مجلة الرسالة/العدد 194/الفنون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 194/الفنون

مجلة الرسالة - العدد 194
الفنون
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 22 - 03 - 1937


الفن المصري

3 - التصوير والحفر

للدكتور أحمد موسى

يلاحظ الدارس للفن، المحيط بأسراره بعض الإحاطة، أن الفنان المصري عمل مصوراته ومحفوراته البارزة والمنخفضة، مقيدة بقيود ظلت طوال أيام الحضارة المصرية كلها، تلخصت في نظرته للأجسام، لا بحسب مظهرها الطبيعي أمامه؛ بل بحسب وضعها الأصم الذي ظن أنه يجب أن تظهر به في تصويره وعلى لوحاته، وقد ظن بعض الناس أن هذا متعمد بقصد خلق روح فنية معينة، وظن غيرهم أن هذا نوع من التشويه الفني كما أسموه. وهذا فضلا عن كونه محض افتراء، فانه بعيد عن الواقع وعن التقدير العلمي بعداً شاسعاً. فالفنان المصري لم يتعمد شيئاً معيناً وإنما كان مقيداً بقيود طبيعية. دفعته إلى هذا الوضع وإلى هذا المنهج دفعاً لم يكن له فيه أي قصد، بل ولم يكن ليتخلص منه بأي وسيلة. ولذلك كان إذا صور جماعة من الناس أو الحيوان أو المواد أو منها جميعاً تصويراً إنشائياً، تراه يضعها بحيث يكون بعضها خلف بعض أو إلى جانبه، من غير مراعاة الوضع الطبيعي لها، الذي كانت تظهر به أمام عينيه، وكان هذا هو الحال أيضاً عند ما أراد التصرف بعض الشيء - مثلا - في تصوير مائدة عليها أدوات أو مواد. فتراه يصورها قطعة قطعة، كما لو كانت متفرقة غير مجتمعة على مائدة واحدة، ذلك لأنه لم يكن يعرف بعد أصول تصوير المجسمات. وعلاقة الحجم والبعد بالتصوير المنظور وكان هذا سبباً جوهرياً في ظهور مختلف المصورات التي مثلت شئون حياته الزراعية والصناعية والدينية والاجتماعية والسياسية وغيرها. كما لو كانت متجاورة بالرغم من أن بعضها كان يجب أن يخفي البعض الآخر بحسب وضعه وراءها

نعم: شاهدنا في بعض المصورات قوة ملاحظة الفنان بجعله الشيء الموضوع خلف شيء آخر غير ظاهر، ولكن هذا كان نادر الحصول بحيث لا يمكننا الأخذ به كقاعدة عامة لروح الفن المصري في التصوير والحفر والجدير بالملاحظة والمعرفة، هو أن نعلم أن نظرة الفنان لجماعة من الناس بينها شخصية بارزة، دفعته حيناً إلى إظهار هذه الشخصية بمقياس أكبر من المقياس الذي تقيده بتنفيذه في مصوراته، غير ناظر إلى موقع هذه الشخصية من حيث البعد أو القرب منه، أو لوضعها بالنسبة لمجاوريها، فضلا عن نظرته إلى جسم الإنسان على وجه الخصوص، كما لو كان شيئاً ينظر إليه من وضعين مختلفين، فتراه - كما سبق التنويه بذلك في المقال السابق - نظر إلى الرأس والبطن والساقين والقدمين من الجانب على حين نظر إلى العينين والكتفين والبطن من الأمام.

ويرى الزائر للمتحف المصري أنموذجاً صادقاً لهذه الحالة إذا نظر إلى الصورة المحفورة على الخشب. التي تمثل الطحان واقفاً وجالساً، (قطعة رقم 88 - دولاب ب - الصالة أ - بالدور الأرضي)، والتي تبين بوضوح الدقة العظيمة في تصوير الوجه من الجانب

بدأ المصريون بهذه الدقة منذ عهد الأسرة الخامسة. واستمر التقدم حتى بلغ الغاية في منتصف عهد الأسرة الثامنة عشرة (حوالي 1450 ق. م.) وأعقب ذلك التدهور والانحطاط

