مجلة الرسالة/العدد 195/حول مجمع اللغة العربية الملكي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 195/حول مجمع اللغة العربية الملكي

مجلة الرسالة - العدد 195
حول مجمع اللغة العربية الملكي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 29 - 03 - 1937


هل لمجمع اللغة العربية وضع المصطلحات العلمية؟

للأديب مصطفى زيور

نشرت الأهرام في عددها الصادر في السادس من شهر مارس سنة 1937 كلمة للكاتب الفاضل إسماعيل مظهر يناقش فيها حديثاً مع مندوب الأهرام لعميد كلية الآداب الدكتور طه حسين بك بشأن مجمع اللغة العربية ومهمته التي يجب (في رأي الأستاذ العميد) ألا يكون منها وضع المصطلحات العلمية. وما كنت لأزج بنفسي في هذه المناقشات - فلست من المضطلعين بعلم اللغة - لولا ما تبينته في كلمة الكاتب الفاضل إسماعيل مظهر من إغفال حقيقة أولية أخشى أن تكون فاتت أعضاء المجمع المحترمين، بل اليقين إنها فاتتهم لأن موقف المجمع منها يدل على ذلك، فكان في ذلك الخطر وكان في ذلك ما دفعني إلى كتابة هذا.

ساق الكاتب الفاضل إسماعيل مظهر في كلمته رداً على رأي الأستاذ العميد الحجة الآتية التي يستهلها بقوله: (إن حضرة الأستاذ العميد يحاول أن يثبت أن لمجامع اللغة طبيعة واحدة لا تختلف باختلاف الشعوب واللغات وظروف الأحوال فمضى يطبق القواعد التي يجري عليها مجمع اللغة الفرنسي. . . كأن الطبيعة والتاريخ لا حساب لهما في قياس الفارق بين اللغتين وحال الشعبين. . .) إذن ففي رأي الفاضل إسماعيل مظهر أن الظروف الملابسة لمجمع اللغة العربية تختلف عن ظروف المجمع الفرنسي بحيث تجعل مجمع اللغة العربية في حل من أن يتقيد بمسلك المجمع الفرنسي في الإحجام عن معالجة وضع المصطلحات العلمية. أما هذا الفارق في الملابسات فيتلخص في رأي الكاتب الفاضل في أنه إذا كان للفرنسي المشتغل بالعمل أن يضع الاصطلاح العلمي دون أن يكون لمجمع اللغة في بلده إلا أن يسجل الاصطلاح فذلك لأنه ينشأ في مهده يسمع اللغة الفرنسية الصحيحة ثم هو يدرس بعد ذلك اللغتين اللاتينية واليونانية، فهو إذن قادر على الاشتقاق والنحت واغلب الظن أن المصطلح الذي يضعه لا غبار عليه، هذا بينما نحن في مصر لا نسمع في طفولتنا إلا العامية ولا نحصل من اللغة الفصيحة بعد ذلك في المعاهد إلا قدراً لا يغني ولا يمكن المشتغل بالعلم أن يقوم بذلك العمل الفقهي دون مساعدة المجمع. والنت المنطقية من هذا كله في رأي الكاتب الفاضل كما يقول في مكان آخر من كلمته (إن طبيعة لغتنا والظرف القائم فينا يجعل من أوليات المهام التي يجب أن يباشرها مجمع اللغة العربية النظر في وضع المصطلحات العربية الصحيحة).

ولست أريد أن أناقش هنا هذه الحجة والنتيجة المستخلصة منها، لأنه من الواضح أن هذا القياس كله يقوم على زعم اقتنع به الكاتب الفاضل: وهو أنه إذا اجتمع لمجمع لغة ظروف بعينها فعليه أن يقوم بوضع المصطلحات العلمية، وهذا هو ما أنكره

