مجلة الرسالة/العدد 187/شاعر الطبيعة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 187/شاعر الطبيعة

مجلة الرسالة - العدد 187
شاعر الطبيعة
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 02 - 1937


للسيد عمر أبو ريشة

شاخص الطرف محدق في الفضاء ... فوق طود عالي المناكب ناءِ

يرقب الفجر والندى مالئ بُرْ ... دَيْه والشعر مائج في الهواء

شاعرٌ خافق الجوانح بالحب ... (م) بعيد عن عالم الضوضاء

تتراءى في وجهه الهادئ الوا ... جم آي الوداعة الغرَّاء

وبعينيه بارقٌ قذفته ... شعلة الروح مبهم اللألاء!

نهض الفجر مثقلاً يتلوَّى ... فوق صدر الطبيعة الخرساء

يتخطَّى الربى وئيداً ويهمى ... بشتيت الأظلال والأنداء

وثبةٌ إثر وثبة ذائب الأل ... وان فيها وجامد الأضواء

فارتدى الكون بردةً من جمال ... وتهادى بباسم النعماء

فإذا السفح باسمٌ تمرح القط ... عانُ فيه وترتعي بهناء

وإذا الطير بين كرٍّ وفرٍ ... من غدير لروضة غناء

صورٌ أفرغت على أذن الشا ... عر نجوى علوية الإيحاء

هبط السهل والهجيرة تنقضّ ... (م) وتطوي مطارف الأفياء

وتصبُّ الخمول والسام الصاخ ... ب والصمتَ في فم الغبراء

وتردّ الجمال منهتكَ الستر ... (م) سليب النعومة العصماء!

وتسلّ النشاط من قبضة الكو ... ن فيغفو على ذراع الفناء!

فصدور الحقول متعبةٌ تل ... هث في غمرة من الإعياء!

ورءوس الأزهار مطرقة تن ... سلّ منها انتفاضة الكبرياء!

وقيان الغصون مَلْوِيَّة الأع ... ناقِ صرعى كآبة عمياء. . .

صورٌ أفرغت على أذن الشا ... عر نجوى علوية الإيحاء!!. .

بلغ المنحنى. . فجاز مدى الطر ... ف بحسٍّ مفجَّع الأنباء!

مأتمُ الشمس ضجَّ في كبد الأف ... ق وأهوى بطعنة نجلاء

عصبت أرؤس الروابي الحزانى ... بعصاب من جامدات الدماء! فأطلّت من خدرها غادة اللي ... ل وتاهت في ميسة الخيلاء

وأكبَّت تحلُّ ذاك العصابَ ... (م) الأرجواني باليد السمراء!!

وذؤابات شعرها تترامى ... في فسيح الآفاق والأجواء

وعيون السماء ترنو إليها ... من شقوق الملاءة السوداء!!

فإذا الكون لجَّة من جلال ... فجَّرتها أصابع الظلماء

يرسب الطرف في مداها ويطفو ... ثم يرتد فاقد الارتواء

فتطلُّ الأشباح من كوَّة الوهم ... (م) وتعوي مجنونة في العراء

وتموج الأصداء من جهش الأر ... ض بأذن المهابة الصماء

وتحس الروح الوديعة بالرع ... شات تسري كموجة الكهرباء!

صور أفرغت على أذن الشا ... عر نجوى علويَّة الإيحاء!!

هكذا استعرض الوجود مليّاً ... في غضون الإصباح والإِمساء

في اختلاج البروق في قهقا ... ت الرعد في صاخب من الدأماء

في ابتسام الرياض في هدأة الجد ... ول في نفحة الربى الفيحاء

فانثنى ضاربا على الوتر الشا ... دي أهازيج روحه الشماء!

فَضَّ فيها عن الحياة نقابا ... من خداع وبرقعا من رياء!

ورمى ختم سرها فتجلت ... بعد لأي عريانة للرائيْ!

فتهادت بناتها باصطفاق الص ... نج والدف واتساق الغناء

كدُمى هيكل لقد نفض الله ... (م) عليها اختلاجة الأحياء!

يتمايلن راقصات نشاوى ... بدلال مفجر الإغراء!

فمن الخصر عطفة تركت في ... حُلمة النهد نفرة للعلاء

كل بنت جياشة الصدر ترمي ... أختها بابتسامة استهزاء

هذه في يمينها مشعلُ الحب ... (م) قصير الأنفاس خابي السناء

هذه في عيونها تصرخ الشه ... وة جوعا وتزدري بالحياء

هذه فوق رأسها تشرق الحك ... مة في شبه هالة وضاء!

هذه. . خَل هذه، ودع الأخ ... رى فصعب إصابة الإحصاء زمر من كواعب برزت في ... صور العيش في أتم جلاء!. .

عزف الشاعر النبيغ فجسَّت ... أكبدَ الراقصات كف العزاء

مسنداً رأسه على كتف القي ... ثار مستسلماً إلى الأهواء

وإذا ما صحا على نفخة البو ... ق بأذنيه وازورار القضاء. .

خدِرت كفه على الوتر الشا ... دي وسالت أَصداؤه في الفضاء

وتلاشت تلك الحسان تلاشي ال ... شمع في زفرة اللظى الحمراء

وهوى فوق مضجع من تراب ... تحت عطفي صفصافة غيناء!!

حلب

عمر أبو ريشة