وإذا قُدر للقارئ المصري أن يعنى بتراث حضارته القديمة واحتمل مشقة السفر إلى الوجه القبلي بضع ساعات حتى يصل إلى الشيخ عبد القرنة (بطيبة بحري راميسيوم). وإلى تل العمارنة القريبة من دير مواس، فانه يستطيع أن يرى أروع تصوير وأدق تمثيل، فيشاهد الحيوانات مرسومة من الجانب بمنتهى ما يمكن من الدقة، فالتناسب بالغ منتهاه، والحياة نابضة فيه، حتى ليخيل إليك أنها صور فوتوغرافية لشدة صدق محاكاتها

أما الإنشاء الكلي لفن التصوير، فقد كان ثابتا على مر القرون، إلا في بعض أحوال معينة، فترى معظم المصورات في عهد المملكة القديمة (3200 - 2270 ق. م.) تمثل ممارسة الناس لإعمالهم اليومية في الحقل والبيت بشكل رائع جميل، فضلا عما يمكن استفادته من هذه المصورات في مختلف إنشائها وأزمانها لمعرفة مدى دقة ملاحظتهم وحضارتهم

وتغير الإنشاء الموضوعي بتغير العصر؛ فترى في عهد المملكة الوسطى (2190 - 1700 ق. م.) أن المصورات شملت مشاهدات في قصور الملوك والأمراء، كما أظهرت لنا طرائف أوضحت كيفية دفن الموتى وما إليها، على أن هذا الاتجاه الاجتماعي الجديد نما وازدهر على وجه الخصوص في عهد الأسرة الثامنة عشرة (1555 - 1350 ق. م.)، عندما بلغت مصر شأواً عظيماً وفتحت بلداناً مجاورة، الأمر الذي ترتب عليه اتساع الأفق الفني أمام الفنان المصري، وشعر الملوك والأمراء بأهمية الفن حتى لتراهم في عهد أمينوفيس الرابع (1375 - 1358) قد اتصل الفنانون بهم، واستطاع الفنان تصوير الحياة الخاصة للعائلة المالكة وللحاشية، وهذا شيء جديد في ذاته، إذ أن اتصال مصور بالعائلة المالكة إلى هذا الحد لم يكن معروفاً طوال أيام الملوك السابقين، لأننا لم نعثر ولا ينتظر أن نعثر على مصورات تؤيد غير ذلك

أما في عصر الأسرة التاسعة عشرة (1350 - 1200 ق. م.)، وكذلك في عهد رمسيس الثالث (1198 - 1167) من الأسرة العشرين، فقد كلف الفنانون بتصوير المناظر الحربية، وتسجيل انتصارات المصريين تصويرا دقيقاً، إذ بهذا يمكن إيقاظ روح الشعب للتعلق بحب الوطن والتفاني في الإخلاص له، كما يسجل المواقع والمذابح الحربية التي بدئ بها في عصر الأسرة الثامنة عشرة، والتي لا تزال شعوب الأرض المتحضرة في أيامنا هذه ناسجة على منوالها. وفي المتحف المصري قطعة مقلدة من الأصل المحفوظ بمتحف فلورنسا، تعد من أروع ما يستطيع الإنسان أن يشاهده لمثل هذه الحالة، تمثل عربة توتموزيس (1420 - 1411) يجدها الزائر تحت رقم 3000 داخل الصندوق حرف ط بالجناح الشرقي بالدور الأعلى

وبدأ فن التصوير ينحط عند انتهاء عصر المملكة الحديثة، فتراه قد عاد من حيث الضعف الفني إلى عهد الأسر الأولى، بحيث أصبح كل ما صور بعد هذا العصر. لا يخرج عن تقليد ضعيف لما سبق تصويره

أما النحت التصويري فكانت أزهى عصوره عند الأسرة الخامسة في المملكة القديمة، وهذا يتفق مع عصر النحت الكامل، وأحسن نماذجه وأروعها يمكن مشاهدتها بسقارة خصوصاً بمصطبة تي وبتاحوتب وكذلك بمعابد الملوك للموتى

على أنه يجب التنويه بأن الفن قد انحط في عهد المملكة الوسطى، وظل كذلك حتى عهد الأسرة الثامنة عشرة، حيث ترى في معابد الأقصر والدير البحري ومقابر الشيخ عبد القرنة دلائل التقدم