أنكر أن يقوم مجمع لغة مهما يكن وفي أي بلد يكون ومهما تكن الظروف بوضع اصطلاح علمي. ومع احترامي الشديد لأعضاء مجمعنا الموقرين - ومنهم من كان لي أستاذاً بل ومنهم من تربطني به صلات هي أوثق من صلة التلميذ بأستاذه - فإنني لا أخفي أن في إنكاري هذا إنكاراً لمجموع مجهودهم إزاء المصطلحات العلمية؛ فإن ثمة حقيقة أولية هي من الخطر بحيث لا ينبغي السكوت عليها: لا يختلف اثنان في أن مهمة مجمع اللغة العربية هي العناية باللغة العربية - بصرف النظر الآن عن الطريق التي يسلكها إلى ذلك - كما أن مهمة مجمع اللغة الفرنسية هي العناية باللغة الفرنسية، وليس لأحدهما أن يعنى بلغة غير اللغة المنوط به أمرها. فإذا كان الأمر كذلك فإن هناك حقيقة أولية هي أن لغة العلم لغة دولية مستقلة لا شأن لها باللغة العربية ولا شأن لها بغيرها من اللغات، هذا هو موضوع كلمتي هذه.

تصفح معجماً فرنسياً متداولاً مثل (لاروس) ثم تصفح معجما إنجليزياً متداولاً مثل (تشيمبرسز) ثم تصفح معجماً ألمانياً متداولاً مثل (سكس فيلات) فلن تجد كلمة (كروموسوم) التي تجنى الكاتب الفاضل إسماعيل مظهر على أساتذة كلية العلوم المصرية بأن المجمع أوجد لها لفظاً عربياً، فإذا أردت الآن أن تتصفح معجماً علمياً مطبوعاً في فرنسا أو إنجلترا أو ألمانيا أو غيرها من البلاد وجدت كلمة (كرومسوم) هي هي يستعملها العالم الفرنسي والإنجليزي والألماني على السواء. هل يريدني الكاتب الفاضل أن أعلق على هذه الحقيقة؟ كروموسوم التي ترجمها مجمع اللغة العربية بكلمة (صبغي) ليست فرنسية ولا ألمانية ولا إنجليزية بل ولا يونانية؛ نعم لا أرسطو ولا معاصروه يعرفونها، ولا سكان اليونان الحاليون من غير المشتغلين بالعلم يعرفونها، هي ربط تحكمي بين أصلين يونانيين قديميين أي لون وأي جسم، ربط

لم يكن الداعي إليه كما زعم الكاتب الفاضل عجز لغة واضع الاصطلاح عن إسعافه بلفظ يؤدي المراد. وإلا فقل لي يا سيدي هل عجزت إحدى هذه اللغات الأوربية عن لفظة تقابل لفظة صبغي؟

يخيل إلي أن القاعدة الأساسية التي قامت عليها حركة اشتقاق المصطلحات العلمية من اليونانية القديمة واللاتينية هي التي فاتنا فهمها في مصر. لم يكن عجز اللغات الأوروبية الحديثة ولكن إرادة التخصيص والتمييز لمعان جديدة بينها وبين الألفاظ المتداولة بعض الصلات هو الدافع إلى خلق ألفاظ إذا كانت أعجمية بالنسبة إلى اللغة العربية فهي كذلك أعجمية بالنسبة لغيرها من اللغات الحية، لقد فهم هذا اليابان والروس فاتخذ علماؤهم هذه الألفاظ العلمية التي لا صلة للغاتهم بأصولها اليونانية أو اللاتينية واستعملوها كغيرهم من العلماء. إذن فليس في انحدار اللغة الفرنسية أو الإنجليزية من اليونانية واللاتينية، وليس تلقي الطالب الفرنسي هذه اللغات القديمة في المعاهد ما يفسر تعميم استعمال هذه المصطلحات في أوروبا، فإن شعوب الأرض قاطبة من المغول إلى الصقالبة إلى الجرمان إلى الانجلوسكسون إلى اللاتين جميعها تقول كروموسوم. فهل يراد بعلماء مصر أن ينفردوا عن سكان الأرض طراً ويقولوا صبغي؟ ألا يفسر لك هذا يا سيدي أن كثيرين من أهل الذكر من العلماء في مصر - كما قلت في كلمتك - لم يكونوا على استعداد للتضحية في سبيل اللغة فضنوا بمجهودهم على المجمع. ألا ترى أنهم تبينوا أنه تطلب منهم التضحية من حيث لا محل للتضحية لا للغة ولا لغير اللغة.

