مجلة الرسالة/العدد 191/دعابة الجاحظ

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 191/دعابة الجاحظ

مجلة الرسالة - العدد 191
دعابة الجاحظ
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 03 - 1937

4 - دعابة الجاحظ

للأديب محمد فهمي عبد اللطيف

. . . ولعل أهم ما وصلنا من أساليب الجاحظ في السخر والتهكم، تلك الرسالة التي وضعها في التنادر على صاحبه أحمد بن عبد الوهاب الكاتب، وهي الرسالة المعروفة برسالة التربيع والتدوير وقد تعرف أيضاً برسالة الطول والعرض، والتوسع والتدوير، ورسالة المفاكهات، ولكنها ذاعت ونشرت بين الناس وطبعت في مصر ولندن بهذا الاسم الأول، قال الجاحظ: (وقد كان احمد بن عبد الوهاب هذا مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول، وكان مربعاً وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدوراً، وكان جعد الأطراف قصير الأصابع وهو في ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وأنه عتيق الوجه، أخمص البطن معتدل القامة تام العظم؛ وكان طويل الظهر قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعى أنه طويل الباد، رفيع العماد، عادي القامة عظم الهامة، قد أعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم؛ وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي أنه معتدل الشباب حديث الميلاد؛ وكان ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، وتكلفه للإبانة عنها على قدر غباوته فيها؛ وكان كثير الاعتراض لهجاً بالمراء شديد الخلاف كلفاً بالمجاذبة متتابعاً في العنود مؤثراً للمغالبة مع إضلال الحجة والجهل بموضع الشبهة، والخطرفة عند قصر الزاد، والعجز عند التوقف، والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء، ومغبة فساد القلوب. . . وكان قليل السماع غمراً، وصحفيا غفلا، لا ينطق عن فكر، ويثق بأول خاطر، لا يفصل بين اعتزام الغمر واستبصار المحق، يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلق فيهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلا الانتحال لأسم الأدب. . .)

