مجلة الرسالة/العدد 144/القصص

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 144/القصص

مجلة الرسالة - العدد 144
القصص
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 04 - 1936


درامة من اسخيلوس

المتضرّعات

للأستاذ دريني خشبة

مقدمة:

كتب إسخيلوس هذه الثلاثية الرائعة وهو شاب في مقتبل حياته، ولم يبق منها، وا أسفاه، غير الدرامة الأولى، أما الثانية والثالثة فما تزلان مفقودتين. وقد استطاع العلماء الجهابذة من الألمان الحصول على مغزاهما، وبهذا تمت لنا الثلاثية بموضوعها وإن لم تتم بمبناها. والدرامة تنبع من أسطورة يو التي نشرتها الرسالة آنفا والتي تتلخص في أن زيوس كبير أرباب الأولمب أحب الفتاة يو حباً مبرحا فكان يختلف إليها سراً مخافة أن تضبطه وإياها زوجه حيرا فيحدث ما لا تحمد عقباه. . . ولكن. . . وقع ما خافه زيوس. . . فبينما كان يلهو بحبيبته مرة إذ لمح زوجه مقبلة. . . فأسقط في يده. . وسحر يو بقرة بيضاء. . . وراح يدعي أنه يرعاها. . . ولكن الحيلة لم تنطل على حيرا فسألته أن يمنحها البقرة علامة على حبه لها، فأجابها. . . وناطت بها حيرا خادمها الفظيع آرجس، ذا المائة عين يحرسها ويلحظها أنى سارت وأيان توجهت. . وذاقت يو الأمرين من هذه الحال حتى لقيت أباها رب أحد الأنهار مرة فتحدثت إليه بما كان من أمرها مع زيوس. . ولم يطق سيد الأولمب صبراً، فأنفذ ولده الصناع هرمز إلى آرجس ليحتال عليه ويقتله وينقذ يو من شره. . . وأفلح هرمز في مهمته، ولكن حيرا نقمت على البقرة وسلطت عليها ذبابا ساماً ما فتئ يقرصها ويعضها حتى تصالح زيوس وحيرا، ورجاها أن تطلق سراح يو فقبلت، على شريطة أن تنطلق من هيلاس كلها!! وقبل زيوس، وأعاد إلى يو صورتها. . . وأنفذها إلى. . . شطئان مصر. . . حيث تزوجت بفرعونها العظيم. . . وكان من نسلها هؤلاء النسوة المتضرعات، اللائى يتحدث إسخيلوس عنهن في هذه الثلاثية ونحن نعتمد في تلخيص الدرامة الأولى الباقية على ترجمة لويس كامبل (طبعة إكسفورد) الشعرية، أما الدرامتان الأخريان المفقودتان (مصلحات فراش النوم) و (دانايديز) كما ذكرهما الأستاذ جلبرت موري في تاريخه عن الأدب الإغريقي (طبعة أبلتون ص217) فسنخلصهما معاً معتمدين في ذلك على الأستاذ هـ. ا. جربر ص 142

- 1 -

يرجع بنا إسخيلوس إلى عصر موغل في القدم، حتى ليكاد أن يكون عصرا خرافياً

ذلك هو العصر الذي كان في إيجبتوس أميراً على مصر السفلى. . . إيجبتوس الذي لا يعرفه التاريخ. . .

وكان لهذا الأمير خمسون ابناً، وكان لأخيه دانوس خمسون ابنة، فأراد إيجبتوس أن يزوج أبناه الخمسين من بنات أخيه الخمسين، برغم ما في هذا الزواج من مخالفة لشرائع الدين في مصر في هذا الزمان، ذلك أن هذا الدين الذي كان يبيح زواج الأخ من أخته، كان مع ذاك يحرم زواج ابن العم من بنت العم، ويعتبره - لو تم - نوعاً من الزنى

- 2 -

لذلك صمم دانوس، التقي الورع المتعبد، المتفاني في طاعة الآلهة، ألا يتم هذا الزواج

وسبب آخر جعل دانوس يغلو في تصميمه، ويتشبث به، برغم ما تجره عليه عداوة أخيه، أمير مصر العظيم، من بلاء وأرزاء

ذلك أنه كان لا ينوي تزويج واحدة من بناته الخمسين قبل أن يودع الحياة، وقبل أن يجيئه الموت، وقبل أن يجرع كأس المنون حتف أنفه! وكيف؟

لقد ذكر دانوس، حين كلمه أخوه الأمير في بناته الخمسين، تلك الرؤيا المفزعة التي أريها إذ هو شاب في غضارة الشباب، فأقضت مضجعه، وطمست مباهج الحياة في قلبه، وتركته لا يفكر إلا في هذه النهاية المريرة التي تدحرجه إلى شفاها الأيام؛ ويقذف به في هاويتها الزمان الغدار!!

