مجلة الرسالة/العدد 144/الحياة الأدبية في لبنان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 144/الحياة الأدبية في لبنان

مجلة الرسالة - العدد 144
الحياة الأدبية في لبنان
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 04 - 1936


بقلم سامي الشقيفي

كتب الأستاذ علي الطنطاوي في عدد سلف من (الرسالة) عن الحياة الأدبية في دمشق، وفي عدد آخر تكلم الأستاذ عبد الوهاب الأمين عن الحياة الأدبية في العراق، فكان من الإنصاف لإتمام الفائدة أن نتكلم عن الحياة الأدبية في لبنان

ظواهر الحركة الأدبية في لبنان راكدة كما في سوريا والعراق. فالصحافة الأدبية تكاد تكون معدومة، أما التأليف والنشر فتمر الأسابيع والأشهر دون أن تخرج المطابع كتابا نفيسا؛ وجمهور الشباب معرض عن المنتوجات الأدبية العربية - الواقع أن إقبال الشباب في الأقطار العربية على الثقافة الأجنبية (وان يكن نفخ روحاً جديداً في الأدب العربي) قد أضر كثيرا بالحركة الأدبية خصوصاً في لبنان. فشبابنا المثقف حائر بين الأدب الغربي (العالمي حقاً) والأدب العربي الناقص بازائه. يقبل على الأول لأنه يرضي ذوقه وثقافته، ويجذبه إلى الأدب العربي نوع من الشعور الوطني. في مصر والعراق وسوريا - وهي بلدان مسلمة - يتعلم الشبان القرآن منذ صغرهم فينشئون وفي نفوسهم ملكة عربية لا تستطيع الآداب الأجنبية أن تطغي عليها. وليس الأمر كذلك في لبنان. ولولا البكالورية اللبنانية التي توجب على الطلاب درس الأدب العربي لأهمله هذا النشء الجديد دون ما تبكيت

وقد كانت الحركة الأدبية عندنا في لبنان إلى الأمس القريب تنجلي بقصيدة رثاء أو مدح أو مقالة شكوى أو كتاب لا يتعدى موضوعه المبتذل الفارغ؛ ولكن من الإنصاف أن نقول إن البعض من أدبائنا نشروا كتباً لا بأس بها وإن كان لا يرضى عنها الذوق الأدبي السائد اليوم، ومن هؤلاء الأدباء أمين الريحاني صاحب (ملوك العرب - ابن سعود - فيصل الأول - قلب العراق)، وعمر الفاخوري صاحب (غاندي - أناتول فرانس)، ولبيب الرياشي وجميل بيهم، وميخائيل نعيمه مؤلف (المراحل - جبران)، وسلمى صائغ كاتبة (النسمات) ونظيره زين الدين مؤلفة (السفور والحجاب)

وقد أثر على النشاط الأدبي عندنا المجتمعات التي كانت تعقدها سيدات على جانب وافر من العلم والذكاء، وهذه المجتمعات تشبه في أكثر النواحي صالونات أديبات فرنس القرن التاسع عشر. ومن أشهر سيداتنا الأديبات سلمى صائغ وحبوبة حداد وماري يني وجوليا طعمه. أما الصحافة التي يتجلى فيها النشاط الأدبي فقد كانت المجلات النسائية العديدة كالمرأة الجديدة والحياة الجديدة ومينرفا والخدر - وكان الاعتقاد السائد بين الأدباء أن المثل الأعلى في الأدب هو أدب القرن السابع عشر الفرنسي (وإن كانوا لم يطلعوا عليه)؛ والمتطرفون منهم كانوا يقتبسون من العصر الرومانتيكي - أما اليوم وقد نضج هذا الفوج من الأدباء الذين ذكرناهم ولا يرجى منهم أفضل مما أنتجوا، فقد هدمت حركتهم الأدبية وتوقفت مجلاتهم وأفسحوا المجال لغيرهم. فعندنا الآن فوج من الأدباء الشبان (لا يزالون زغب الحواصل فلم يطيروا بعد في الأجواء) كما قال أحد الكتاب، إلا أنهم أثروا على الأدب في لبنان. منهم عصبة العشرة التي بثت روحاً جديداً في الأدب ووجهت خطواته على غرار الأدب الغربي الحديث؛ ولكن حركتها ما عتمت أن سكنت ولما تؤد رسالتها على الوجه الأكمل الذي كانت ترجوه. وقامت أخيراً ندوة الاثني عشر تضم عددا من الشبان المثقفين ثقافة عالية يجتهدون للنهوض بالأدب في لبنان نهضة صحيحة من كل نواحيه؛ والأدب في لبنان يتجه نحو القصة لأنها تتحمل الدروس النفسانية ولأنها من أرقى صور الأدب؛ ومن أبرز الذين يعنون بالقصة خليل تقي الدين وتوفيق عواد ورئيف الخوري، وقد تطورت عقلية النشء الجديد من الأدباء على نحو الأدب الفرنسي الحديث حتى أن عندنا ما يدعونه الأدب العاري يبشر به فؤاد حبيش؛ وعندنا الأدب الشعبي ينشره توفيق عواد ورئيف الخوري؛ وهم يرون أن الأدب يجب أن يستمد مواده من كل مظاهر الحياة لا من خفايا النفس وعواطفها فقط

