مجلة الرسالة/العدد 11/في الأدب الشرقي

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

مجلة الرسالة/العدد 11/في الأدب الشرقي

مجلة الرسالة - العدد 11
في الأدب الشرقي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 15 - 06 - 1933


نامق كمال

للدكتور عبد الوهاب عزام

أبو الأدب التركي الحديث الذي نزل من أفكار الترك وقلوبهم منزلة لم ينزلها غيره. والذي لا تزال آثاره مدونة في التأريخ التركي الحديث، محفوظة في قلوب الجبل الحاضر. ولد سنة 1256هـ في أسرة مجيدة يجمع تاريخها كثيراً من كبار الدولة العثمانية وكان أبوه مصطفى عاصم بك فلكياً، وجدَّه - شمس الدين بك رئيس المابينفي عهد السلطان سليم الثالث، وأبو شمس الدين قعبودان أحمد راتب باشا الذي ينتهي نسبه إلى الصدر الأعظم - طوبال عثمان باشا.

وأبو الشاعر من يكي شهر وأمه من قونيجة في ألبانيا. وكان أبوه ديِّناً متصوِّفاً، فلمّا ولد المولود العظيم أخذه إلى أحد الدراويش فدعا له أن (يكون كمالاً للإسلام). تعلم كمال في دار أبيه ودرس فيما درس بها العربية والفارسية والفرنسية، ولم يتعلم في المدارس إلاّ تسعة أشهر.

وفي سن الثانية عشرة ذهب مع جده إلى قارص وكان يمضي أكثر أوقاته في الصين، ثم ذهب إلى صوفيا حيث شرع يقرض الشعر وهو في الرابعة عشرة من عمره. ثم عاد إلى اسطنبول وهو ابن17 فصار مترجماً في الباب العالي واتصل بجماعة من الأدباء الذين يكبّرون الشعراء القدماء ويسيرون على نهجهم فشارك في الشعر وعُرِّفَ به ونشر ديوانا صغيراً تسمى فيه (نامقا) كدأب شعراء الفرس والترك في اتخاذ اسم شعري يردده الشاعر في منظوماته فيعرف به.

وكان شناسي أفندي أحد أدباء الترك الذين تعلموا في فرنسا يحتذي الشعراء الفرنسيين ويحرض ناشئة الأدباء على اتباع أسلوب جديد في الأدب، وكان لمقالاته في جريدته (تصوير أفكار) أثر عظيم على نامق كمال وأضرابه من الشبان، فأُعْجِبَ كمال به وشارك في تحرير جريدته ودعا إلى تجديد تركيا في السياسة والأدب وعظمت مكانته. فلمّا فرّ شناسي أفندي إلى باريس 1280هـ (1864م) خلفه في تحرير الجريدة، فانتشرت (تصوير أفكار) انتشارا عظيماً.

وقد ضاقت الحكومة العثمانية ذرعاً بمقالاته فأرادت أن تشغله ببعض المناصب فجُعِل متصرفا للقلعة السلطانية في غليولي زمنا قصيرا وهو في سن 23. وبعد حين أريد إرساله سفيراً إلى بلاد العجم فأبى. وانتهى الأمر بينه وبين الحكومة إلى أن فر هو وجماعة من أنداده إلى لندرة سنة 1282هـ (1866م) ويقال انه ذهب إليها إجابة لدعوة مصطفى فاضل باشا ونشر لندرة جريدة (المخبر) ثم نشرها في باريس ونشر بعدها جريدة (الحرية) وفي باريس درس الحقوق والاقتصاد السياسي وترجم بعض الكتب من الفرنسية.

ولما مات الوزير عالي باشا سنة 1287هـ رجع كمال إلى استانبول فنشر جريدة (عبرت) فصارت أعظم الجرائد التركية. ولا يزال أدباء الترك يحرصون على صفحات هذه الجريدة ومقالاتها، وكتب إذ ذاك قصة (وطن ياخود سلستريا) فلم تحتمل الحكومة جرأته وصرامته، فنفته إلى قبرص فحبس بها وكتب هناك قصته الأخرى (عاكف بك)

ولما تولى السلطان مراد رجع إلى استانبول بعد أن أقام في منفاه 38 شهراً، وشارك مدحت باشا وضيا باشا في تحرير الدستور. ولما تولى السلطان عبد الحميد لم يصبر على أقوال كمال وأفعاله، فأُوخذ وحبس خمسة أشهر ونصف، شغل أثناءها بقراءة التاريخ ابتغاء أن يكتب تاريخاً للجيش العثماني. ولما برأته المحكمة مما اتهم به نفاه السلطان إلى جزيرة متلين وهنالك كتب قصائد أعرب فيها عن شكاته وحزنه، وكتب قصتين (جلال الدين خوارز مشاه) و (جزمي) تناول فيهما بعض حادثات التاريخ الإسلامي. ثم جعل متصرفا للجزيرة التي هو بها ثم نقل إلى رودس وكانت أكثر ملاءمة لصحته. وفي رودس شرع يكتب تاريخ الدولة العثمانية وقد جمع بها مكتبة حافلة مكنته من التأليف، ثم جعل متصرفا لمتلين فعاد إليها وواصل كتابة تاريخه على رغم مرضه، حتى منعت الحكومة أن يطبع هذا التاريخ وأمرته ألا يستمر في كتابته، وبعد سنة توفي سنة 1305هـ.

