مجلة الرسالة/العدد 187/هكذا قال زرادشت

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 187/هكذا قال زرادشت

مجلة الرسالة - العدد 187
هكذا قال زرادشت
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 02 - 1937


للفيلسوف الألماني فردريك نيتشه

ترجمة الأستاذ فليكس فارس

محبة القريب

إنكم لتعطفون على القريب، وتعبرون عن عطفكم بتزويق الكلام، أما أنا فأقول لكم إن محبتكم للقريب إن هي إلا أنانية مضللة.

إنكم تلجئون للقريب هرباً من أنفسكم، وتريدون أن تعدوا هذا العمل فضيلة، وهل يخفى علي كنه تجردكم هذا؟

إن المخاطب أقدم من المتكلم، فالأول مقدس أما الثاني فلم يقدس بعد. ذلك هو السبب في عطف الإنسان على قريبه.

إن ما أشير عليكم هو أن تنفروا من القريب لا أن تحبوا لتتمكنوا من محبة الإنسان البعيد، فإن ما فوق محبة القريب محبة الإنسان البعيد المنتظر، وإني أضع فوق محبة الإنسان محبة الأشياء والأشباح.

إن الشبح الذي يعدوا أمامك، يا صديقي، لهو أجمل منك، فلماذا لا تعيره لحمك وعظمك؟

لقد استولى الخوف عليكم فلذلك تفزعون إلى القريب. لا قبل لكم باحتمال أنفسكم وما حبكم بالحب الكامل، لذلك أراكم تطمحون إلى إغواء قريبكم لتتمتعوا بضلاله.

أتمنى أن تنفروا من جميع فئات الأقربين ومن جيرتهم أيضاً لتضطروا إلى إيجاد الصديق الذي يطفح قلبه بالإخلاص. إنكم لتدعون شهوداً عندما تريدون أن تغدقوا الثناء على أنفسكم، وإذا ما توصلتم إلى تضليلهم ليحسنوا الظن بكم تبدءون حينئذ بإحسان الظن بأنفسكم.

ما من أحد يرتكب الكذب إلا إذا تكلم ضد ضميره؛ فأصدق الناس من لا ضمير له يحول دون قوله الصدق. على هذه القاعدة تتكلمون عن أنفسكم بين الناس لتضللوهم في حقيقتكم.

يقول المجنون في نفسه: (إن مخالطة الناس تفسد الأخلاق، بل هي تفسد بخاصة من لا خلاق لهم) إن منكم من يهرع إلى جاره ليفتش عن نفسه، ومنكم من يذهب إليه لينساها. أنكم تسيئون محبة أنفسكم، لذلك يصبح انفرادكم بمثابة سجن لكم.

إن الغائبين يؤدون ثمن حبكم للقريب، لأن خمسةً يجتمعون منكم يقضون دائماً على السادس الغائب.

إنني لا احب أعيادكم، إذ رأيتها مليئة بالممثلين، ورأيت النظارة أبرع منهم تمثيلاً.

لا أدعوكم إلى محبة القريب، بل أدعوكم إلى محبة الصديق. فليكن الصديق لكم مظهر حبور الأرض فتحسون بما ينبئكم بالإنسان الكامل.

أوصيكم بالصديق يطفح قلبه إخلاصاً؛ غير أن من يطمح إلى الظفر بمثل هذا القلب يجب عليه ن يكون كالاسفنجة قادراً على تشرب السائل المتدفق. أوصيكم بالصديق الذي يحمل عالماً في نفسه، فهو الصديق المبدع الذي يسعه أن يقدم لكم هذا العالم في كل حين فيعرض عليكم ما مر به من عبر الحياة، فتشهدون كيف يتحول الشر إلى خير وكيف تنتهي الصدف بكم إلى غاياتكم.

ليكن المستقبل والمقاصد البعيدة ما تصبو إليه في يومك، فتحب في صديقك الإنسان الكامل، وتضعه نصب عينيك كغاية لوجودك.

لا أشير عليكم بحبه القريب أيها الأخوة، بل محبة الآتي البعيد.

هكذا تكلم زارا. . .

طرق المبدع:

أتقصد العزلة يا أخي لتجد الطريق التي توصلك إلى مكمن ذاتك؟ أذن، فقف قليلا في ترددك وأصغ إلي:

لقد قال القطيع: (من فتش فقد تاه، ومن انعزل فما أمن العثار).

وأنت قد عشت طويلا بين هذا القطيع، ولسوف يدوي صوته ملياً في داخلك. فإذا قلت له: - لقد تغير ضميري جانحاً عن ضميرك - فلن تكون إلا شاكياً متألماً.

إن اشتراكك بالشعور مع القطيع قد أورثك هذا الألم، وآخر وهج من هذا الضمير المشترك لا يزال يلهب فجيعتك فيجددها. ولكنك ترغب في اتباع هاتف آلامك لأنه يقودك إلى التوغل في ذاتك، فأين برهانك على حقك في المضي إليها وعلى أنك قادر على هذا السفر.