أما النقد الأدبي على الأساليب العلمية الحديثة فحامل لوائه في لبنان فؤاد البستاني الذي كان له الفضل الكبير في توجيه الشبان نحو الثقافة العربية بنشره سلسلة (الروائع)، وهو الآن يعد كتاباً عن عواصم الأدب يبحث في تأثير المحيط على الأدب. فلكي يفهمنا الأدب العباسي ويطلعنا عليه يصف لنا بيئته في بغداد؛ وفضل فؤاد البستاني الأكبر أنه دون سواه من الأدباء يشجع من يرى فيه سمات الأديب فيحثه على التأليف والنشر ويعضده بنفوذه الأدبي الكبير. وثمة نقادة آخر يمكننا أن نقارنه في كثير من النواحي بالأستاذ أحمد أمين، هو جبرائيل جبور الذي ينشر الآن كتاباً ضخماً عن عمر بن أبي ربيعة (دون جوان) العرب

وأما في الشعر فقد ساد أول الأمر محافظون ينظمون في الرثاء والمديح والغزل والفخر أيضاً لا يحيدون كثيراً عن أمراء الشعر في الأعصر الماضية، إنما كان يلمع في شعرهم وميض من التجدد وتسمع في أبياتهم رنة موسيقية عذبة. ومن أشهر الذين أجادوا أمين تقي الدين وبشاره الخوري. ثم جاء الشاعر الياس أبو شبكه فتطور معه الشعر بما حمله إليه من نفس صادق وبخروجه عن أدب المناسبات والمواضيع الجوفاء؛ وخطا يوسف غصوب بالشعر خطوة واسعة موفقة بديوانه (القفص المهجور). وكان المرحوم أديب مظهر أول من أدخل إلى الشعر العربي نظرية الشعر الرمزي التي يعتنقها اليوم شعراء مجيدون حقاً كصلاح لبكي وأمين نحله وسعيد عقل الذي نشر مسرحية شعرية موفقة جداً (بنت يفتاح). لن أسهب في الكلام عن الشعر الحديث في لبنان ولكن أكتفي بالقول أنه من أرقى ما عرفته الآداب العربية. وثمة شعر لبناني محض يمثل فرعاً لنفسه هو الشعر العامي، وقد ارتقى جداً وزعيمه الأول رشيد نخلة؛ ولقد تطور هذا النوع من الشعر على غرار الشعر الحديث؛ ومحدث هذا التطور ميشيل طراد فهو أيضاً ينهج نهج الشعراء (الرمزيين)، والشعر اللبناني هذا يمتاز بشدة تأثيره على النفس

وكان من إقبال اللبنانيين على الآداب الأجنبية أنهم أضحوا يؤلفون بهذه اللغات. وكُتُب الريحاني وجبران بالإنكليزية مثلاً مشهورة؛ وهنالك كتب في السياسة والحقوق باللغة الفرنسية. وآخر ما أنتجه اللبنانيون من دواوين شعر فرنسي كان له دوي بعيد في فرنسا ونال لأجله بعضهم الجوائز من محافل الأدب العالية كشارل قرم الذي نال جائزة ادجاربو في فرنسا لديوانه الجبل الملهم، وغيره أيضاَ

وينشط اللبنانيون جداً للتأليف باللغات الأجنبية، ولنقل أفضل مؤلفاتهم العربية إلى الفرنسية ليطلعوا الغرب على ثقافتهم (وهي مظهر رقيهم) ويأخذوا مكانهم في الأدب العالمي

والخلاصة أننا لسنا متشائمين من حال الأدب عندنا. بل ما نراه حولنا من مظاهر النشاط الكامن يبشرنا بمستقبل زاهر وبأن الحركة الأدبية في لبنان ستخطو خطوات بعيدة جداً

سامي الشقيفي