رأى دانوس، إذ هو نائم فوق ضفاف النيل السندسية المعشوشبة، في ليلة مقمرة من ليالي الصيف الجميل الفضي، أن زوجاً من أزواج بناته يقتله، ويغمد خنجره ذا القبضة الذهبية في أحشائه، ثم يقذف بجثته الممزقة بعد ذلك في النيل، فتحملها أواذيه إلى اليم المصطخب، إلى حيث لا يدرك لها قرار!!

(إذن لن أزوج واحدة من بناتي!!)

وذهب في الأرض على وجهه يلقي الكهان وسدنة الآلهة ليفسروا له الرؤيا، فما زاده لقاؤهم إلا ترويعاً، لأنهم جميعاً أكدوها له. . . وإذن. . . (فلن أزوج واحدة من بناتي!!)

- 3 -

وألح إيجبتوس على أخيه، ولكن دانوس ظل يمطله. . ويمطله

وأعد دانوس مركباً كبيراً حمل فيه بناته. . . وأبحر في ظلام الليل. . . إلى مملكة جدته. . . جدته يو. . . حبيبة زيوس سيد الأولمب وكبير الإلهة. . . . ليبارك ذراريها، ويسهر على أحفادها!

وقد ضرب في البحر، ولعبت بمركبه الأنواء، وطفق يلقي مور اليم وتناحر الموج ما أرخص له الموت. . . لولا أن استوى على شاطئ آرجوس، فنزل وقد بلغ منه الأين، وحطمه النصب

- 4 -

وسار ببناته حتى بعد قليلا عن الشاطئ، وحتى كان في البقعة المباركة المطهرة، التي جعلتها آرجوس حرماً للآلهة، وأقامت فيها التماثيل لأربابها. فوقف دانوس يعرّف بناته بسادة الأولمب، وانطلق البنات يغنين لآلهة هيلاس، ويقرئنهن السلام من آلهة النيل، وطفقن يهزجن بنشيد طويل حلو، تنضحه الدموع وتصهره حرق في الضلوع، ويفيض منه الموجعان الشجو والشكو!!

وإنهن لفي صلاتهن وتغنيهن، وإذا رجل طوال سامق، بادي الهيبة موفور الوقار يخرج إليهن فجأة من الأدغال القريبة، فيقف لحظة يرنو إليهن، ثم يتقدم فيسألهن:

- (مَن النَّسوةُ المهاجرات في هذا الزي الغريب! منظر عجب وآلهة الأولمب! الشاكيات الباكيات في ثياب بربرية، لا أرجفية ولا إغريقية؟! منْ؟ ما هذه الأفنان الناضرة؟ أمن الزيتون هي! وفيم وضعتُنها عند أقدام التماثيل يا مهجرات؟ تماثل آلهتنا، وأوثان أربابنا المباركة؟)

وتتقدم إليه كبراهن فتسائله:

- (إن يكن قد بدهك زينا فمن أنت! أمواطن من آرجوليس؟ أم موكل بهذا الحرم تحرسه وتقوم عليه؟ أم عظيم من آرجوس ونابه من حكامها؟ هل للسيد أن يجيب؟!)

وهش الرجل وبش، وتبسم ضاحكا من قول الفتاة، ثم تلطف فذكر له أن ببلاسجوس بن باليختون، ملك آرجوس وحامي ذمارها؛ وأوضح فذكر شعبه وأملاكه ومدائنه، وهذا السهل وذاك الجبل وتلك الوهاد. . . وهاتيك البطاح

واهتزت الفتاة من رهبة وقالت: (إذن. . . فنحن نمت إلى آرجوس بوشائج القربى، نحن يا مولاي من نسل البقرة المشردة على حفافي النيل. . . هرعنا إلى آرجوس نلتمس الحمى!)

