مجلة الرسالة/العدد 144/قصة المكروب

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 144/قصة المكروب

مجلة الرسالة - العدد 144
قصة المكروب
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 04 - 1936


كيف كشفه رجاله

ترجمة الدكتور أحمد زكي

وكيل كلية العلوم

الدفتريا

بين واجد سمها الفرنسيّ، وكاشف ترياقها الألماني

- 1 -

في عام 1888 ألقى بستور من كفه المشارط والأنابيب، ونفض يده من الأبحاث، فقام تلميذه أميل رو فالتقط الذي ألقاه أستاذه، وغمر يده في الذي ترك سيده، واتخذ لنفسه بحثاً مستقلاً. فلم يمض قليل من الزمن حتى اكتشف سّماً غريباً يتحلّب من بَشِلاّت الدفتريا سمّاً تقتل الأوقية المركزة منه خمسة وسبعين ألف كلب كبير

وبعد هذا بسنوات قليلة، بينا كوخ يخفّض من رأسه نحت وابل الشتائم واللعنات التي صبها عليه من كانوا آمنوا بعلاج سلّه المزعوم ثم خُدِعوا فيه وجَنَوا منه الثُّكْل والأحزان، قام أحد تلاميذه، وكان شاعراً، فخفّف من إخفاق أستاذه كوخ بأن كشف في دم الخنازير الغينية عن مادة غريبة إذا هي التقت بسم الدفتريا ذهبت بشره وجعلته بَرداً على الناس وسلاما، وكان اسم هذا الشاعر العالم أميل بارنج

اكتشف أميل الفرنسي سم هذا الداء، واكتشف أميل الألماني ترياقه، فأحيا الأميلان الأمل في أنفس الناس بعد أن أضاعه كوخ بنكبته الكبرى؛ فعادوا ولو إلى حين يرجون أن تصبح المكروبات أصدقاء الإنسان بعد أن كانت أعداءه، وأن تصير لُعبات لا تضر، يتَلَّهى بها البُحاث ويتسلون من سأم وعناء

قام هذان الشابان بتجاربَ أي تجاربَ أي تجاربٍ لاستقصاء هذا الداء؛ قاما بها في هلعٍ مجنونٍ ليخلّصوا أرواح البرايا. شقا طريقهما إلى غايتهما في مجزرة لم تسمع الدنيا بمثلها. جزرا فيها عدداً لا يحصى من الخنازير الغينية، جزراها ليخلّصا من الموت عدداً أ يحصى من الأطفال المساكين. ففي الأمساء كانت معاملهم كميادين القتال في الأزمان الخوالي، حين كان الجند تُبقر بطونهم وتقطّع أوداجهم بالحراب تارة والنبال تارة أخرى. ضرب رو بأظفاره كالغول في أطحلة الموتى من الأطفال، ودار بارنج بين الدماء في ظلام من الجهل دامس حتى اصطدم أنفه بباب انفتح له عن حقائق وضّاءة باهرة ما كانت لتخطر على بال الإلهة

ولكنهما دفعا عن كل تجربة ناجحة ثمناً غالياً: ألفَ تجربة فاشلة، ولكن مع هذا، وبرغم هذا، قد اكتشفا الترياق

وما كان لهما أن يكتشفاه لولا أن سبقهما كشفٌ متواضع قام به فردريك لُفلار صياد المكروب الذي حمل على شفته شارباً ألمانيا حربيا علا واستطال حتى حجب بصره، فكان إذا نظر في المجهر نحّاه عن عينه؛ وكان يعمل لُفلار إلى يمين أستاذه كوخ في زمن البطولة الأولى حين كان يتصيد مكروب السل. ففي أوائل ذلك العقد التاسع من القرن الغابر كانت وطأة الدفتريا شديدة جداً، والدفتيريا داء تشتد وطأته وتلين في القرن الواحد مراراً. وامتلأت في المستشفيات عنابر الأطفال بالمرضى، وعلت أصوات أهليهم بنحيب لا فائدةَ منه تعود ولا نفع يُرجى، وخرجت من تلك الحلوق الصغيرة سعلة تصحبها قرقرة تنذر بأن الاختناق قريب، وتراءت وجوههم الصغيرة الزرقاء في وساداتهم البيضاء وقد ازرقّت من فعل اليد الخفية التي عصرت حلوقهم وضغطت على قلوبهم. ومشى الأطباء في هذه الأروقة يسترون يأس القلوب ببشاشة الوجوه، وساروا من سرير إلى سرير لا حول لهم ولا قّوة إلا أن يدسّوا في حلق طفل مختنق أنبوبة في هذا الغشاء الذي يسد عليه منفذ الهواء يحاولون بذلك أن يفتحوا له منفذاً إلى رئتيه