أما في عهد البطالسة (332 وما بعدها) فقد تقهقر الفن، وأصبح التناسب ضعيفاً بين المسافات التي كانت تخصص للحفر والتصوير وبين المسافات التي تركت بدونه، كما أصبح توزيع المصورات على المساحات رديئاً، وخلت هي نفسها من كل جمال وانسجام، وطغى عليها ازدحام أبعدها عن الذوق الفني. والمشاهد لتراث هذا العهد يلاحظ التضخم بادياً على المنحوتات الممثلة لجسم الإنسان

ولعلنا بمشاهدة بعض المصورات التي أمكن الحصول عليها لتناسب المقال هنا، يمكننا أن نفهم جيداً المدى الذي وصل إليه المصريون في فن التصوير والنحت والتصويري: فترى في الصورة - 1 - المنقولة عن حائط بمقابر بني حسن، منظراً رائعاً لجماعة من الآشوريين (الساميين) وهم سائرون وراء اثنين من المصريين. ومتجهون جميعاً في طريقهم إلى مصر. فترى على اليمين أحد الموظفين المصريين (باللون الأحمر في الأصل) يرفع بيمينه لوحة أوضحت الغرض من قدوم هؤلاء الأجانب وهو تقديم الولاء لملك مصر (سيزوستريس الثاني - الأسرة الثانية عشرة)، ويعقبه مصري آخر يسير وراءه كمن يرشد الجماعة إلى خط السير؛ ثم ترى الثالث وهو يسير ممسكاً عنزاً من أحد قرنيها بيده اليسرى، والرابع ممسكا غزالا أحاط عنقه بحبل قبض عليه بيسراه، على حين قبض على القرن بيمناه، أحضرهما كعينة لحيوانات بلادهم؛ وبعدئذ نرى أربعة رجال يسيرون في نفس الاتجاه، والأخير منهم يتجه برأسه إلى الوراء كما لو كان يتحدث إلى من خلفه، يحمل كل منهم السهم والقوس أما الاثنان وراءهما، فأحدهما ينظر إليه والآخر يلاحظ الطفلين اللذين ركبا حماراً وقد قعدا داخل مخلاة أشبه بحاجز يقيهما شر السقوط. وخلف الحمار ولد تعقبه أربعة نساء تركن الشعر منسدلا إلى الكتفين، وخلفهن حمار آخر محمل بالهدايا، ووراءه رجل يعزف على آلة موسيقية آشورية ذات خمسة أوتار، وآخر يحمل نشاباً بيسراه وعصا بيمناه استعداً للطوارئ. وسار المصريون حفاة الأقدام، على حين كان الآشوريون تلبس نسائهم أحذية من الجلد، ورجالهم يحتذون نوعا من الصنادل فضلا عن إمكان تمييزهم بذقونهم الطويلة.

والصورة - 2 - تشمل منظرين وجدا بأبي سنبل (القريبة من الدر) الأيمن منهما يمثل رمسيس الثاني على مركبته الحربية التي انتصر بها في حروبه الأفريقية، وهي في شكلها الكلي واضحة التفاصيل، قوية الإحراج، تسجل الناحية الجديدة في الاتجاه الفني لإثبات الانتصارات ومظاهر الأبهة والعظمة كما سبق التنويه.

أنظر إلى رمسيس في مركبته الرائعة يجرها حصانان وقد اختفى أحدهما لظهور الآخر من الجانب، وتأمل كيف استطاع الفنان أن يبينه في بساطة، وذلك برسمه خطاً رفيعا موازيا للحصان الظاهر. والمتأمل في صدر رمسيس يلاحظ الكتفين وقد ظهرا من تحت الملبس، مما يدل على أنه كان من قماش رفيع شفاف، كما يراه قابضا على القوس وعلى جزء من لجام الحصان بيده اليسرى، وعلى سهم وسكين باليمنى، أما الحصان فظهر رائعا كامل الزينة مغطى بغطاء جميل الزخرف، وأسفل الحصان ترى أسداً سائراً مع اتجاه العربة الملكية، نقش جلده ببقع أشبه بتلك التي تراها على جلد النمر، قصد به الرمز للعظمة والقوة. يقول ديودور أحد مؤرخي القرن الأول قبل المسيح إن فرعون كان يركب عربته حافي القدمين، ولذلك ترى على الكتف اليسرى لخادمه السائر أمام الحصانين وعلى يسارهما كيسا خصص لوضع حذائه داخله حتى يستطيع بذلك لبس الحذاء بمجرد مغادرة العربة.