- (من نسل البقرة المشردة؟ وتمتن إلى آرجوس بوشائج القربى؟ عجيب وآلهة الأولمب؟ إن ملامحكن لا تدل على أصل إغريقي البتة!! وربما كنتن من هذه القبائل الضاربة في أباطح إفريقيا. . . من مصر. . . أو من أثيوبيا يا بنات! أو عسى أن تكن هنديات من اللائى يضربن أفخاذ الإبل هنا وهناك في جنبات آسيا. . . آه! لا لا، بل عسى أن تكن أمازونات يا فتيات!! أمازونات لا يعرفن الرجال قط. . . يغتذين باللحم النيئ!. . . خبرنني بحق الآلهة عليكن. . . إن كنتن تمتن بوشيجة إلى آرجوس فكيف كان ذلك؟. . .)

- (قد يعرف الملك ما كان بين سيد الأولمب وبين يو من علائق!)

- (أجل، أعرف. . . أعرف. . . ولكن ماذا كانت عاقبة يو؟)

- (لقد سحرتها حيرا بقرة. . .)

- (وزيوس؟!. . .)

- (سحر نفسه عجلا جسدا له خوار!)

- (ثم. . . . . .)

- (ثم لم تبال به حيرا، بل وكلت ببقرتها حارساً غليظاَ ذا مائة عين!)

- (مائة عين؟ حارس ذو مائة عين من أجل بقرة واحدة؟ يا له من راع!)

- (أجل. . . آرجس أيها الملك، الذي قتله هرمز) - (ولما قتله هرمز، هل أطلق سراح البقرة؟)

- (لا، ولكنها أرسلت عليها الذبابة السامة تعضها، وتنغص حياتها، وتزيدها شقاء على شقاء

- (وأين انتهى بها المطاف يا فتاة!)

- (خاضت البحر اللجي حتى كانت على شواطئ مصر حيث تتدفق أمواه النيل. وثمة أعاد إليها زيوس شبابها وعنفوانها وأولدها إبافوس. . . منشئ ممفيس

- (وهلا تذكرين لها أطفالاً آخرين؟)

- (بلى. ولدها (بل) وقد أنجب بل ولدين كريمين، أبانا هذا الشيخ. . . و. . .

- (أباكم؟ ما أسمه؟. . .

- (دانوس أيها الملك ونحن بناته الخمسون. . .

- (وأخوه؟ ما اسم أخيه؟

- (إيجبتوس أمير مصر وملكها. . . والآن! هل تأكدت من صدق منشئنا؟

- (لا ريب! حصحص الحق! ولكن اذكري لي! فيم هاجرتن من بلادكن؟

- (أوه!! إنه لأمر يهيج أشجاننا أيها الملك!؟ يا للدنيا التي تكظها الآلام. . .

- (إن لكن لشكاة يا فتيات، فلا تخشين أن تبحن بها، إنكن بحضرة ملك آرجوس وإن هذه الأفنان التي وضعتنها عند أقدام إلهتنا لنتكلم عن شكاتكن!. . .

- (إن كان لابد أن تعرف، فقد رفضنا أن نكون خولا لعمنا إيجبتوس! لقد أرادنا على أن نكون متعة لأبنائه الخمسين فرفضنا، لأن شرائعنا تأبى ذلك. . . وها قد لجأنا إليك لتحمينا فلا تسلمنا لعمنا أبدا!)

- (يا للهول!! إني لألمح لهب الحرب يومض في ظلماء المستقبل!)

- (ولكن زيوس سيكون إلى جانبك!)

- (أواه! قد أجر الحراب على آرجوس! من يستطيع أن يمنع إيجبتوس حقه فيكن؟)

- (الآلهة تستطيع ذلك إذا أيدت قضيتنا وآزرتنا أيها الملك. . . الآلهة تنصر الفضيلة دائماً)

- (على كل. . . أنا لا أستطيع أن أبرم في ذاك أمراً دون أن أستشير شعبي ورجال دولتي!)

- (أنت الحكومة وأنت الشعب وأنت الدولة!)