وقذفت خمسة أسرة من كل عشرة بأحمالها إلى رواق الأموات. وكان في أسفل الدار، وكان به لُفلار يعمل بجد لا يفتر، وهمة لا تضعف. كان يغلي مشارط، ويحمي في النار أسلاك البلاتين، ويدخلها إلى هذه الحلوق الجامدة من تلك الأجسام الهامدة التي أخفق الأطباء في طلب الحياة لها؛ ثم يخرجها منها وقد حملت مادة شهباء، فإما أن يدخلها في أنابيب رفيعة يسدها بنتافات من القطن بيضاء، وإما أن يضع عليها الأصباغ ثم ينظرها بالمجهر فيريه بَشِلاّتغريبة منتفخة الأطراف، وقد تنقّطت وتخططت بصبغته الجميلة الزرقاء، وكشف عن هذه البشلة في الحلوق جميعها، وأسرع يطلع أستاذه كوخ عليها

لاشك أن كوخ أخذ بيد لفلار أخذا وهو يكشف عن هذه البشلة. وكأني بك تسمع كوخ يقول له: (لا فائدة من النط إلى استنتاجات غير ناضجة، يجب عليك أول شيء أن تربيِّ هذا المكروب نقيا، ثم عليك بعد ذلك أن تحقنه في حيوانات، فإذا هي أصيبت بمرض يشبه دفتريا الإنسان تماما، إذن. . . .) كيف كان يضل لفلار وإلى جانبه هذا المتحذلق الشديد في حذلقته، هذا الحذر الغالي في حذره، طَلاّبُ الحقيقة وسيد قنّاص المكروب؟ كيف كان يضل لفلار وإلى جانبه هذا الداهية ينظر إليه ازورارا من نظارته التي ما كانت تفارق عينيه أبدا؟

وامتحن لفلار جثة طفل بعد أخرى، وفتش في كل جزء من أجزائها وهي طريحة تبعث الأسى في القلوب، وصبغ مائة سليخة مختلفة من كل عضو من أعضائها، ثم حاول أن يربيِّ هذه البشلات المخططة نقيّة، وأفلح في ذلك سريعا، ولكنه لم يجد هذه البشلات حيثما بحث في الأجساد إلا في الغشاء الذي بحلوقها، ودائما في هذه الحلوق، إلا طفل أو طفلين، كان يقع على هذه البشلات المنتفخة الأطراف، فتفكّر لفلار: (كيف تأتى لهذه المكروبات القلائل التي لا تحلّ من الجسم إلا في الحلق، كيف تأتىَّ لها وهي لا تفارق مكانها أن تقتل الطفل بمثل هذه السرعة؟ ولكن لعل الأولى بي أن أتبع ما قال السيد كوخ). وبدأ يحقن زريعاته من البشلات النقية في الأرانب في قصباتها الهوائية، وفي الخنازير الغينية تحت جلودها. وما أسرع ما ماتت هذه الحيوانات. ماتت في يومين أو ثلاثة كما يموت الطفل أو كانت أسبق إلى الموت. ثم أخذ يبحث عن المكروبات في أجسام هذه الحيوانات فلم يجدها إلا حيث دخلت الحقنة فحسب. . . . . . وأحيانا أعوزه وجودها حتى هنالك، إلا أن تكون وحدات منها قليلة ضعيفة لا تقوى على الإضرار ببرغوث صغير.