قلت لابد أن هذه الحقيقة الأولية حقيقة وحدة لغة العلم قد فاتت أعضاء مجمع اللغة العربية المحترمين، فذهبوا يترجمون لا من الفرنسية ولا الإنجليزية بل من لغة العلم إلى العربية! فإذا كان الباعث الرئيسي الذي دفعهم إلى ذلك هو إرادة استبعاد ما سموه بالألفاظ الأعجمية واستبدلها بألفاظ تسيغها عبقرية اللغة العربية فهم لا شك لن يستثنوا من عملية (التطهير) هذه لفظاً دون غيره.

فإذا كان الأمر كذلك وقد ترجموا كروموسوم بصبغي فقد بقي لدينا عدة مصطلحات أخرى كلها مشتقة من الأصل اليوناني فلدينا مثلاً (كروماتين) وهي كما يعرف الكاتب الفاضل إسماعيل مظهر تلك المادة ذات التلوين القاعدي غالباً الموجود داخل نواة الخلية؛ ثم لدينا (كروم) وهو المعدن المعروف بباهر لون مركباته، ثم لدينا (كروما) وهي وحدة إدراك الألوان في البصريات لا أجهل أن عبقرية أعضاء المجمع المحترمين لن يعوزها ترجمة كروماتين ولكن ما القول في الكروم. أيترجم هذا أيضاً وهو اسم علم لمعدن لم يعرفه العرب؟ إذن يجب ترجمة البلاتين ثم الراديوم والمزوتوريوم إلى آخر سلسلة المعادن ذات الإشعاع، وكذلك الكلور والبروم واليود والبور الخ. ولكن هذه الكيمياء اللعينة لها مشكلة أدهى وأمر: هي المركبات العضوية التي يتألف اسم الواحدة منها من خمسة أصول يونانية أو أكثر كل منها يدل على وظيفة كيميائية يجب ذكرها، ولكني أترك الكيمياء لحظة حتى ننتهي من هذا الحوار حول ترجمة المصطلحات المختلفة المشتقة من الأصل اليوناني ذكرت لك أن وحدة الألوان هي كروما، فهل ينبغي تمشياً مع عملية التطهير ترجمة هذه الوحدة أيضاً كما ترجم بعض أعضاء المجمع المتر والياردة؟! وإذا كان الأمر كذلك فإنه ينبغي أن نترجم الوحدات الفيزيقية الأخرى مثل (دين) و (ديوبتري) ثم (فلت) و (أمبير) و (وات) الخ، ولكن مهلاً! إنك تعرف يا سيدي أن هذه الوحدات الأخيرة هي أسماء لعلماء كانت حياتهم وقفاً على خير الإنسانية، فأراد القوم أن يخلدوهم بتسجيل أسمائهم وحدات عالمية. ولا أخالك تجهل أن أحداً من المشتغلين بالعلم والعارفين فضل هؤلاء العلماء لن يقبل أن يسمع حتى الجدال حول ترجمة هذه الوحدات، بل أثق ولا أشك أنك تثق معي أنه مهما شرع المجمع ومهما صدرت القوانين الصارمة بتحريم استعمال هذه الألفاظ (الأعجمية) فسيكون موقف العلماء في مصر كموقف جاليلي حينما أرغم على القول بأن الأرض ساكنة ثم لم يلبث أن قال (ورغماً عن ذلك فإنها تدور) ,