- (كلا يا فتيات! أنا ملك آرجوس فحسب! لا بد من الشورى!)

- (إذن!. . .

- (إذن ماذا يا فتيات!

- (إذن. . . وحق آلهتك. . . لنشنقن أنفسنا في جذوع هذه التماثيل! ولتكونن مأساتنا خزياً أبدياً في شرف آرجوس لا تمحوه الأيام!!

- (وا حربا! على رسلكن يا فتيات! لا تسئن الظن بشرف آرجوس وشجاعة ملكها. . . ولكنا هنا قلب واحد ينبض بأحاسيس واحدة! بيد أنني أدلكن على مخرج من هذا المأزق الحرج. . . ليذهب أبوكن - هذا الشيخ - بهذه الأفنان الناضرة، فليلقها لدى أقدام الآلهة في معبد المدينة حيث يعكف الشعب على أربابه يبتهل إليها ويصلي لها. . . فإذا سأله في ذلك أحد، فليبث شكواه، وليذرف دموعه، وليكسب إلى جانبه الجماهير الحاشدة التي نحكم باسمها ونستمد منها سلطاننا! فهنالك، وهنالك فقط، يستطيع ملك آرجوس أن يؤيدكن، وأن يحميكن. . . أما أن أعدكن بالحماية من غير أن أرجع إلى شعبي. . . فـ. . . فأنا أخشى أن يقولوا إني أذهبت ريحهم وهرقت دماءهم فيما لم يكونوا منه بسبيل!!)

- 5 -

ويُنْفذ الملك مرشداً مع دانوس يدله على الطريق إلى معبد آرجوس الجامع، ويودع البنات لينطلق بدوره، فيؤيد قضيتهن بين وزرائه، وليرقق قلوب الشعب من أجلهن، وليضمن لهن مؤازرة آرجوس كلها

ويأخذ الفتيات في صلاة طويلة كلها آمال وكلها أماني، وكلها ضراعة وكلها ابتهال، وكلها تذكير للآلهة بما حاق بذرية يو التعساء، ثم ثناء على أرباب الأولمب لا ينتهي!

- 6 -

وفيما هن يصلين هذه الصلاة الطويلة، إذا أبوهن، دانوس الشيخ، يدخل عليهن فجأة، حامل إليهن البشرى - (ليهنكن يا فتيات!! ليهنكن! لقد ضمنا أصوات الشعب وتأييد آرجوس!)

- (أبانا! بوركت! يا للبشرى! ولكن. . . قص علينا كيف تم ذلك بحق الآلهة عليك!)

- (ما كدت أجوس خلال آرجوس حتى تكبكب الشعب حولي، مأخوذاً بغرابة بزتي وعجيب هيئتي. . . وزادهم إجلالاً أني ظهرت فيهم كضيف للملك وصديق لآرجوليس؛ فلما نثرت الأفنان عند أقدام الآلهة، وصليت وبكيت، وبثثت شكواي، رثى الأرجيف الكرماء لي، فناشدتهم أن يؤازروني، ويشددوا عضدي، ضد عدوي الغاشم الذي أراد أن يفضحني فيكن، ويجر الخزي عليكن. فهتفوا لي، وحيوني تحية الأبناء الأمناء، وأعطوني موثقهم على افتدائي بأزكى الدماء. . . وعاهدوني على أن يذودوا العالمين دوني. . . ثم هالني أن أرى السماء ترسل أضواءها فتملأ أركان المعبد بهاءً وتكسبها رونقاً ورواء. . . وأقبل الملك فهتف الشعب له، والتفوا حوله، فخطبهم في شأني وحذرهم أن يغضبوا زيوس ربهم إذا لم يؤازروني، وينصروني، ويؤيدوا حقي على باطل عدوي. فهتفوا بلسان واحد أن كيف لا ينصرون لاجئاً إلى قدس زيوس، مستجيرا به، مستشفعاً بآرجوس يرجو حماها! ثم عرضوا آخر الأمر أن أقيم بين ظهرانيهم كواحد منهم، وأن تكون لكن من الحقوق ما للأرجيفيات، غير خائفات ولا مروعات. . . هذه يا بناتي قصتي، وهذه أقضية السماء فاشكرن لها وتبتلن)

(البقية في العدد القادم)

دريني خشبة