لا يتسع المجال هنا لتعداد مؤلفات نامق كمال، ولكن يمكن إجمالها في الديوان وثماني قصص ومؤلفات تاريخية منها (أوراق بريشان) التي ترجم فيها لصلاح الدين الأيوبي ومحمد الفاتح وسليم الأول ونوروز بك، ومقدمة في تاريخ الرومان والتاريخ الإسلامي وكتاب ردّ فيه مزاعم رينلن الفرنسوي سمّاه (رينان مدافعة نامه سى) وهو من احسن ما كتب في رد ما كتبه رينان عن الإسلام. ومقالات عديدة هي من أروع آثاره. ويتجلى في كتب كمال حماسته وغيرته وإخلاصه في سبيل وطنه والإسلام، كما يتجلى الخلق العظيم، والنفس الكبيرة، والعزة الماضية والصبر على المكارة، والخيال الرائع، والتصوير الجميل والأعراب الحر عن آرائه ومشاعره. ولا ريب ان كمالا هو خالق النثر التركي الحديث والذي مهد

للأدباء الطريقة المثلى في الشعر بعد أن هداه إليها شناسي أفندي: وهذه قطع من آثار نامق كمال وان آثاره لأعظم وأكثر من أن تبين عنها هذه القطع الصغيرة. قال من مقال منشور وعن الشعر والشعراء:

- 1 -

الشاعر مخلوق من البسمات الحزينة: بسمات الطبيعة في أشد أوقاتها وجداً وولهاً. ترى في ضحكة أثر البكاء كقطرات الندى على صفحة الورد، وتلوح في بكائه سمات الابتسام كقوس قزح في السحاب المكفهر. هو أشد الخلائق استئساراً للطبيعة ولكنه يحاول أن يسمو فوقها، بينا هو لا يحسن تدبير أمره، يبغي إن يدفع بذراعيه الضعيفتين كرة الأرض إلى مركز كمال جديد ومحور سعادة آخر. فإذا عيّ بما يريد أرسل أناته الحزينة كأنات البلابل في الأقفاص خلف الحجب السوداء، أو صاح صياح النسور قد حلّقت في اللوح حتى ضاق بأنفاسها الهواء فأهوت مسرعة تملأ الهواء، صر صرتها.

الشعر هذه الصيحات الأليمة والشعراء هؤلاء البؤساء الذين فطروا على هذه الفطرة، لا من يؤلف التفاعيل والأفاعيل من خمسة عشر حرفاً أو يستطيع أن يؤلف القوافي من ثمان وعشرين كلمة. . الخ

- 2 -

وهذه قطعة منظومة ختم كل بيت منها بكلمة (على رغم) فتمثل في هذا التكرار إصرار النفس الكبيرة وثباتها على الدهر القلُب:

لست أبالي إن أعود تراباً على رغم عمري، ولست أفرُّ من عنصري، على رغم الممات.

لا تجعلن نفسك أذلّ من التراب الذي تطأه، اثبت على عزيمتك على رغم الدهر الذي لا ثبات له.

ما تمثل لي الباطل حقاً قط، ولقد اعتمدت على (الحق) على رغم الآلهة كلها.

لا يخفين داهيةٌ آراءه، أعرض على الناس ما تعرف على رغم الدهاة أجمعين.

إن كان لابد للحياة على ظهر الأرض من تمريغ الوجه بالتراب فاختر بطن التراب على رغم الحياة.

رأيت مسير الكائنات شراً فاعتزلها، ووقفت في هذه السبيل وحيدا على رغم الكائنات.

وما التفت قط إلى الحظوظ الفاتنة على رغم ما لاح في طالعي من آلاف الحظوظ.

- 3 -

وهذه أبيات من قصيدة حماسية طويلة.

رأيت ولاة العصر قد حادوا عن الإخلاص والصدق فهجرت المناصب عزيزا سعيدا إن جرثومة هذا الجسم تراب الوطن. فماذا يفيده أن يمزقه الجور والمحنة في سبيل الوطن؟

لا يعين الظلمة إلا الأوغاد كما تنعم الكلب في خدمة الصياد السفاح.

من يخشى لوم الناس ولا يستح من نفسه فنفسه أحقر الناس عنده.

إن انتقام العقلاء من الدهر أن يعتبروا بحادثاته فيزدادوا جدا وصرامة وإقداما.

انتصار الأمة في اتحاد قلوبها والرحمة في اختلاف آرائها

إن عزيمة الرجل المكين تدير العالم، والدنيا في اضطراب من ثبات أولي العزم.

ليس على الأسد المسلسل عار، ولكن العار على الفلك الذي بنصب لحرب أولي الهمم. نحن سلالة الكرام من بني عثمان اختمرت طينتنا بدم الشهادة ونحن أولو المجد والهمم العالية الذين اخرجوا من عشيرة صغيرة دولة مسيطرة على العالم ونحن أصحاب السجايا الرفيعة الذين يرون في ميدان الحمية تراب القبر أهون من تراب المذلة.

هلم أيها الفلك اجمع مظالمك كلها ثم اصمد إلى فان كلت عزيمتي في سبيل الأمة فأنا المرأة الهلوك. . .

أيها الظالمون احذوا منازلة أبطال الحق فان نار الحمية تصهر سيوف الظلم.

- 4 -

- وهذه رباعية دائرة على الألسن من مأثور قوله:

ما حملت في حياتي سلاسل الأسار

وان الدنيا تعرفني مبرأ من قيودها والآصار هذا ميدان الحمية لا تفر أيها الجبار

فليمحك الله من هذا العالم أو فليمحني.