إذن فلابد لنا - ورغماً عن أنفنا - من ألفاظ أعجمية. ولكن ماذا؟ أيذهب بنا الطهر اللغوي أن نكون ملكيين أكثر من الملك فننسى أن العرب أنفسهم لم يأنفوا من هذه الألفاظ الأعجمية! وإلا فما قولك في مصطلحات مثل فلسفة وكيمياء وقاطيغورياس وكلها يونانية محضة؟ وما قولك في هذا المجمع الفرنسي الذي يقبل ويسجل , , وكلها عربية محضة؟ ثم ما قولك في هؤلاء العلماء الغربيين الذين يقبلون ويستعملون اسم هذا الدواء الذي حضره الأستاذ الدكتور خليل عبد الخالق وسماه فؤادين تيمناً باسم المغفور له فؤاد الأول وهو اسم أعجمي بالنسبة لهم ولا تزكيه دلالة علمية؟ ثم هذه المصطلحات الألمانية المحضة مثل (ماستزلن) وغيرها المستعملة في علم الأنسجة في فرنسا وإنجلترا. وهذه المصطلحات التي تسمها سمة يابانية و. . . وبعد فإنه مهما يكن من الأصل الذي اشتق منه الاصطلاح العلمي فإنه إذا كتب له البقاء - وليس هذا متوقفاً على صحته من الوجهة الفقهية فهذه كلمة (بكتيريا) ومعناها في اليونانية عصا أي جسم مستطيل ومع هذا فإنهم يقولون بكتيريا مستديرة مثل (ستافيلوكوكاس) وهذه هي وهي مزج يتعارض مع أبسط قواعد الفقه اللغوي بين اصل يوناني أي دم واصل لاتيني أي زراعة - أقول إذا كتب لمصطلح البقاء فإنه يأخذ مكانه في لغة العلم (بوضع اليد) ويفرض نفسه على الاستعمال مهما كان فيه من خطأ فقهي لأنه نشأ عن مبدأ انفردت به لغة العلم وهو التخصيص والتمييز كما قلت آنفاً لمعنى جديد يشترك في بعض صفاته مع معان متداولة، فهم عندما قالوا (أنابولزم) لم تعوزهم كلمة في اللفات الحية تقابل (البناء) التي وضعها مجمع اللغة العربية ترجمة لأنابولزم، ولكنهم لاحظوا أنهم لو قالوا في الفرنسية أو في الإنجليزية مثلاً فإنه يختلط الفهم بين هذه الألفاظ العامة وبين المعنى الجديد المراد تحديده. بل إن في المصطلحات العلمية معاني تشترك في بعض صفاتها مع مصطلحات أخرى، فهذه (فوتون) ذرة الضوء، وهذه كروما وحدة إدراك الألوان، وهذه ديوبتري وحدة الانكسار في البصريات، لا يخفى ما بينها من العلاقة، ثم ما بين الأولى وبين الذرات الأخرى (إلكترون) و (بوزيترون) الخ، فوجب التمييز والتحديد بالرجوع إلى أصول تجهلها اللغات القائمة.

وليس هذا كل شيء، فهناك أيضاً إرادة مزج معنيين أو أكثر في لفظة واحدة على أن تكون هذه المعاني واضحة تذكرها جميعاً إذا ما ذكر الاصطلاح. ويبدو هذا واضحاً في الكيمياء العضوية وليكن على سبيل المثال المركب وهي (البيراميدون) المستعملة في علم الأقرباذين ضد الحمى؛ فأنت ترى أن هناك خمسة وظائف كيميائية يجب ذكرها جميعاً عند التعبير كيميائياً. وليسمح لي الكاتب الفاضل بشيء من الفضول لأسأله كيف السبيل إلى ترجمة مثل هذه العبارات الفنية إذا بقي لدينا شيء من الإخلاص للعلم. وهلا يضن أن مثل هذه العبارات ليست أعجمية بالنسبة للغات الأوربية. ولكننا لم نسمع أن مجمعاً من مجامع اللغة في أوروبا أو في غيرها شن الغارة عليها بدعوى أن هناك غزوة ألفاضه أعجمية ضد اللغات الحية لأنه لم يقل أحد أن هذه المصطلحات لها شأن ما بلغة من اللغات.