والمنظر الايسر مأخوذ عن نظيره بمعبد سيتي الأول (ميمنونيوم) بأبي دوس (بالقرب من البلينا) يبين رمسيس الثاني (تولى الملك بعد سيتي الأول وأكمل بناء معبده) جالساً على العرش في ظل شجرة، والى اليمين ترى إله الكتابة والتحرير يسجل اسم رمسيس بقلمه على ثمار الشجرة، والإله توت كاتب السماء، وإلهة الليل آتمو التي تسجل حظ الفرعون من الخير والمتعة

والصورة - 3 - توضح الكيفية التي تم بها صيد الطيور (وجدت بطيبة). فترى إلى أقصى اليسار رجالا ثلاثا، يجذبون حبلا ربط إلى مجموعة من الشباك، أحاطت بالطيور المصادة بها. أنظر إلى الساقين الأوليين على يمين وعلى يسار شجرة اللوتس ترى على زهرة الأولى منهما طيوراً صغيرة وعلى الأخرى بيضاً. وأما بقية التفاصيل فهي متروكة لدقة ملاحظة القارئ

والصورة - 4 - هي لثلاث لوحات، أولاها إلى اليمين تبين كيفية عصر العنب للحصول على النبيذ - والوسطى لطريقة حلب البقرة، فترى القائم لعملية الحلب ومساعده الذي يحرص على منعها من التحرك - أما اليسرى فهي تريك منظراً جميلا، استطاع الفنان أن يخرجه إخراجاُ قوياً. انظر إلى البقرة تثني عنقها لمداعبة ابنتها العجلة الصغيرة يشاركها في الرضاعة ولد صغير

والصورة - 5 - ذات موضوع خلاب يهم المشتغلين بتاريخ القضاء، فهي تمثل قاضياُ جلس إلى منصة الحكم، وأمامه رجل يقص حادث سرقة ووراءه آخر انتهى من تأدية شهادته. بعدئذ ترى أحد رجال الأمن قابضاً على عنق لص وعلى يده، ثم ترى آخر وقد كبل رجل من يساره بالحديد. وخلف الجميع رجل يجر الماعز المسروقة لإثبات الحادث

والى يسارها صورة تبين كيفية توقيع العقوبة بالجلد، وذلك بطرح المجرم أرضاُ، وضربه على الظهر بعصا، وإذا نظرت إلى أقصى اليسار ترى رجل ممسكاً بقدمي الجاني، أما يداه فقد أمسكهما رجلان قعدا عند رأسه

والصورة - 6 - وجدت ببني حسن، وهي أيضاً طريفة الموضوع، تهم المؤرخ الفني، فهي توضح في جلاء الطريقة التي اتبعها الفنانون في التصوير، فترى الفنان وقد جلس متوسطاً الصورة ممسكاً ريشته بيمناه، وكأس الألوان بيسراه، مستمراً في تكميل تصويره لعجل صغير بعد أن أتم تصوير البقرة. وأمامه جلس مساعده ممسكاً لوحة التصوير

ووراء هؤلاء تشاهد فنانا آخر يلون تمثالا من الخشب أو الحجر، كما كانت عادة المصريين دائماً، وكما سبق التنويه بذلك المثال في الفائت

ومن هذه الصور الست، التي لا تعد شيئاً بجانب المئات التي تركها المصريون على حوائط معابدهم ومقابرهم، يمكننا أن نستخلص أن الفن لا يكون إلا حيث توجد الحضارة. وإن مصر عرفة قيمته وعملت على ترقيته في القرن العشرين قبل الميلاد، ولكنها مع مزيد الأسف لا تعرفه، ولا تعترف بوجوده، ولا تفهم حتى مدى نفعه أو ضرورته في القرن العشرين بعده؛ ولا أبلغ مما قاله شاعرنا احمد الزين تسجيلاً لهذه الحالة:

علام يجيد الفن في مصر متقن ... إذا كان بالتهريج نيل المراتب

فيا جهل واصلنا ويا علم فابتعد ... ويا حمق لازمنا ويا عقل جانب

أرى الجهل نوراً في بلاد رجالها ... خفافيش يعشيها ضياء الكواكب

إذا الشعب بالإهمال أرسب عاليا ... فلا عجب لو يعلو به كل راسب

احمد موسى