فالرجل - على ما يصف الجاحظ - كان دعياً يبالغ في قدره، ويشتط على نفسه، فيجري في حلبة العتاق وهو كودن، ويطاول السماء وأسبابه لاصقة بالأرض، فكأنه الهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد، فهو يزور على الناس مخبره، ويدلس في حقيقته، ويزعم لنفسه دعوى عريضة لا يد له فيها ولا رجل. . والظاهر أنه بالغ في دعواه وأمعن. وأصر عليها وتهور، قال الجاحظ: (فلما طال اصطبارنا حتى بلغ المجهود منا، رأيت أن أكشف قناعه، وأبدي صفحته للحاضر والباد، وسكان كل ثغر وكل مصر، بأن أسأله عن مائة مسألة أهزأ فيها وأعرف الناس مقدار جهله، وليسأله عنها كل من كان في مكة ليكفوا عنا من غربه، وليردوه بذلك إلى ما هو أولى به. . .) ولقد استطاع الجاحظ أن يبدي صفحة الرجل حقا، وأن يهزأ به ويبلغ منه، فأخذه بأسلوب لاذع، وغمره بفيض من السخر والتهكم والتعريض، وتندر عليه في منظره ومخبره، وعلمه ومعرفته، وغروره وادعائه، وكذبه وتدليسه، وكل ما زعمه لنفسه. وقد استهل الجاحظ القول في براعة فائقة فقال يغمزه وكأنه يدعو له: (أطال الله بقاءك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك! قد علمت حفظك الله أنك لا تحسد على شيء حسدك على حسن القامة، وضخم الهامة، وعلى حور العين، وجودة القد، وعلى طيب الأحدوثة، والصنيعة المشكورة، وأن هذه الأمور هي خصائصك التي بها تكلف، ومعانيك التي بها تلهج. . . ثم أخذ الجاحظ يناقشه في طوله وقصره، وعرضه واتساعه، وتربيعه وتدويره، وقده وخرطه. . . ثم أورد عليه شيئاً من آراء الناس عنه واختلافهم فيه، وحسدهم له!! ثم ابتدأ فقال: فأنت المديد وأنت البسيط، وأنت الطويل وأنت المتقارب، فيا شعراً جمع الأعاريض، ويا شخصاً جمع الاستدارة والطول، ما يهمك من أقاويلهم. ويتعاظمك من اختلافهم؟. وهل في تمامك ريب حتى يعالج بالحجة؟ وهل رد فضلك جاحد حتى يثبت بالبينة؟ وهل لك خصم في العلم، أو ند في الفهم، أو مجار في الحكم، أو ضد في العزم؟ وهل بتبلغك الحسد أو يضرك الغبن، وتسمو إليك المنى، أو يطمع فيك طامع، أو يتعاطى شأوك باغ؟ وهل يطمع فاضل أن يفوقك، أو يأنف شريف أن يقصر دونك، أو يخشع عالم أن يأخذ عنك؟ وهل غاية الجميل إلا وصفك؟ وهل زين البليغ إلا مدحك؟ وهل يأمل الشريف إلا اصطناعك؟ وهل يقدر الملهوف إلا غباءك؟ وهل للغواني مثل غيرك، وهل للماتج رجز إلا فيك؟ وهل يحدو الحادي إلا بذكرك؟ وهل على ظهرها جميل حسيب، أو عالم أديب، إلا وظلك أكبر من شخصه؟! وظنك أكثر من علمه، واسمك افضل من معناه، وحلمك اثبت من نجواه، وصمتك أفضل من فحواه؟ وهل في الأرض حليم سواك؟ وهل أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق منك؟ وهل حملت النساء أجمل منك؟ فمن يطمع في عيبك بل من يطمع في قدرك؟ وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود إلا وهي تعثر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغني بمدحك، ولا فتاة إلا وهي تشكو تباريح حبك، ولا محجوبة إلا وهي تنقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك ولا غيور إلا وقد شقي بك! وكم من فتاة معذبة قد افرج قلبها الحزن، وأجهد عينها الكمد،. . . فأصبحت والهة مبهوتة، وهائمة مجهودة، بعد ظرف ناصع، وسن ضاحك، وغنج ساحر، وبعد أن كانت ناراً تتوقد، وشعلة تتوهج!! وليس حسنك أبقاك الله بالذي تبقى معه توبة أو تصح معه عقيدة أو يدوم معه عهد أو يثبت معه عزم، أو يمهل صاحبه التثبت، أو يتسع للتخير، أو ينهنهه زجر أو يهذبه خوف!! ولكنه شيء ينقض العادة، ويفسخ المنة، ويعجل عن الروية وننسى معه العواقب ولو أدركت ابن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر ابن حجاج)

ثم أمعن الجاحظ في التنادر على الرجل، وراح يتفنن في السخر من حسنه وجماله وخلقه وتركيبه، وبعد أن اقتحمه بنظرة إجمالية على نحو ما قدمنا لك أخذ ينظر إليه في كل عضو من أعضائه فقال: (وما ندري في أي الحالتين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك أو إذا جمعنك، وإذا ذكرنا كلك، أو إذا تأملنا بعضك. فأما كفك فهي التي لم تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها! وما ندري الكأس في يدك أحسن أم القلم، أم الرمح الذي تحمله أم المخصرة، ام العنان الذي تمسكه، أو السوط الذي تعلقه؟! وما ندري أي الأمور المتصلة برأسك أحسن وأيها أجمل وأشكل؟ آللمة أم مخط اللحية، أم الإكليل، أم العصابة، أم التاج، أم العمامة، أم القناع أم القلنسوة؟! وأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العالم، ويعلم البعيد الأقصى كما يعلم القريب الأدنى أنها لم تخلق إلا لمنبر ثغر عظيم، أو ركاب طرف كريم؛ وأما فوك فهو الذي لا ندري أي الذي نتفوه به أحسن، وأي الذي يبدو منه أجمل؟ الحديث أم الشعر، أم الاجتماع أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف؛ وعلى أننا ما ندري أي ألسنتك أبلغ، وأي بيانك أشفى؟ أقلمك أم خطك، أم لفظك أم إشارتك أم عقدك؟ وهل البيان إلا لفظ أو خط أو إشارة أو عقد. . . وقد علمنا أن القمر هو الذي يضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال، وهو مع ذلك يبدو ضئيلا نضواً، ومعوجاً شختا، وأنت أبداً قمر بدر فخم غمر، ثم هو مع ذلك يحترق في السرار ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحساً كما يكون سعداً، ويكون نفعا كما يكون ضرا، ويقرض الكتان ويشحب الألوان، ويخم فيه اللحم، وأنت أبداً دائم اليمن ظاهر السعادة، ثابت الكمال شائع النفع، تكسو من أعراه وتكن من أشحبه. . .)