أفأنت قوة جديدة وحق جديد؟ أأنت حركة ابتداء؟ أأنت عجلة تدور على ذاتها؟ أبوسعك أن تجعل النجوم تدور حولك؟

لكم من طموح يتحفز نحو الأعالي، ولكم من طمع يرتعش في أمانيه، فاثبت لي أنك لست من الطامحين الطامعين.

إن كثيراً من ساميات الأفكار لا تعمل إلا عمل الأكر المنتفخة فلا تكاد تتضخم حتى يحكمها الضمور.

إنك تدعو نفسك حراً، فقل لي ما هي الفكرة التي تقيمها مبدأ لك. ولا تكتف بقولك إنك خلعت نيرك، فهل كنت يا ترى ذا حق بخلعه؟ إن من الناس من يفقدون آخر مزية لهم إذا هم انعتقوا من عبوديتهم.

لا يهم زارا أن تقول له من أية عبودية تحررت، فلتعلن له نظراتك الصافية الغاية التي تحررت من أجلها

هل بوسعك أن تسن لنفسك خيرها وشرها فترفع إرادتك شريعة تسود أعمالك. أبوسعك أن تكون قاضياً على نفسك وان تكون منتقماً منها لشريعتك؟

إنه لأمر مريع أن يبقى الإنسان منفرداً مع من أقامه قاضياً عليه ومنتقماً منه بالشريعة التي أوجدها. إن مثل هذا الإنسان ليذهب في الفضاء ذهاب الكوكب مقذوفاً إلى فراغ الوحدة وصقيعها.

إنك وقد أصبحت منفرداً لا تزال تتألم من المجتمع لأنك لم تطرح شجاعتك ولم يزل للأمل مرتع فيك. غير أنك ستتعب من انفرادك يوماً، إذ تلين قناتك، وينحطم غرورك فلا تتمالك من الهتاف قائلاً. إنني أصبحت وحيداً فريداً

سيأتي يوم تحتجب فيه عظمتك عنك فتلتصق صغارتك فيك حتى لترتجف فرقاً من تساميك نفسه إذ يبدو أمامك كشبح مرعب فتصرخ قائلاً (كل شيء باطل)

إن في المنفرد عواطف تطمح إلى القضاء عليه فإن لم تنل منه نالت من نفسها وانتحرت. فهل أنت مستعد لارتكاب جريمة قتل؟

أتعرف، يا أخي، معنى كلمة الاحتقار، وما ستكون آلامك إذا أنت أردت العدل واضطررت إلى الاقتصاص ممن يحتقرونك؟ إنك تكره الكثيرين على تغيير اعتقادهم فيك، فتثير حفيظتهم عليك. لقد اقتربت منهم ثم تجاوزتهم، فهم لذلك لن يغتفروا لك.

لقد تفوقت عليهم، فكلما اعتليت فوقهم ازددت صغاراً في أعين الحاسدين. وما كره الناس أحداً كرههم للمحلق فوق السحاب.

لقد وجب عليك أن تقول للناس: - إنني اخترت ظلمكم نصيباً حق لي منكم، لذلك عز إنصافي عليكم. إن الناس يرشقون المنفرد بالمظالم والمثالب، ولكنك إذا كنت تريد أن تصبح كوكباً فعليك أن ترسل أنوارك حتى إلى الراشقين.

واحترس بخاصة من أهل الصلاح والعدل لأنهم يتوقون إلى صلب من يوجد فضيلة لنفسه. إنهم يكرهون المنفرد.

واحترس أيضا من السذاجة المتقية، لأنها ترى الكفر في كل إنسان لا يلتصق بها. وقد كان الساذجون في كل زمان يتوقون إلى إيقاد النار واللعب بها.

كن على حذر من التطرف في حبك، فإن المنفرد يمد يده متسرعا لمصافحة من يلتقي في طريقه. أن من الناس من يجب عليك إلا تمد إليهم يداً، بل مخلباً ناشباً.

غير أن اشد من تصادف من الأعداء خطراً إنما هو أنت وما يترصدك في المغاور والغابات إلا نفسك.

لقد تبينت الطريق الذي يقودك إلى ذاتك. أيها المنفرد، وطريقك منبسط أمامك وأمام شياطينك السبعة. فتصبح منذ الآن جاحداً لنفسك، ساحراً مجنوناً، مشككا كافراً شريداً. فيجب عليك أن ترضى بالاحتراق بلهبك إذ لا يمكنك أن تجد ما لم تشتعل حتى تصبح رماداً.

إنك تتبع طريق الخالق، أيها المنفرد، فأنت تفتش على إله لك تقيمه من شياطينك السبعة. إنك تتبع طريق العاشق، أيها المنفرد، وقد عشقت نفسك، فأنت لذلك تحتقرها احتقار العاشقين.

يريد العاشق أن يبتدع لأنه يحتقر، وما له أن يدعي الحب إذا كان لم يبدأ باحتقار المحبوب.

توغل في عزلتك، يا أخي. سر فلا رفيق لك إلا حبك وإبداعك. إنك ستسير طويلا قبل أن تقفو العدالة أثرك متثاقلة متعارجة.

