مجلة الرسالة/العدد 164/الحجاب في الإسلام

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 164/الحجاب في الإسلام

مجلة الرسالة - العدد 164
الحجاب في الإسلام
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 08 - 1936


للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

من علماء الأزهر

- 2 -

أما غير أمهات المؤمنين من نساء المسلمين فلم يفرض عليهن هذا الحجاب الذي فرض عليهن، لأن فرضه كان للغرض السابق الخاص بهن، وقد ترك الإسلام أمر هذا الحجاب للرجل وزوجه، يجريان فيه على ما تقتضيه المصلحة التي تختلف باختلاف النساء، وشأنه في هذا شأن غيره من الأمور التي تركها الإسلام لحكم العرف والعادة وغيرهما.

ولهذا كان من أصحاب رسول الله ﷺ من جرى مع نسائه على ترك تقييدهن بشيء من أمر هذا الحجاب كالزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وعبد الله بن جعفر وغيرهم. وكان منهم من جرى على تقييد نسائه به مثل ما قيدت به أمهات المؤمنين، وقد ورد من هذا أن سلمة بن قيس أرسل رجلاً إلى عمر يخبره بواقعة من الوقائع، فلما قدم له عمر الطعام نادى امرأته أم كلثوم بنت علي: ألا تأكلين معنا؟ فقالت له: لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا ابن جعفر والزبير وطلحة نساءهم.

ولعل الزبير كان يفعل هذا مع زوجه أسماء بنت أبي بكر، فقد تزوج بعدها عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت امرأة عجزاء بادنة، ولها جمال وكمال وتمام في عقلها ومنظرها وجزالة رأيها، وهي التي يقول فيها عبد الله بن أبي بكر:

أعاتكُ لا أنساك ما ذَرَّ شارقٌ ... وما ناح قُمْريُّ الحمام المطوَّقُ

أعاتِكُ قلبي كلَّ يوم وليلةٍ ... لديك بما تخفي النفوسُ معلَّقُ

لها خُلُقٌ جزْلُ ورأيٌ ومنطقٌ ... وخَلْقٌ مَصُونٌ في حياء ومصدق

فلم أَرَ مثلي طلَّق اليومَ مثلها ... ولا مثلها في غير شيء تطلَّقُ

وكانت عاتكة تحت عبد الله فشغل بها، وغلبته على رأيه، فمر عليه أبو بكر أبوه وهو في علية يناغيها في يوم جمعة، وأبو بكر متوجه إلى الجمعة، ثم رجع وهو يناغيها، فقال يا عبد الله أجمعت؟ قال أوصلى الناس؟ قال نعم، فقال له أبو بكر: قد شغلتك عاتكة عن المعاش والتجارة، وقد ألهتك عن فرائض الصلاة - طلقها - فطلقها تطليقة ثم ندم على طلاقها وقال هذه الأبيات فيها، فأذن أبوه في مراجعتها؛ وقد مكثت تحته حتى مات فتزوجت بعده عمر، ثم تزوجت بعد عمر الزبير. فلما ملكها الزبير قال لها: يا عاتكة لا تخرجي إلى المسجد، فقالت له: يا ابن العوام - أتريد أن أدع لغيرتك مصلى صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فيه؟ قال فإني لا أمنعك، فلما سمع النداء لصلاة الصبح توضأ وخرج، فقام لها في سقيفة بني ساعدة. فلما مرت به ضرب بيده على عجزتها، فقالت مالك قطع الله يدك ورجعت. فلما رجع من المسجد قال يا عاتكة مالي لم أرك في مصلاك؟ قالت يرحمك الله أبا عبد الله، فسد الناس بعدك. الصلاة اليوم في القيطون أفضل منها في البيت، وفي البيت أفضل منها في الحجرة.

وهكذا كان بعض الرجال يحاولون أن يفرضوا على نسائهم هذا الحجاب بحكم الغيرة لا بحكم الدين؛ وكانت عائشة رضي الله عنها هي التي حالت بين النساء والمساجد، وكن يصلين فيها على عهد رسول الله ﷺ، وكانت تقوم صفوفهن خلف صفوف الرجال. فلما فتحت الأمصار وأقبلت الدنيا على المسلمين ظهرت المرأة في زينتها، وأخذت تحضر إلى المسجد بحالة تدعو إلى الفتنة، فرأت عائشة في حضورهن المساجد هذا الرأي، وقالت في ذلك: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل.