وانطلق الجاحظ بعد ذلك يندد بالرجل فيما يدعيه لنفسه من طراوة الشباب ونضارة الإهاب على أنه كبير السن قد شابت شواته وتخدد أديمه، وسلخ من العمر غايته. وتجد الجاحظ ظريفاً طريفاً إذ يقول: (جعلت فداك ما لقي منك الذهب، وأي بلاء دخل بك على الخمر؟! كانا ينبهان بطول العمر ويبهجان ببقاء الحسن، وبأن الدهر يحدث لهما الجدة إذا أحدث لجميع الأشياء الخلوقة، فلما أربى حسنك على حسنهما، وغمر طول عمرك أعمارهما، ذلا بعد العز، وهانا بعد الكرامة. . فيا عقيد الفلك كيف أمسيت؟ ويا فوه الهيولي كيف أصبحت؟ ويا نسر لقمان كيف ظهرت؟ ويا أقدم من دوس، ويا أسن من لبد، ويا صفي المستقر، ويا صاحب المسند، حدثني كيف رأيت الطوفان؟ ومتى كان سيل العرم؟ ومنذ كم مات عوج؟ ومتى تبلبلت الأنس؟ وكم لبثتم في السفينة؟ وما حبس غراب نوح؟ هيهات! أين عاد وثمود؟ وأين طسم وجديس؟ وأين أمم ووبار؟ وأين جرهم وجاسم؟ أيام كانت الحجارة رطبة وإذ كل شيء ينطق! ومذ كم ظهرت الجبال ونضب الماء عن النجف، وأي هذه الأودية أقدم: أنهر بلخ أم النيل أم الفرات أم دجلة، أم جيحان أم سيحان أم مهران؟. . . أبقاك الله! وليس دعائي لك بطول البقاء طلباً للزيادة، ولكن على جهة التعبد والاستكانة، فإذا سمعتني أقول: أطال الله بقاءك فهذا المعنى أريد، وإذا رأيتني أقول لا أخلى الله مكانك فإلى هذا المعنى أذهب. وفيك أمران غريبان، وشاهدان بديعان: جواز الكون والفساد عليك، وتعاور الزيادة والنقصان إياك، جوهرك فلكي وتركيبك أرضي، ففيك طول البقاء، ومع دليل الفناء، فأنت علة للمتضاد، وسبب للمتنافي! فإياك أن تظن أنك قديم فتكفر، وإياك أن تنكر أنك محدث فتشرك، فإن للشيطان في مثلك أطماعاً لا يصيبها في سواك، ويجد فيك عللا لا يجدها في غيرك، ولست - جعلت فداك - كإبليس وقد تقدم الخبر في بقائه إلى انقضاء أمر العالم وفنائه، ولولا الخبر لما قدمته عليك ولا ساويته بك، وأنت أحق من عذر، وأولى من ستر، ولو ظهر لي لما سألته كسؤالي إياك وإن كان في التجاذب مثلك فهو في النصيحة على خلافك، ولأنك إن منعت شيئاً فمن طريق التأديب أو التقويم، وهو إن منع منع بالغش والأرصاد، وأنت على أية حال شكل، ونحن نرجع إلى أصل ونلتقي إلى أب ويجمع بيننا دين)