وتساءل لفلار: كيف أن قليلا من بشلات تحل من الجسم في ركن قصِيّ منه، كيف أنها في قلتها وعزلتها تستطيع أن تصرع هذا الجسم وهو في عظمه أكبر منها ملايين المرات

وكان لفلار باحثاً أميناً لا يفوقه في أمانته من البُحّاث أحد. وكان دقيقاً بطبعه فكانت تواتيه الدقة بغير عناء. وكان أقل الرجال حظا من الخيال الجامح فلم يتدخل شيء منه في نتائجه الدقيقة فيزينها - أم هو يفسدها - بالذي ليس منها. وجلس يوما إلى مكتبه وكتب رسالة علمية تتضمن خلاصة بحثه، فكانت مقالة متواضعة، باردة، لا تؤمل قارئها في شيء، ولا تحمسه لأمر. كانت على نقيض ما يكتب المحامون. وجادل فيها أمر هذه البشلات، أهي سبب الدفتريا وجرثومتها أم هي غير ذلك. ذكر كل الحقائق التي قد تؤدي إلى أنها جرثومتها حقا، وذكر كل الحقائق التي قد تؤدي إلى نقيض ذلك. تشبث بالأمانة تشبثا كبيراً، وكتب كل ما قد ينفي أن تكون هذه البشلة سبب الداء: وكأني بك تسمعه إذ يحدث نفسه وهو يكتب فيقول: (قد تكون هذه المكروبة هي السبب، ولكني في عدد قليل من جثث الأطفال لم أستطع أن أجدها. . . والحيوانات التي حقنتها لم يصبها شلل كالذي يصيب الأطفال. . . والحقيقة التي هي أشد مناقضة لي هي أني وجدت نفس هذه المكروبة - وهي تقتل الأرنب والخنزير الغينيّ - في حلق طفل ليس عليه من أعراض الدفتريا شيء)

وغالى في أمانته فلم يقدر بحثه الجميل الذي أتاه حق قدره، ولكنه في أخر رسالته كتب فقرة أوحى فيها بحل المعضل وفك المشكل وإيضاح السبيل إلى سر هذا الداء، إيضاح السبيل إلى غيره لا إلى نفسه، إلى الفرنسي رو وإلى الألماني بارنج اللذين جاءا من بعده وكانا أشد منه خيالاً وأنفذ به في المشكلات المعضلات بصيرة. غريب أمر لفلار! عرف السبيل الذي يسلكه لبلوغ الغاية، ولكن بدل أن يتحرك هو ويقوم على قدميه فيسلكها، إذا به يدل غيره فيفوز سواه بالحمد دونه. قال لفلار: (إن هذه البشلة تبقى على رقعة قليلة لا تخرج عنها في غشاءٍ ميّت في حلق الطفل المريض. وتبقى كذلك في مساحة ضيقة لا تعدوها تحت جلد الخنزير الغيني بعد حقنه. فهي لا تتكاثر فتصير ملايين وتعم الجسم كما نتوقع ولكنها مع ذلك تقتل حيث هي من مكانها! فكيف يكون هذا؟ لابد أنها تصنع سّما يخرج عنها فيسير وحده في الجسم حتى يصل إلى موضع منه قتّال. فلابد من التفتيش عن هذا السمّ ولابد من وجوده. فتشوا عنه في جثث الأطفال، أو فتشوا عنه في أجسام الخنازير الغينية التي قتلها الداء. نعم. نعم. أو فتشوا عنه في الحساء الذي تنموا فيه البشلة وتربو. . . إن الرجل الذي يكشف عن هذا السم سيثبت ما عجزت أنا عن إثباته)

هذا هو الحلم الذي أرآه لفلار؛ هذه هي الرجية التي ارتجاها؛ هذا هو المفتاح الذي وضعه لفلار في كف رو، والذي فتح به رو ما استغلق على لفلار

في العدد القادم: كيف أكتشف رو سم الدفتريا أحمد زكي