وأخيراً فأنا لا أجهل أن لغة العلم لم تصل بعد إلى الوحدة المنشودة لها من العلماء فمازال كثير من المصطلحات يختلف باختلاف اللغات، ولكن أغلب المصطلحات التي من هذا النوع والمستعارة من اللغات الحية رأساً قديم قليل التوفيق يترجم إما عن حركة علمية موضعية وإما عن اختلاف في الرأي العلمي نفسه أو على الأقل عن وجهة نظر مختلفة؛ فهذا شلل الطفولة الفقري يدعى حياناً (تفروميليت) وأحياناً (بوليوميليت) وأحياناً أخرى (مرض هاين مدن) الخ. على أن هناك مجهوداً متصلاً في استبعاد هذه الألفاظ (الأعجمية) عن لغة العلم، ومن أجل هذا تنعقد المؤتمرات الدولية بين العلماء المختصين من البلاد المختلفة؛ وفي هذه المؤتمرات - وفيها وحدها لا في مجامع اللغة - يقترح اصطلاح جديد دولي يحل محل المصطلحات المتعددة بتعدد اللغات، ولا يخفى أن نجاح هذه المصطلحات الجديد متوقف على التقدم العلمي الذي يوحد بين الآراء؛ فهذا هو مؤتمر الكيمياء العضوية قد أقر مثلاً لفظة (جلوسيد) لتحل محل هدرات الكربون ومرادفاتها: المواد النشوية والمواد السكرية، وذلك بعد أن تبين أن جميع هذه المصطلحات التي كانت تختلف باختلاف اللغة قليلة التوفيق بل تعبر عن خطأ علمي، وبالمثل في (ليبيد) التي حلت محل الإنجليزية والفرنسية، ثم (بروتيد) التي حلت محل المواد الزلالية وزميلتها المواد البروتينية الخ. وهكذا فقد أصبحت لغة الكيمياء موحدة في جميع بلاد العالم. وقد تم مثل ذلك التوحيد في لغة العلم في كثير من فروع التاريخ الطبيعي. ثم هذه هي المؤتمرات الدولية يعقدها الفلاسفة وعلماء وظائف الأعضاء لهذا الغرض. ثم المعاجم الدولية في فروع الطب يشترك في تحريرها علماء من البلاد المختلفة للتقريب بين المصطلحات تمهيداً لتوحيدها.

والآن إذا كانت الحاجة ماسة، والرغبة تفي ترجمة الكتب العلمية الأجنبية إلى اللغة العربية ملحة، فلا بأس من ترجمة الألفاظ التي لا زالت تختلف باختلاف اللغات. ولنضرب مثلاً لذلك بالجهاز الذي يحول الشعاع الضوئي إلى تيار كهربائي والمسمى بالفرنسية - وبالإنجليزية - وبالألمانية فأنت ترى أن الكلمة التي تختلف هي , , فيمكننا أن نقول في مصر خلية فوتو ألكتريك؛ ولكن حتى ترجمة مثل هذه الكلمة ليس من شأن مجمع اللغة بل هذا من شأن المشتغلين بالعلم. ولست في ذلك متعنتاً لأن هذه الترجمة تتطلب مجهوداً علمياً شاقاً إذ أن هذه الكلمات التي تختلف باختلاف اللغات تدل في كثير من الأحيان على اضطراب علمي وانقسام في الرأي بين المدارس المختلفة. وقد رأينا مجمع اللغة العربية يختصر طريقه في ذلك فاعتمد في ترجمته على الكلمات الإنجليزية - ومنها ما بطل استعماله - كما لو لم تكن هناك حركات علمية في غير إنجلترا

أما قول الكاتب الفاضل إنه يذهب (إلى أن من الواجب ألا تجيز وزارة المعارف كتاباً ليدرس في المدارس وعلى الأخص كتب العلم، من غير أن يجيزه المجمع من حيث اللغة ومن حيث المصطلحات فليس فيه قلب للأوضاع فحسب، بل هو مؤد إذا أخذ بمثل هذا الرأي الذي يفوح برجعية القرون الوسطى - وليعذرني الكاتب الفاضل فقد جاوز قوله هذا كل حد - إلى حالة من الركود والشلل، فسيقفل باب الاجتهاد في وجه العلماء الذين يعرفون مادتهم دون غيرهم أو على الأقل خيراً من غيرهم، وسيرى كل مؤلف نفسه مقيداً بأوضاع من التعبير جامدة هي ما شرع المجمع، عليه أن يصب مادته فيها إذا أراد أن ينال حظوة محكمة المجمع مهما كان في ذلك تشويه لفكره

وبعد هذا نعجب كيف يتقدم القوم في أوربا بخطى المارد في سبيل الثقافة والمدنية بينما نحن نتخبط، نتقدم خطوة ونرجع القهقرى خطوات! كلا يا سيدي، ما بهذا يمكن إحياء اللغة والعناية بصفائها، وليس يجيز لك حرصك على ألا تقتل الأعجمية المزعومة ما سميته بأدب العلم أن تلوح بهذه القيود الرجعية، بل أنا زعم أن جريمة القتل هي أن تشرع مثل هذه القيود، وجريمة القتل أن تستبعد لغة العلم من مصر ويستبدل بها ألفاظ لا خير فيها. لست أجهل أن الحرية المطلقة هي نوع من الفوضى ولكني موقن من جهة أخرى أن البقاء للصالح؛ فكل مؤلف وكل وضع من أوضاع التعبير الجديد يحمل في طياته الحكم عليه بالبقاء أو الزوال