اذهب إلى عزلتك فأنني أشيعك بدموعي يا أخي، لأنني احب من يتفانى ليوجد في فنائه من يتفوق عليه.

هكذا تكلم زارا

الشيخة والفتاة

لماذا تدلج مختفياً في الغسق يا زارا؟ وما هو الذي تخفيه بكل احتراس تحت ردائك؟ أكنز وهبته أم طفل رزقته؟ وإلى أين تتجه على طريق اللصوص يا صديق الأشرار؟)

فأجاب زارا: - والحق يا أخي، أن ما أحمل إنما هو كنز وهبته، فهو حقيقة صغيرة طائشة كالطفل، ولولا إنني كممت فمها لصاحت بملء شدقيها.

بينما كنت أسير اليوم منفرداً في طريقي عند الغروب، التقيت بشيخة ناجتني قائلة: -

لقد كلمنا زارا مراراً نحن النساء، ولكنه لم يتكلم عنا مرة واحدة.

قلت لها: - يجب ألا يتكلم عن النساء إلا للرجال.

فقالت: - لك أن تتكلم أمامي عن النساء لأنني بلغت من العمر أرذله فلن تستقر أقوالك في ذهني.

وقبلت رجاء المرأة العجوز فقلت لها: - كل ما في المرأة لغز، وليس لهذا اللغز إلا مفتاح واحد وهو كلمة (الحَبل)

ليس الرجل للمرأة إلا وسيلة؛ أما غايتها فهي الولد، ولكن ما تكون المرأة للرجل يا ترى؟ أن الرجل الحقيقي يطلب آمرين: المخاطرة واللعب؛ وذلك ما يدعوه إلى طلب المرأة فهي أخطر الألعاب.

خلق الرجل للحرب، وخلقت المرأة ليسكن الرجل إليها، وما عدا ذلك فجنون، ولا يحب المحارب الثمرة إذا تناهت حلاوتها، فهو لذلك يتوق إلى المرأة لأنه يستطعم المرارة في أشد النساء حلاوة

تفهم المرأة الطفل بأكثر مما يفهمه الرجل؛ غير أن الرجل أقرب إلى خلق الطفل من المرأة، ففي كل رجل حقيقي يحتجب طفل يتوق إلى اللعب. فلتعمل النساء على اكتشاف الطفل في الرجل.

لتكن المرأة لعبة صغيرة طاهرة كالماس تشع فيها فضائل العالم المنتظر.

ليتوهج الكوكب السني في حبك أيتها المراة، وليهتف شوقك قائلا: لأضعن للعالم الإنسان الكامل. ليكن في حبك استبسال تتسلحين به لاقتحام من يثير الوجل في قلبك. ضعي شرفك في حبك، وما تعرف المرأة من الشرف إلا يسيراً؛ غير أن الشرف في حبك هو الخلق الذي يجعلك تبادلين المحبة بأكثر منها فلا تنحدرين إلى المقام الثاني

ليحذر الرجل المرأة عندما يستولي الحب عليها، فهي تضحي بكل شيء في سبيل حبها، إذ تضمحل في نظرها قيم الأشياء كلها تجاه قيمته، ليحذر الرجل المرأة عندما تساورها البغضاء، لأنه إذا كان قلب الرجل مكمنا للقسوة، فقلب المرأة مكمن للشر

إلى من توجه المرأة أشد بغضائها؟

والجواب في قول الحديد للقوة الجاذبة:

- إن أشد كرهي موجه إليك لأنك تجتذبين ولا طاقة فيك لتربط على ما تجتذبين.

إن سعادة الرجل تابعة لإرادته؛ أما سعادة المرأة فمتوقفة على إرادة الرجل.

تقول المرأة وقد استسلمت لحبها العميم: لقد اكتمل العالم.

ولابد لها أن تخضع وأن ترى أعماقا على سطحها، لأن روح المرأة سطحية، فهي صفحة ماء متماوجة تداعبها الرياح، في حين أن روح الرجل أعماق تزمجر أمواجها في المغاور السحيقة القرار؛ وقد تشعر المرأة بقوة الرجل ولكنها لن تفهمها

عندئذ قالت العجوز: لقد تكلم زارا عن أشياء طريفة اجدر بسماعها من النساء من لم يزلن في مقتبل العمر. ومن الغريب أن ينطق زارا بالحق عندما يتكلم عن النساء وهو لا يعرفهن إلا قليلا. أفتكون أصابته ناشئة عن أن ليس في حالة المرأة شيء ممتنع

والآن أصغي إلي يا زارا، فإنني سأعلن لك حقيقة صغيرة مكافئة على ما قلت، وكبر سني يجيز لي أن أعلنها لك، فاسترعها وأطبق شفتيك عليها لئلا يتعالى صراخها من فمك

فقلت هاتها، هذه الحقيقة الصغيرة أيتها المرأة. وهذا ما قالت العجوز: -

- إذا ما ذهبت إلى النساء فلا تنس السوط.

هكذا تكلم زارا. . .

(يتبع) فليكس فارس