مجلة الرسالة/العدد 16/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة

مجلة الرسالة/العدد 16/القصص

مجلة الرسالة - العدد 16
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 01 - 09 - 1933


إلى الواحات الخارجية

جنة الصحراء الغربية

(وجزيرة الناعمين) في عرف قدماء المصريين

من الأصقاع الجديرة بالزيارة في مصر الواحات الغربية تلك التي نجهل عنها كل شيء ولا نذكرها الا في مقام التشويه أو العقاب أو النفي كأنها شقة من الجحيم. فكرت في زيارة تلك الناحية المنبوذة لأرى ما فيها من رهبة ووحشة فإذا بي أنتقل إلى جنة يانعة هواؤها رائق عليل، وتمرها وافر عميم، وماؤها دافق غزير، يحف بكل أولئك كثبان من الرمل الناعم النقي تعلو ورائها نجاد صخرية تمتدإلى الآفاق مما جعل الواحة في ظني خير مزار في الربيع وشطر من الشتاء. أقلني إليها القطار من مصر إلى مواصلة الواحات في عشر ساعات وهناك انتقلت إلى قطار الواحات الصغير الذي سار بنا بين ست ساعات وسبع إلى الخارجة فأخذ ذاك القطار يشق طريقه وسط الحقول الزراعية مسافة هي دون خمسة كيلومترات بعدها بدأ يصعد تدريجيا وقد استحال الطمي الراسب على الأرض رمالاً. وعند الكيلو السادس وقفنا بمحطة: القارة وهي محطة عند اتصال الهضبة الصحراوية بالسهول الفيضية الخصبة. بعدها أوغل القطارفي الصحراء صاعدا وسط واد مجدب ظل يختنق تدريجيا وتقارب القطار جوانبه الصخرية المشرفة حتى إذا قاربنا الكيلو 40 كنا فوق هضبة تنتثر بالحصى. وكلما قطعنا ثلاثين كيلو مترا كنا نقف في محطة موحشة ليأخذ القطار منها الماء ولا يقطنها من الآهلين نفر. وبعد نصف الهضبة دخلنا شبه وادي فسيح غير محدود الجوانب يسميه القوم (وادي البطيخ) لأنه يغص بكرات الصخر المسودة في أحجام مختلفة فتبدو وكأنها البطيخ. وعند الكيلو 146 بدأنا نهوي خلال مجرى جاف جوانبه رائعة وكان الهبوط سريعا وعرا حتى أن القاطرة حبست بخارها فكانت تهوى المسافة كلها بقوة انحدار ليس غير، ولبثنا نتلوى ليات متعاقبة وسط ذاك الصخر المجدب حتى خرجنا إلى سهل أدى بنا إلى محطة: المحاريق: عند الكيلو 165 وهي بدء الوهدة التي تتوسطها الواحات ولذلك كنا نبصر على بعد بقاعا تزينها الخضرة في شبح فاتر.

والمحار يق محلة لابأس بمبانيها. كانت قد اتخذت مقرا للنفي الإداري وكان يرسل إليها المحكوم عليهم من كافة الطبقات حتى علية القوم من المغضوب عليهم وكانوا يتركون أحرارا بعائلاتهم يتجولون إلى حدود معينة ورائها يقف الهجانة لكيلا يتجاوز المجرمون الحدود، والفقير منهم كان يكلف عملا يؤجر عليه خمسة قروش في اليوم، لكن الحكومة رأت في النفي أداة للتشفي والانتقام وبخاصة من العمد الذين كانوا يسعون إلى نفي من يكرهون. هذا إلى المبالغ الطائلة التي تكلفتها الحكومة في الإنفاق على النفي لذلك قررت إلغاءه.

قمنا إلى محطة الشركة: وسميت كذلك لأنها كانت المستودع الرئيسي لشركة سكة حديد الواحات وكانت شركة إنجليزية سعت بمجهود كبير أن تبيع متاعها للحكومة لأنها خسرت خسائر فادحة ولم يسد الخط شيئاً يذكر من نفقاته وتمت الصفقة سنة 1909 ودفعت الحكومة ربع مليون جنيه فأيدت بذلك ما يعلمه الأجانب عن سخائنا العميم. وهي لا تزال تخسر فيها كل عام، إذ من إيرادها البالغ أربعة آلاف جنيه يخص خط الواحات ألف جنيه وهذا المبلغ لا يذكر بجانب النفقات. وجل الإيراد وقف على البلح في شهور الصيف.

أخيرا عند الكيلو 195 دخلنا محطة الواحات الخارجة وقادني الغلام إلى نزل بديع ما كنت أتخيل وجوده في تلك الناحية النائية هو (فيلا) أنيقة تزينها الأشجار الباسقة وتحوطها كثبان الرمل الناعمة. يديرها مصري يدعى (مصطفي عمر) ويقوم على خدمة النزلاء والسائحين خير قيام، ولقد تصفحت سجل الزائرين عنده فكان من بينهم الكثير من الوجهاء، مصريين وأجانب وبينهم بعض الأمراء. على أني أسفت لما علمت أن الرجل لا يكاد يتكسب من وراء عمله هذا شيئاً ولا تكاد تساعده مصلحة السكة الحديد بشيء حتى ولا بزيادة الدعاية لمنطقة الواحات وتخفيض أجور السفر إليها كي يزيد إقبال السائحين عليها كما كانت الحال في عهد الشركة الإنجليزية التي كانت تروج للواحات فكان عدد من يؤمها يفوق المئات سنويا، أما اليوم فلا نكاد نحن المصريين نسمع عن الإقليم شيئاً رغم ما فيه من جاذبية كبيرة.

