها الأدباء، في مقدمتها المدح والهجاء - وعدوها وحدها مجال الأدب وشغل الأديب، وطرقوها على أساليب خاصة يتنازعهم في ممارستها عاملان الحرص على تقليد الأقدمين، والرغبة في إظهار البراعة بالتلاعب بالألفاظ والمعاني، أما المشاعر الذاتية الصادقة، والخصائص النفسية المميزة، فاختفت من الأدب، وحتى في شرح عواطفه كان أديب ذلك الطور مقلداً، لا يشرح عواطفه إلا على نحو خاص قد جرى به العرف، وحض عليه النقاد، وبذلك جاءت الآثار الذاتية نفسها موضوعية عامة مبهمة

ومن أحسن أمثلة الضرب الذاتي الصريح في الطور الأول قول عنترة:

فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل ... مر مذاقته كطعم العلقم

وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر لم يكلم

وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي

ومن أمثلة أشعار الطور الثاني التي يمتزج فيها الذاتي والموضوعي قصيدة المتنبي التي يعاتب بها سيف الدولة) ومنها قوله:

مالي أكتم حباً قد برى جسدي ... وتدعي حب سيف الدولة الأمم

فوت العدو الذي يممته ظفر ... في طيه أسف في طيه نعم

صحبت في الفلوات الوحش منفرداً ... حتى تعجب مني القور والأكم

ومن أمثلة أدب الطور الثالث الذي طغت فيه الموضوعات المأثورة وطمست الشخصية الذاتية قول القائل:

وقفت بأطلال الأحبة سائلاً ... ودمعي يسقي ثم عهداً ومعهداً

ومن عجب أني أروي ديارهم ... وحظي منها حين أسألها الصدى

وكان للشعر المكانة الأولى في الأدب الإنجليزي في العصر الاليزابثي، وكان يتناول الضربين الذاتي والموضوعي من النظم، تختص بالأخير الروايات التمثيلية التي ازدهرت إذ ذاك ازدهاراً عظيماً، وتختص بالأول القصائد المرسلة طويلها وقصيرها؛ وفي القرن الثامن عشر هبط فاضمحلت فيه النزعة الذاتية، وأصبح أكثره موضوعياً مبهماً، واحتل مكانه النثر وشمل شتى النواحي الذاتية والموضوعية، ففي الأولى كتب كاولي وأديسون وستميل كثيراً من مقالاتهم، وفي الثانية كتب جيبون وبوزويل ورتشاردسون وديفو وآخرون لا يحصون كتبهم في التاريخ والترجمة والقصص والمغامرات. فلما كانت النهضة الرومانسية عادت للشعر أفضليته، وحفل بشتى الآثار الذاتية والموضوعية، بين وصف الطبيعة وسرد الخرافات الشائقة، ووصف تأثر النفس بهذه وتلك، وتمجيد الجمال وشرح أطوار الحب، ولم يزل الشعر والنثر منذ ذلك العهد فرسي رهان، يطرقان شتى المناحي بين ذاتيها وموضوعيها

بيد أن الذاتية مازالت منذ عهد شكسبير إلى العصر الحاضر تطغى على الموضوعية رويداً، وتستأثر شيئاً فشيئاً بالتفات الأدباء وتفوز بأشكال أدبية جديدة. ففي عهد شكسبير كان الروائي يحرك روايته حول أشخاص تاريخيين أو خرافيين بعيدين عنه بعداً كبيراً وفي القرن الثامن عشر عهد النثر الذهبي كان الأدباء يكتبون القصص يضمنونها من طرف خفي صوراً من حياتهم وجوانب من أنفسهم، فيكتب سمولت الأفاق قصة كونت فاثوم المغامر، ويكتب جولد سمث ابن القسيس قصة قس ويكفيلد التي ليست إلا حكاية عهد نشأته في أسرته، ثم يكتب تشارلز دكنز في القرن التالي قصة صباه في كتابه دافيد كوبر فيلد؛ ثم تزداد الذاتية بروزاً ويرفع الأدباء حجاب التخفي وينبذون الأسماء المستعارة، فيكتبون قصص نشأتهم ومذكرات رجولتهم وينشرونه رسائلهم وتراجمهم الشخصية، والأدب الإنجليزي المعاصر حافل بآثار هذه الذاتية السافرة

وقد امتازت بالذاتية الواضحة، أو الأنانية الأدبية، كثير من الأدباء الإنجليز، كانوا لا يملون التأمل في نفوسهم والتحدث عن ذواتهم صراحة أو تحت غشاء شفاف: فملتون يعرض لكوارثه وعماه ومبادئه السياسية والدينية والاجتماعية في ملاحمه الثلاث، ووردزورث يؤلف المطولات الشعرية في تصوير صباه وخواطره من طفولته إلى كهولته، وبيرون ينظم القصيدة تلو القصيدة ويصور البطل تلو البطل، ولا يزيد أن يتحدث عن نفسه وميوله وآرائه، وشلي يسمي نفسه (ارييل) باسم إله إغريقي، ويكتب عن نفسه تحت ذلك العنوان أشعاراً، وكل من هازلت ولام يصور تصويراً دقيقاً أميناً ما يحس عند خروجه للرياضة على الأقدام أو حين سماعه النواقيس تتجاوب مؤذنة بانتهاء العام أو نحو ذلك

ومن جهة أخرى نرى أدباء من أمثال جراي وكولردج ورسكن يستترون وراء حجاب من الوقار والتفكير الهادئ الشامل ويتحدثون مصورين أو قاصين أو ناقدين، عن غيرهم من رجال التاريخ والأساطير وأعلام الفن والأدب، فأكثر آثار هؤلاء موضوعية، وأكثر مؤلفات الأولين ذاتية؛ كما كان من الأدباء من أخذوا من كلا الضربين بنصيب وافر، ومن برزوا في مجالي الشعر والنثر، ومن أنهوا حياتهم الأدبية بإصدار تراجمهم الشخصية، ومن خلفوا في النقد آثاراً تباري آثارهم في النظم والإنشاء، أو تفوقها، مثل دريدن وماكولي وماثيو ارنولد

ويعد بعض المغالين تزايد هذه النزعة الذاتية في الأدب الإنجليزي علامة ضعف وانحلال، ولا شك أن غلبة أحد العنصرين الذاتي أو الموضوعي على الأدب من دلائل نقصه، وإنما يكون رقيه مقترناً برقي العنصرين فيه معاً. يدل ما فيه من آثار الذاتية على صدق الشعور وعمق التأمل وتميز الشخصيات. ويدل ما فيه من آثار الموضوعية على شمول النظرة واتساع أفق التفكير وتناول الأدب لمختلف نواحي الحياة؟

فخري أبو السعود