فإذا كان الأديب الفاضل إسماعيل مظهر يرى أن المشتغلين بالعلم في مصر غير قادرين على الاجتهاد، لا يصلحون للتأليف، ومهما يكن من حقيقة حكمه هذا، فإن ذلك لا يخول لمجمع اللغة أن ينسى تلك الحقيقة الأولية التي أشرت إليها آنفاً والتي عبر عنها بعض الناس بأن العلم مجموعة من مصطلحات خاصة أشبه بالرموز تكون لغة مستقلة قائمة بذاتها إذا تفهمتها فقد تفهمت العلم. حسن أن يبدو من مجمع اللغة حرصه على تقدمك العلم في مصر، ولكن الطريق التي يسلكها إلى ذلك هي التي أنكرها عليه، لأن إشفاقه من غزوة الأعجمية المزعومة للغة الضاد إشفاق وهمي، فلن يضيرها أن يكتب مؤلف (سيتوبلازما) بدلاً من حشوة التي وضعها المجمع فيتكلف الناس من المشتغلين بالعلم في مصر استضهار معجم من الألفاظ العربية إلى جانب المعجم الدولي الذي لا يمكن الاستغناء عنه إذا اردنا تتبع العلم في تطوره. وقد درجنا ودرجت من قبلنا ومن بعدنا عشرات الأجيال من الطلبة والأساتذة في المعاهد المصرية على استعمال مصطلحات (ستاتيكا) ودنيابيكا) و (كلور) و (مثيلين) و (بروتوبلازما) وغيرها من المصطلحات الدولية، فكنا نعالج استعمالها في غير شعور بما يسمى بالأعجمية، كما كنا نستعمل ألفاظاً مثل تشيكوسلوفاكيا واستكهلم ومترنيخ سواء بسواء، بل ما كنا نجد في كل هذا من الغرابة ما كنا نجد في تلك الألفاظ التي كانوا يضعونها في حافظاتنا مثل افرنقع وغضنفر واسحنفر وغيرها من الألفاظ التي كنا نستعيذ بالله من وحشيتها. قل ما شئت في قيمة الثقافة اللغوية لخريجي المعاهد المصرية فالعبرة بعد كل شيء في الحكم على صلاحية لفظ أو عبارة بحظها لدى ذوق الجمهور من الخاصة أو من العامة، فهذه مسرة وبرق يعرفهما كل الناس ولا يستعملهما أحد، فتقرأ في أكبر الصحف العربية تلغرافات كذا الخصوصية، وتليفون رقم كذا؛ أقول ذلك لأني لا أومن بأن اللغة غاية في ذاتها بل هي أداة، وهي باعتبارها كذلك لا يمكن أن يكون المرجع فيها إلى مجلس يشرع بل إلى ذوق جمهور يستسيغ أو يعرض

وفي النهاية إذا كان لابد لمجمع اللغة أن يساهم في النهضة العلمية في مصر فليكن ذلك عن طريق ما أنشئ له أو ما كان يجب أن ينشأ من أجله، وأقصد العناية باللغة من حيث هي، ففي كتب العلم شيء آخر غير المصطلحات. هناك العبارة اللغوية والأسلوب، ومهما كانت الأسباب فنهاك حقيقة يعرفها ويتألم لها كثير من المشتغلين بالعلم في مصر، وهي أن العبارة من اللغة الأجنبية التي لم يدرسوها إلا سنوات محدودة بالنسبة للغة العربية تواتيهم في سهولة توئسهم في لغتهم، فليكن سبيل المجمع إلى إصلاح هذا الحال: حال ضعف اللغة العربية عند أهلها. ليكن نشاطه في البحث عما يقوم لسان الكتاب والمؤلفين إذا تكلموا أو كتبوا عن طريق عملي يجعل من اللغة العربية لغة سهلة التناول في مستوى اللغات الحية الأخرى. أما المصطلحات العلمية، وأما لغة العلم فهذه شأنها إلى العلماء باريس 13 مارس 1937

مصطفى زبور