ويزداد الجاحظ ظرفاً وملاحة، ويشتد تهكما وسخرية إذ يدخل على صاحبه من ناحية علمه، أو قل من ناحية جهله! فقد أورد عليه كثيراً من الخرافات والمحالات وتلقف له جملة مما هو شائع عند العامة من الأكاذيب والأخبار، وجعل هذا كله من باب المسائل ورؤوس المعضلات، فأخذ يعاييه بها ويسأله عنها: فسأله عن الشقناق والشيصبان، ومن قيرى ومن عيرى ومن جلندي، ومن أولاد الناس من السعالي، ومتى تخزعت خزاعة، ومتى طوت المناهل طي، وما القول في هاروت وماروت، وما عداوة ما بين الديك والغراب، وما صداقة ما بين الجن والأرضة، وما علة خلق الخنزير؛ وكيف اجتمع في الذبابة سم وشفاء، وكيف لم تقتل الأفعى سمها، وكيف لم تحرق الشمس ما عند قرصها، ومذ كم كان الناس أمة واحدة ولغاتهم متساوية، وبعد كم بطن اسود الزنجي وابيض الصقلبي، وما عنقاء مغرب، وما أبوها وما أمها؟ وهل خلقت وحدها أم من ذكر وأنثى؟ ولم جعلوها عقيما وجعلوها أنثى. إلى آخر ما تلقفه الجاحظ من الطرائف وبلغ به مائة مسألة كلها من هذا الطراز وعلى هذا النمط، ولعل من المعلوم أنه لم يكن يطمع في الإجابة من صاحبه بل إنه ليقول له: (وقد سألتك وإن كنت أعلم أنك لا تحسن من هذا قليلا ولا كثيراً؛ فإن أردت أن تعرف حق هذه المسائل وباطلها وما فيها خرافة وما فيها محال، وما فيها صحيح وما فيها فاسد، فألزم نفسك قراءة كتبي ولزوم بابي وابتد بنفي التشبيه والقول بالنداء، واستبدل بالرفض الاعتزال، وان أتنكر منعك بعد التمكين والبذل وبعد التقريع والشحذ فلا يبعد الله إلا من ظلم!)

ولاشك أن الجاحظ قد ابتدع رسالته هذه ابتداعاً، وأتى بها على غير مثال سابق في الأدب العربي، ولاشك أنها قد جاءت قوية رائعة تعلن عن فن الرجل في بابها، واقتداره على أمثالها. ولقد كان الجاحظ على اعتزاز بها غاية الاعتزاز، فأشار إليها بالإكبار، وأحال عليها بالأقدار، واقتبس منها في بعض ما كتب. وقد تأثر بها بعض الكتاب فحاول الخوارزمي أن يحذو حذوها فقلدها في رسالة كتبها إلى أحد أصحابه الشعراء يعرف بالبديهي فبلغ أربا، ولكن دون ما بلغ الجاحظ بكثير. ثم جاء البديع الهمذاني فانتهج الطريق في بعض مقاماته إذ كان يهاجي بعض أصحابه ولكن يظهر أنه نظر إلى الخوارزمي أكثر مما نظر إلى أبي عثمان فسلبه كثيراً من تعبيراته، وخرج من التعريض إلى الشتم، ونزع عن التهكم إلى السب، وبدل التلميح بالتصريح، والمرح بالتجهم، وهذا كله غير ذلك كله، فتعرف الصنفين، وافرق بين الطريقين. . . .

(للكلام صلة)

محمد فهمي عبد اللطيف