ولقد كان في نفسي شيء من هذا المنع إلى أن شفاها منه عالم الأندلس، وإمام أهل الظاهر، أبو محمد علي بن حزم. قال رحمه الله وأرضاه: أما ما حدثت عائشة فلا حجة فيه لوجوه:

أولها أنه عليه السلام لم يدرك ما أحدثن فلم يمنعهن، فإذا لم يمنعهن فمنعهن بدعة وخطأ، وما نعلم احتجاجاً أسخف من احتجاج من يحتج بقول قائل لو كان كذا لكان كذا.

ووجه ثان وهو أن الله تعالى قد علم ما يحدث النساء، ومن أنكر هذا فقد كفر، فلم يوح قط إلى نبيه ﷺ بمنعهن من أجل ما استحدثنه، ولا أوحى تعالى قط إليه - أخبر الناس إذا أحدث النساء فامنعوهن من المساجد.

ووجه ثالث وهو أننا ما ندري ما أحدث النساء مما لم يحدثن في عهد رسول الله ﷺ، ولا شيء أعظم في إحداثهن من الزنا، فقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ، ورجم فيه وجلد، فما منع النساء من أجل ذلك قط.

ووجه رابع، وهو أن الأحداث إنما هو لبعض النساء بلا شك دون بعض، ومن المحال منع الخير عمن لم يحدث من أجل من أحدث، وقد قال تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى).

ومن يدقق النظر في ذلك يجد أن هذه المحاولات في الحجر على النساء كانت ترجع إلى أسباب اجتماعية لا دينية، وأن الرجال كانوا يلجئون إلى هذا الحجر إذا أسرف النساء في استعمال ما أطلق الشارع لهن في هذا الأمر، وقد بدأ الرجال كما ذكرنا يلجئون إلى ذلك بعد قليل من عهد النبوة، حتى كان ذلك يخرج بهم إلى حد الإثم. قال صاحب الأغاني: قال إسحاق قال المدائني وأخبرني أبو مسكين عن فليح بن سليمان قال: كان الدلال ملازماً لأم سعيد الأسلمية، وبنت ليحي بن الحكم بن أبي العاصي، وكانتا من أمجن النساء، كانتا تخرجان فتركبان الفرسين فتستبقان عليهما حتى تبدو خلاخيلهما، فقال معاوية لمروان: اكفني بنت أخيك، فقال: أفعل، فاستزارها وأمر ببئر فحفرت في طريقها وغطيت بحصير، فلما مشت عليه سقطت في البئر فكانت قبرها.

وقد كانت النساء الحرائر من العربيات وغيرهن يقاومن ما يحاوله الرجال من الحجر عليهن، ولا يفرطن فيما أباحه الشارع لهن، كما سبق من عاتكة بنت زيد مع زوجها الزبير؛ وقد حاول عمر قبله ذلك معها أيضاً. روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل كانت تحت عمر بن الخطاب وكانت تشهد الصلاة في المسجد، وكان عمر يقول لها: والله إنك لتعلمين أني ما أحب هذا، فقالت: والله لا أنتهي حتى تنهاني، قال عمر: فأني لا أنهاك، فلقد طعن عمر يوم طعن وإنها لفي المسجد.

فلما أخذ الرجال يفضلون الإماء على لحرائر ضعفن عن هذه المقاومة، وآل الأمر بالرجال إلى أن جعلوا بيوتهم سجناً للنساء، وحرموا عليهن الخروج إلى المساجد وغيرها، ومنعوهن من الاختلاط بالرجال ولو في حضورهم. ثم طال الأمر على ذلك بين المسلمين حتى ظن أنه من دينهم وما هو منه في شيء، وإنما كان مثل هذا مفروضاً على نساء النبي ﷺ، ولكنه لم يبلغ في الشدة إلى مثل هذا الحد، ثم انتهى ذلك بموت ميمونة رضي الله عنها، وكانت فيما قيل آخرهن موتاً.

(للكلام بقية)

عبد المتعال الصعيدي