قمت أتجول في المدينة فبدأت بزيارة آثارها التاريخية فالواحة كانت عامرة أيام قدماء المصريين، وابان حكم الرومان ولعل اجل آثارها: معبد هيبيس الذي بناه دارا الأول في القرن الخامس قبل الميلاد تمجيدا لآمون، والمعبد عظيم الامتداد شامخ العمد فاخر البنيان يكاد يحاكي معابد الكرنك. وهناك مدافن رومانية قديمة بها بضع مئين من المقابر أقامها الروم من اللبن في قباب صغيرة تزينها في البعض صور القديسين وفي البعض الآخر أشباه البوائك والأعمدة. وسكان الواحات يمتون بصلة إلى المصريين القدماء وإلى الرومانيين، وقد لاحظت ذلك في سحنهم المصفرة وتقاطيعهم النحيلة الممطوطة، ولا يزال للعائلات الرومانية الصرفة هناك بقية في اثنتين: عائلة الصنديدية، عائلة الأدارسة. ويمتازون بأدمغتهم المنبطحة من نواصيها. والعجيب أن أهل البلاد اعتنقوا الإسلام جميعا فلا تجد منهم مسيحيا واحدا ويظهرانهم اسلموا مجبرين وكانوا يعتصمون بالصحراء هروبا من أراضى الريف وما أثقلها من ضرائب إبان حكم المماليك، وهم لا يزالون يحتفظون بالكثير من الشعائر المسيحية رغم انهم مسلمون، فمثلا شاهدتهم يعدون سعف النخيل الأبيض لضفره في أشكال عدة احتفالا (بحد الزعف) على نحو ما يفعل إخواننا الأقباط هنا. وبينهممسجد ذو مئذنة قصيرة كان من قبل كنيسة.

ومن أعجب ما راقني مباني القوم ومساكنهم فهي من طابق واحد أو أثنين تبنى باللبن وتتجمع كلها في كتلة واحدة تشقها سراديب سقوفها واطئة لا يستطيع الإنسان السير فيها الا منحنيا ولياتها من الأعاجيب، ولا تتخللها فتحات أو نوافذ قط، لذلك كانت حالكة الظلام في رائعة النهار، ومنها ناحية يسمونها (الهدرة) أرضها صخرية زلقة مغضنة وعرة. وسط ذاك الظلام الدامس زلقت قدماي فيها مرتين. ولقد كانت تلك السراديب وسيلة من وسائل الدفاع ضد غارات البدو والدراويش الذين طالما باغتوا البلاد بغاراتهم، فكان الواحد من الآهلين يعتصم بتلك المفاوز ليمنع العدو من اختراق حرمة داره، وفوق ذلك فهي تقيهم وهج الشمس المحرقة صيفا، ولما رأت مصلحة الصحة اليوم ما يخلفه ذلك الضيق والظلام من الأوساخ وخطر الأمراض، فتحت خلال الطرق كوى صغيرة في مسافات متباعدة أنارتها اليوم بعض الشيء على إني رغم ذلك كنت أسير في سراديب كأنها السرابيوم أو التيه ظلاما ووحشة، وكثيرا ما كنت اصطدم بالمارة خصوصا عند مفاجآت الثنيات العديدة لتلك المفاوز. وقد استرعى نظري السقامون وكلهم من مكفوفي البصر، يسيرون في تلك الطرق بخفة عجيبة وعلى ظهورهم قرب الماء، ولا يخطئون البيوت ولا تزل أقدامهم أبدا. ولقد أضافني رب بيت من تلك البيوت، فكنت أتوقع أن أوي إلى كوخ صغير أو قاعة وسط تلك المطاوي الحالكة، ثم دخلنا البيت من كوة صغيرة وأشد ما كانت دهشتي عندما رأيتني وسط بيت مشيد البناء طلي بالملاط ورصف بالبلاط على نحو ما نقطن هنا في مصر.

والعيون والينابيع منثورة في الواحات في كثرة لا يكاد يحصيها العد حتى قيل أن في الواحة الخارجة وحدها ثمانمائة عين بين صغير وكبير، وهذا الماء الغزير يتفجر من طبقة من الخراسان الرملي على عمق يتراوح بين 100و150مترا والواحات في وهدة متوسط ارتفاعها عن سطح البحر يزيد على خمسين مترا وتحف بها النجاد الجيرية والطباشيرية من جميع الجوانبتعلو في مدرجات أعلاها فوق أربعمائة متر وبخاصة ناحية الغروب وزرعتلك الواحة 300ك م في الطول وبين 30و80 في العرض. ومن صدوع ذاك الصخرالجيرى تتفجر العيون العديدة، وغالب العيون كانت مستغلة في عهد الرومان فكانوا يحفرون حولالعين متسعا إلى عمق كبير ويضعون منقور الخشبوجذوع النخل في شكل الأنابيب لحصر الماء، ثم تطمر الحفرة، ويستدل القوم على وجود العيون كلما رأوا منخفضا رطبا يبدو نزر الماء فيه، وتجاوره ربوة.